تقول ان يهود امريكا يقودون الادارة الامريكية من انفها ويملون سياسة البيت الابيض بالشرق الاوسط
لقد نشرت في الولايات المتحدة في الاسبوع الماضي وثيقة بعنوان اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة. بروفيسوران معروفان من جامعة هارفارد، جون ميرشهايمر وستيفن وولت كتبا وثيقة مخجلة، سواء بسبب مستواها الاكاديمي أو بسبب الادعاءات الواردة فيها والتي كان كل الهدف منها البرهنة علي ادعاء لا أساس له من الصحة ومفاده أن اللوبي الاسرائيلي يقود الادارة الامريكية من أنفها ويُملي علي الرئيس سياسته الشرق اوسطية. النتيجة هي سياسة لا تتساوق مع المصالح الامريكية حسب قولهما، لا بل وتمارس دورا تخريبيا فيها.
صحيح أن الباحثين يكتبان بأن اللوبي الاسرائيلي ليس من النوع المحافظ الذي يجري الحديث عنه في المنشورات اللاسامية علي شاكلة بروتوكولات حكماء صهيون، إلا أن الوثيقة التي أعداها ليست بعيدة عن روح تلك البروتوكولات لشدة الخزي. هما يصفان اللوبي الاسرائيلي بأنه أشبه بالاخطبوط المتعدد الأذرع الذي يدس أياديه في كل مكان، ولديه تأثير هائل جدا علي الناخبين الامريكيين كلهم الذين يضطرون للخضوع لمطالبه خشية التعرض لأذاه.
وولت وميرشهايمر يتساءلان عن مصدر التأييد الامريكي القوي جدا لاسرائيل، ذلك لأن كل الاسباب المعتادة لتفسير هذا التأييد ليست سارية المفعول. الادعاء بأن اسرائيل تشكل ثروة استراتيجية بالنسبة لامريكي في الأساس، ولو كان صحيحا خلال الحرب الباردة فان اسرائيل قد تحولت بعد هجمات ايلول (سبتمبر) الي عبء استراتيجي وهي السبب الأساسي للارهاب الدولي. المنظمات الارهابية التي تهدد اسرائيل لا تشكل خطرا علي الولايات المتحدة، كما أن الارهاب الفلسطيني ليس عنفا عبثيا موجها لاسرائيل والغرب وانما هو رد فعل علي المعركة التي تشنها اسرائيل لتوطين الضفة الغربية وقطاع غزة. والولايات المتحدة تواجه مشكلة ارهاب معينة لانها حليفة قريبة جدا من اسرائيل. ومن الواضح أن دافعية الكثيرين من قادة القاعدة، بمن فيهم بن لادن، نابعة من الوجود الاسرائيلي في القدس، والمصاعب التي يعيشها الفلسطينيون.
تسليم الولايات المتحدة بسلاح اسرائيل النووي يمس علي حد قولهما بموقفها من نشر السلاح علي الصعيد الدولي. ترسانة اسرائيل النووية هي السبب وراء تطلع جيرانها الي تطوير مثل هذا السلاح. وعموما ليس من الواجب أن تتأثر واشنطن بصورة مفرطة من حيازة هذه الدول للسلاح النووي. تطلعات ايران النووية لا تشكل تهديدا لوجود الولايات المتحدة، وإن كانت واشنطن قد استطاعت في السابق أن تعيش مع اتحاد سوفييتي نووي ومع صين نووية وحتي مع كوريا الشمالية النووية، فسيكون بامكانها أن تعيش مع ايران النووية ايضا.
إلا أن اسرائيل تعتبر طهران تهديدا وجوديا لها، وهذا هو السبب وراء ممارسة اللوبي الاسرائيلي لضغوطه الثابتة علي السياسيين الامريكيين للتصادم مع طهران. ولو لم يكن اللوبي موجودا لكانت السياسة الامريكية تجاه ايران أكثر تقبلا وليونة، ولم تكن الحرب الوقائية لتُطرح بتاتا كخيار جدي.
الخطر، حسب اعتقادهما، يكمن في نجاح اللوبي اليهودي في جر بوش لمهاجمة ايران فقط لأن الأمر سيُسهم في أمن اسرائيل. هذا ادعاء يتجاهل خطر ايران النووي ليس بالنسبة لاسرائيل وحدها وانما بالنسبة للعالم كله وعلي رأسه مصالح الولايات المتحدة. وولت وميرشهايمر يُشوهان رؤية ادارة بوش تماما، والتي استنتجت، مثل اوروبا، بأن التهديد النووي الايراني ليس مشكلة لاسرائيل وحدها.
المنطق من وراء الحاجة الامريكية لتأييد الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط قد ضعف بسبب مظاهر الديمقراطية الاسرائيلية التي تتناقض مع القيم الامريكية الأساسية. اسرائيل تميز ضد مواطنيها العرب، ومجرد اقامتها ينطوي علي جرائم اخري: اسرائيل استغلت حرب 1948 لطرد 700 ألف فلسطيني، ذلك لأنه لم تكن هناك أي خريطة اخري لاستكمال أهداف الصهيونية. الدولة أصبحت منذئذ منفلتة وقامت بقتل العرب بلا رحمة. الباحثان يتجاهلان تماما أن الفلسطينيين هم الذين رفضوا خطة التقسيم الدولية، ولذلك كانوا هم من أعلن الحرب وهم الذين يُشرِّعون ارهاب حماس الدموي التي يُكيلون لها المديح كقوة سياسية شرعية تقوم اسرائيل بتضييق الخناق عليها.
وبما أنه لا يوجد أي سبب معقول لدعم واشنطن لاسرائيل فان التفسير الوحيد لذلك هو قوة اللوبي الاسرائيلي التي لا يوجد لها مثيل. لذلك عندما قرر اللوبي أن إسقاط نظام صدام ضروري لتحسين وضع اسرائيل الاستراتيجي، قام بقيادة ادارة بوش نحو الحرب في العراق. هناك امريكيون يعتقدون أن هذه كانت حرباً نفطية، ولكن ليس هناك برهان علي ذلك، وعليه فانها كانت نابعة من التطلع لجعل اسرائيل أكثر أمنا. من البديهي طبعا أنهما لا يوردان أي برهان جدي علي هذا الادعاء.
بعد أن نجح اللوبي الاسرائيلي في قضية العراق، أخذ يتحرك لدفع واشنطن لمهاجمة سورية. هذا الضغط، حسب قول الباحثين، قد يقود الي حرب ضد نظام الأسد بما يتناقض مع المصالح الامريكية. هنا ايضا يتجاهل البروفيسوران الدور السلبي الذي تلعبه سورية في تشجيع الارهاب الموجه ضد جنود الولايات المتحدة، وليس ضد اسرائيل، في العراق.
من الصعب أن نعرف ما الذي يقف وراء هذه الكتابة أحادية الجانب، ولكن ليس هناك شك أن نشر الوثيقة في هذا التوقيت حيث تواجه الادارة الامريكية حسما في القضية النووية الايرانية، ليس صدفة.
رؤوبين بدهتسوركاتب دائم في الصحيفة(هآرتس) 26/3/2006