حماس واشكالية الاعتراف باسرائيل
د. محمد علي السقافحماس واشكالية الاعتراف باسرائيل يثير موقفا الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي من وصول حركة حماس الي سدة السلطة الفلسطينية عبر الانتخابات التشريعية عدة تساؤلات حول حقيقة وجدية مشروعهما في نشر الديمقراطية في الشرق الاوسط الكبير وفي العالم العربي خاصة. فلم تكد تظهر النتائج الاولية للانتخابات التشريعية فوزا ساحقا لحركة حماس حتي بدأت تمارس الضغوط علي الحركة بضرورة اعلان اعترافها بدولة اسرائيل وقبولها بالاتفاقات الموقعة مع السلطة الفلسطينية ونبذ الغني. هذه الشروط الثلاثة للادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي التي تنطبق مع الشروط الاسرائيلية تثير عدة تساؤلات عن اسباب عدم طرح الشروط نفسها علي حركة فتح غداة فوزها المزدوج بمنصب رئيس السلطة الفلسطينية وتحقيقها اغلبية مريحة في انتخابات المجلس التشريعي الاول اللذين تزامن اجراؤهما في 20 كانون الثاني (يناير) 1996؟ قد يري البعض في الاجابة علي هذا التساؤل كون حركة فتح المكون الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت اتفاق اوسلو في واشنطن بتاريخ 13/9/1993 ولان عرفات الذي فاز برئاسة السلطة هو في الوقت نفسه رئيس لحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ولذلك من الطبيعي ان توضع تلك الشروط علي حماس لانها ليست عضوا في منظمة التحرير الفلسطينية الموقعة علي اتفاق اوسلو وبقية الاتفاقات اللاحقة.اذا قبل المرء بهذا المنطق فيسعني ذلك ان حزب الليكود الذي لم يكن طرفا في اتفاق اوسلو كان علي الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي مطالبته ايضا بالاعتراف بالسلطة الفلسطينية بعد توليه السلطة خلفا لحزب العمال الاسرائيلي مثلما هو مطلوب الان من حركة حماس . هذا بالنسبة للتداعيات الدولية لفوز حماس المفاجئ في الانتخابات. اما علي الصعيد الفلسطيني هناك تساؤل يفرض نفسه حول اسباب مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الثانية في كانون الثاني (يناير) 2006 وامتناعها عن المشاركة في انتخابات كانون الثاني (يناير) 1996؟ ولماذا حصرت مشاركتها في الانتخابات التشريعية الاخيرة ولم تتقدم بترشيح منافس لمحمود عباس مرشح حركة فتح للانتخابات الرئاسية لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية في كانون الثاني (يناير) 2005؟مفاجأة فوز حماس الساحق في الانتخابات ضاعفت من حجم هذه المفاجأة الشروط الثلاثة التي وضعتها الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي لمواصلة الدعم المالي للسلطة بأن تعترف حماس باسرائيل، وبالاتفاقات السابقة واعلان نبذها للعنف. هذه الشروط الثلاثة التي يراد بها وضع حماس والسلطة الفلسطينية في مأزق تعبر في الحقيقة كما قال خالد مشعل رئيس الدائرة السياسية للحركة عن مأزق الاطراف الامريكية والاوروبية نفسها.فمشاركة حماس في الانتخابات التشريعية لعام 2006 مقارنة بمقاطعتها للانتخابات التشريعية الاولي لعام 1996 تمثل افضل اجابة قاطعة لمطلب اعلان اعترافها بالاتفاقات السابقة.فموقف حماس الرسمي سابقا تمثل دوما في رفض الحركة المشاركة في انتخابات تفرزها اتفاقات التسوية من مؤتمر مدريد حتي اتفاقات اوسلو والقاهرة. فموضوع الانتخابات كان واحدا من البنود الاساسية في اتفاق اوسلو (المادة 3) وافرد لها ملحقا بذاته (الملحق الاول) من بين الملحقات الاربعة للاتفاق. وعموما يمكن القول علي صعيد النصوص ان الاتفاقات الفلسطينية ـ الاسرائيلية المتوالية هي المنشئ الاصل للمجلس النيابي وهي التي حددت اسمه، تكوينه واهدافه وحدود ولايته الجغرافية والقانونية وصلاحياته، ومدة ولايته وانتخاب اعضائه عبر الاقتراع المباشر وتحت الرقابة الدولية . من هنا كان موقف حماس الرافض للمشاركة في انتخابات تستمد شرعيتها من اتفاقات التسوية الفلسطينية ـ الاسرائيلية. وبرغم هذا الموقف الرسمي القاطع في ظاهره رأت مع ذلك بعض رموز الحركة ضرورة مشاركتها في انتخابات 1996 ورشحوا انفسهم فعلا للانتخابات بصفة مستقلين لكنهم اضطروا بعد ذلك الي سحب ترشيحاتهم بفعل ضغوطات الحركة عليهم كي لا تؤدي مشاركتهم الي اضعاف الموقف الرسمي للحركة.والملفت للنظر بهذا الخصوص ان السيد اسماعيل هنية رئيس الوزراء المكلف حاليا بتشكيل الحكومة الفلسطينية المقبلة كان واحدا من الشخصيات التي سعت للترشيح بصفة مستقلة في انتخابات 1996، ثم سحب ترشيحه بضغط من الحركة. الم تهدف حماس بتكليفه تشكيل الحكومة المقبلة اعطاء اشارة ضمن اشارات اخري عن واقعية السياسة الجديدة لحماس.وقد تجسدت هذه الواقعية بشكل واضح بقرار حماس المشاركة في انتخابات 2006، مما يعتبر اعترافا منها ليس باتفاق اوسلو فحسب بل ايضا بخريطة الطريق التي استحدثت منصب رئيس الوزراء بصلاحيات مما استوجب تعديل القانون الأساسي للسلطة الذي هو بمثابة الدستور المؤقت باجراء فصل بين رئيس السلطة ورئيس مجلس الوزراء. صحيح ان هذا الاعتراف بالاتفاقات هو اعتراف بالامر الواقع وليس اعترافا قانونيا بالاتفاقات! برغم ذلك فهو يمثل خطوة متقدمة قامت بها حماس مقارنة بمواقفها السابقة. فهي اصبحت الان جزءا من هيكلية السلطة الفلسطينية او حزب السلطة الممسك بزمام الحكومة عند تشكيلها.قبل الانتخابات كانت حماس حركة معارضة بدون اكتسابها صفة الحركة او الحزب المعارض للسلطة لانها لم تكن جزءا من مكونات السلطة والتي اصبحت الان جزءا منه لكونها تشاركت في الانتخابات وفق الاسس والاحكام التي نصت عليها الاتفاقات التي وقعت عليها السلطة مع اسرائيل والتي صاغتها اللجنة الرباعية الدولية في خارطة الطريق . وسيلاحظ هنا بشأن خارطة الطريق في اطار بناء المؤسسات الفلسطينية حين اشترطت اجراء انتخابات حرة ومفتوحة ونزيهة.. وحملة انتخابية ترتكز علي عملية حرة متعددة الاحزاب يعني ذلك اقرارها باحتمال وصول حركة او حزب معارض كحركة حماس الي السلطة بإرادة الناخب الفلسطيني وهو ما حدث بفوز حماس في الانتخابات في كانون الثاني (يناير) 2006، فاذا كانت اللجنة الرباعية الدولية تريد تقييد المشاركة في الانتخابات علي الاحزاب المعترفة مسبقا باسرائيل والاتفاقات القائمة لوضعت مثل هذا الشرط في بنود خارطة الطريق كشرط مسبق وملزم. فبعض التشريعات والدساتير انطلاقا من خلفيات تاريخية تحظر مشاركة بعض الاحزاب في الانتخابات العامة مثل نص المادة (21) من القانون الاساسي لدستور المانيا الفيدرالية التي اعتبرت الاحزاب التي تتعارض اهدافها وبرامجها وطبيعة النظام الديمقراطي الليبرالي للدولة الالمانية بأنها احزاب غير شرعية والمقصود بها تحديدا الاحزاب والحركات الشيوعية والنازية! من هنا يتبين المأزق الذي وقعت فيه الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي بفوز حماس في الانتخابات ومحاولتهما الخروج من المأزق بوضع تلك الشروط المقيدة لاحقا بعد اعلان النتائج. والمأزق الآخر ان الجانبين الامريكي والاوروبي لا يستطيعان علنا الالتقاء بممثلين لحركة حماس كونهما وضعا الحركة في قائمة المنظمات الارهابية المحظور التعامل معها، لذلك التقط الرئيس الروسي هذه الفرصة كأحد اطراف اللجنة الرباعية الدولية لتوجيه دعوة لوفد حماس لزيارة موسكو والتفاوض معها، لان موسكو لم تصنف الحركة كمنظمة ارهابية مما يعطيها مرونة في التعامل مع حماس التي تفتقدها الادارة الامريكية والاتحاد الاوروبي. مبدئيا من المفترض ان يختلف الوضع حين يتم تشكيل حكومة حماس بتغير اساس العلاقة بين الطرفين فلن تكون العلاقة مع حركة محظورة وانما مع حكومة تشكل واحدة من مكونات بنية السلطة الوطنية الفلسطينية المعترف بها امريكيا واوروبيا والتي لا يحق لهما قانونا سحب اعترافهما السابق بالسلطة لمجرد تشكيل حماس الحكومة لان هذه الحكومة لم تصل الي السلطة عبر ثورة او انقلاب عسكري لسحب الاعتراف بها وانما جاءت الي السلطة عبر آلية الانتخابات الحرة النزيهة.اما بخصوص طلب ضرورة اعلان حماس اعترافها باسرائيل فهي ليست ملزمة بذلك وفق القانون الدولي من جهة ومن جهة اخري لسببين آخرين: الاول، رسائل الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل في 9/9/1993 واعادة تأكيده بتوقيع اتفاق اوسلو في واشنطن في 13/9/1993. والسبب الثاني اعلان السلطة موافقتها الرسمية المبكرة وغير المشروطة (مقارنة بالحكومة الاسرائيلية) علي خارطة الطريق التي نصت في بداية تنفيذ المرحلة الاولي ان تصدر القيادة الفلسطينية بيانا جليا لا لبس فيه يعيد تأكيد حق اسرائيل في الوجود بسلام وامن وعليه كما اشرنا كون حماس اصبحت الان بعد نتائج الانتخابات جزءا من هيكلية السلطة التي سبق وان اعادت التأكيد علي حق اسرائيل في الوجود فليس هناك ما يلزم حماس بالتأكيد علي اعادة التأكيد من جديد لما قامت به السلطة الفلسطينية!وفي المؤتمر الصحافي الاول في دمشق الذي عقده خالد مشعل بعد الانتخابات حين سئل عن موقف الحركة من مسألة الاعتراف باسرائيل اجاب بقوله بأن حماس لن تعترف بشرعية الاحتلال (ولم يتحدث عن شرعية اسرائيل) لكن لا يعني ذلك الغاء اسرائيل في لحظات وزاد بقوله كل ارض نحررها سنقيم دولتنا عليها شرط ان تكون سيادة حقيقية . هذه التصريحات هي امتداد في الواقع لمواقف الشيخ احمد ياسين حول موضوع الاعتراف باسرائيل. فقد ميز بهذا الخصوص الكاتب الفلسطيني خالد الحروب تصريحات الشيخ ياسين في فترة قبل اعتقاله وما بعد اعتقاله. في المرحلة الاولي يناور في الاجابة فلا هو يقبل بالاعتراف ولا هو يدعو الي تدمير اسرائيل. اما في مرحلة ما بعد اعتقاله فقد انتهج الشيخ ياسين اسلوب الرد المباشر في عدم الاعتراف باسرائيل(1) وكما هو ملاحظ ان خالد مشعل اختار في مؤتمره الصحافي صيغة الرد الاول للشيخ ياسين قبل اعتقاله لا اعتراف باسرائيل ولا دعوة الي تدميرها. والامر الآخر ما هو غير معروف اعلاميا بشكل واسع من ان الحركة قبلت مثل اغلب بقية الفصائل الفلسطينية مبدأ الحل المرحلي لحل القضية لايمانها بصعوبة تحقيق حلم تحرير فلسطين وفق حدودها التاريخية من البحر المتوسط حتي نهر الاردن. ومن مبادرات الحل المرحلي التي اطلقتها الحركة مبادرة المكتب السياسي التي اعلنت في نيسان (ابريل) 1994 وتضمنت النقاط التالية: 1 ـ انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس دون قيد او شرط.2 ـ تفكيك وازالة المستوطنات وترحيل المستوطنين من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.3 ـ اجراء انتخابات تشريعية حرة وعامة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج لاختيار قيادته وممثليه الحقيقيين. وهذه القيادة المنتخبة والشرعية وحدها فقط المخولة بالتعبير عن ارادة شعبنا وطموحاته وهي وحدها التي تقرر في كافة الخطوات اللاحقة في صراعنا مع المحتلين .(2) للمرة الاولي في تاريخ حماس السياسي تقدم الحركة وفق قول خالد الحروب رؤية غير تاريخية علي شكل برنامج محدد. ومن جهة اخري اظهرت الحركة اولويتها في حالة مشاركتها في الانتخابات تركيزها علي المشاركة في الانتخابات التشريعية قبل مشاركتها في الانتخابات الاخيرة في حين لم تشارك في انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية وتركت حركة فتح ترشح محمود عباس في كانون الثاني (يناير) 2005. سواء كان هذا الموقف متعمدا بعدم المشاركة ام لا، وسواء كان القرار ذاتيا من حماس ام ضمن رؤية اخري من خارج الحركة. فقد كان قرارا صائبا في نهاية الامر علي ضوء ردود الفعل الدولية بعد فوزها الساحق في الانتخابات التشريعية.ونتج عن ذلك للمرة الاولي حضور اكبر كتلتين سياسيتين في الساحة الفلسطينية ممثلتين بـ فتح و حماس في بوتقة السلطة الفلسطينية منذ تشكيلها في ايار (مايو) 1994، عبر آلية الانتخابات الحرة والنزيهة في التسويات السابقة من اوسلو حتي خارطة الطريق وما تبعهما من مشاريع التسوية، كانت منظمة التحرير الفلسطينية وفتح تقفان وحدهما امام اسرائيل واللجنة الرباعية الدولية، وفي الداخل تتعرضان للانتقادات الشديدة بتفريطهما بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. والآن بوجود حماس معهما في السلطة في اطار شراكة وطنية واسعة سيساهم ذلك دون شك في تحسين المسار السياسي برمته وخصوصا علي صعيد المفاوضات النهائية، ذلك هو علي الاقل ما هو مؤمل!ہ كاتب من اليمن8