عن عرب فرنسا وحقهم الشرعي في الحيز الرمزي

حجم الخط
0

عن عرب فرنسا وحقهم الشرعي في الحيز الرمزي

خميس الخياطيعن عرب فرنسا وحقهم الشرعي في الحيز الرمزي مسألة التمثيل سواء علي المستوي السياسي أو علي المستوين الإقتصادي والتعبيري وهما المكونان للوجود الإجتماعي هي مسألة مصيرية لكل الأجناس ولكل الثقافات. وكلمة مصيرية ليست من قبيل التضخم التعبيري أو الإسهال اللغوي اللذين نعرف، نحن العرب، إسقاطاتهما السلبية. وإن بدا في الأمر شك، فلنسأل هنود وزنوج أمريكا، فهم أدري بمأساتهم قبل أي كائن مختلف عنهم… لقد عاش الهنود والزنوج مأساتين في واحدة. الأولي أنهم سلبوا أوطانهم كما يسأل الهندي الرجل الأبيض في مقطع من أغنية للكيبيكي جيل بيرو : ماذا فعلت ببلدي الذي تركته لك؟ والمأساة الثانية هي أن الهنود والزنوج سلبوا صورتهم وبالتالي أفقرت ذاكرتهم وتاريخهم. ومن لا ذاكرة ولا تاريخ لهم، كيف تريدون لهم أن يكونوا؟ هل هنود وزنوج أمريكا الشمالية هم مثل صورتهم في السينما والأشرطة المرسومة التي كونتها عنهما القوي الأمريكية البيضاء التي صنعت أصحاب البيت الأبيض الحاليين، لحد أننا، نحن المستعمرين (بفتح العين)، تماهينا في طفولتنا برعاة البقر والبذل الزرقاء وبصيادي الحيوانات البرية ولم نتفطن إلي المجازر التي إقترفوها في حق سكان البلاد الأصليين أو في حق هؤلاء الذين جلبوهم من القارة السمراء في تجارة العبيد التي شارك بعض العرب المسلمين في البعض من نواحيها… لقد بين فرانز فانون ومن بعده ألبير ميمي وغيرهما الثنائية الشيزوفرينية مستعمر/مستعمر (الأولي بكسر العين والثانية بفتحها). وللحد من تدهور هذا الوضع المشين الذي لم ينحسر عند الهنود/الزنوج، بل تعداهما إلي الصينيين والمكسيكيين وآخرين من الأقليات غير الفاعلة (ظاهريا)، وجدت الإدارة الأمريكية والمجتمع الأبيض (WASP) بعد ثورة الحقوق المدنية لـ مارتن لوثر كينغ حل التفرقة الإيجابية ، وهو حل إستعارته فرنسا للرد علي ما شهدته ضواحي المدن الكبري من أعمال عنف قبل أن تشاهد إضرابات الشباب الحالية ضد عقد العمل الأول (CPE). وهو ما عبر عنه منذ أكثر من عقدين المخرج الموريتاني المقيم بفرنسا محمد عبيد هندو بفيلم عمال ـ عبيد في حين عنوانه الأصلي الفرنسي هو أكثر فصاحة وأكثر تعبيرا عن حالة المجاورة الإجتماعية والتفرقة المعيشية. يمكن تعريب العنوان كالتالي خروطو وكحالش، جيرانكم (Les bicotsـnegres vos voisins) مع الإشارة إلي أن كلمتي خروطو و كحالش لهما وقع عنصري.752 منطقة حضرية ساخنة عرب فرنسا ـ والأمر ينسحب اليوم علي البلدان الأوروبية الأخري بمستويات مختلفة ـ لا حضور لهم إن علي مستوي صورة المخيال السينمائي أو علي مستوي صورة الواقع الإعلامي المحليين. لقد فشلت هذه الجالية ـ ولأسباب عدة أهمها تشرذمها وإزدواجية إنتمائها ـ في إرساء شبكة إتصالية وإعلامية تعبر عن خصوصيتها دون عزلها وعن إندماجها دون ذوبانها. ورغم ما تقدمه الإذاعات الخاصة مثل إذاعات الشرق و الشمس و المغرب و المتوسط و بور وغيرها من أمكانيات ـ بعضها محدود جدا لأسباب مالية أو/ومهنية ـ لتجسيد الذات والتعبير عن الهوية وطبع البصمات الخاصة علي صيرورة المجتمع الفرنسي، علي الأقل في ما يخص الجانب الثقافي وهو جانب مؤسس، فإن هذه الجالية فشلت حتي الآن في تكوين قوة ضغط إعلامية. فنحن لا نجد وسيلة إتصال مكتوبة تعبر عنها في إطار إهتمامات الشعب الفرنسي وقواعد الجمهورية وقد فشل مشروع أسبوعية بلا حدود (Sans frontieres) كما توقفت مجلات من بعدها ولم تر النور أسبوعية زمن الكرز (le temps des cerises). لا نجد لديهم وسيلة إتصال سمعية بصرية (تلفزة) قد تكون المرادف الموضوعي لتلفزة يهود فرنسا TJF مثلا… سمعنا عن مشاريع ومشاريع ولكنها بقيت كتلك الجملة التي ما انفك يرتلها ستافروس في فيلم/رواية أمريكا أمريكا لإيليا كازان ولا شيء منها يتحقق.صورة العربي في المخيال الفرنسي العام ـ وإن تبدلت بعض الشيء في النصف الثاني من القرن الماضي ـ ما زالت تنهل من نفس النبع الذي نهلت منه منذ القرون الوسطي وخاصة منذ الطفرة الإستعمارية في القرن التاسع عشر. هذه الصورة لها اليوم إنعكاساتها علي الزاوية التي منها ينظر إلي الـ752 منطقة حضرية ساخنة علي التراب الفرنسي. سمات هذه المناطق، بطالة ضاربة، مداخيل ضعيفة، نسبة عالية من الشباب، مستوي تعليمي هابط، عائلات كثيفة، مساكن ضيقة، غالبية السكان من الأجراء مع صعوبة الحصول علي العلاج وغالبيتهم الغالبة من العرب والأفارقة، وأبناؤهم معظمهم يحملون الجنسية الفرنسية والكل يعيش مظاهر العنصرية وبوادر التفرقة… كيف يمكن أن ينظر إلي هذه القنبلة الموقوتة التي تعيش علي التوجس من كل ما هو مستقر ناهيك إن كان من أصل فرنسي وهو تعبير فضفاض يعلق عليه أقصي اليمين أحلاما شرعية لشعب منهك… لهذا السبب ولأسباب أخري عديدة لم تعط هذه الجالية علامات معبرة عنها وممثلة في السياسة والإقتصاد والإعلام… لقد ذكر الممثل المغربي حميدو في عديد اللقاءات الصعوبات التي لقيها منذ الستينات لا لإيجاد مكان تحت الشمس ولكن ليكون الشمس ذاتها. لقد عاش إحدي أهم فترات السينما الفرنسية (الموجة الجديدة) وعمل مع أحد المخرجين المهمين وهو كلود لولوش . ورغم كل ذلك لم يحصل علي أدوار رئيسية لا لسبب إلا لأنه عربي وجاليته سواء الموجودة في فرنسا أو الموجودة في المغرب ليس لها الثقل المالي الإستهلاكي حتي تجعل منه نجما من نجوم السينما الفرنسية. من المؤكد أن بعض المخرجين السينمائيين من ذوي الأصول العربية من أمثال شارف وبوشارب والدريدي وأخيرا عبد الكشيش كونوا لأنفسهم إسما في خارطة السينما الفرنسية الخالية من التأشيرة علي حد تعبير الصحافي جان لاكوتور . إلا أن هذه الأسماء تبقي محصورة في اهتمامات وتقييمات لا تفتح علي المجتمع الفرنسي الشامل ولا تؤثر فيه قدر الكفاية. ويوم يحصل مخرج مثل عبد الكشيش علي أهم جوائز السيزار، لا ينظر إليه كسينمائي فرنسي، بل يسأل من هو وكيف تم له ذلك؟إعلام بصري بدون الآخر الشيء ذاته موجود في الإعلام السمعي ـ البصري الفرنسي. جل القنوات العمومية والخاصة لم تضع علي الصورة الرئيسية للأنباء مثلا وجها له سمات عربية أو إفريقية. العربي الوحيد الذي وصل إلي هذا الموقع ولم يبق به طويلا هو الصحافي رشيد أعراب وهو من أصل عربي في حين نسمع ونقرأ أسماء العديد من الصحافيين والصحافيات العرب في التحقيقات التي تبثها نشرات الأخبار في جميع القنوات.. لنبحث كذلك عن الوجوه العربية في المسلسلات وما يشبهها من الأطباق التلفزية. نتيجة البحث ستكون أمر من البحث نفسه. الجنس الوحيد الذي به بعض الوجوه ذات السمات العربية هو جنس التهريج أو المونولوج من إسماعين إلي جمال دبوز مرورا برمزي وغيرهم. وفي التنشيط هناك ناجي… الباقي لا شيء.لقد كتب الباحث كمال عملال مقالا بجريدة لوموند الفرنسية يقول فيه ان الحل لأزمة الضواحي يكمن في الحيز الرمزي ويعني به الوسيلة التي تملأ فراغ الحوار بين شباب الضواحي وباقي الشعب الفرنسي إن نظر إليه في تعدد عقائده وثقافاته. من هذا الجانب بدأت الأمور تتحرك نحو الحضور الرمزي لوجوه مختلفة عن الوجوه الفرنسية المعتادة . بإمكان المشاهد أن يري عربيا أو إفريقيا علي قناة غير الأخوات الست tf1, f2, f3, arte, m6, 5eme وحين ظهر وجه إمرأة زنجية يقدم نشرة 19/20 علي الثالثة وكأن هناك تبدلا في خارطة فرنسا الإعلامية.قناة Beur Tv لصاحبها ناصر قطان الخاصة بثت وتعيد بث مجموعة من الاسكتشات والشهادات حول العنصرية اليومية التي يجدها عرب وأفارقة فرنسا في البحث عن شغل. الاسكتشات مصاغة علي المنوال الروائي القصير وتعرض لحالات ينكشف فيها الحيف حينما يسقط طلاء النفاق الإجتماعي والشعور الأبوي وهي كلها مواقف مأخوذة من مواقف حصلت فعلا أكثر من مرة. هذه المواقف تمس لون البشرة، تمس الثقافة، تمس الدين، تشكك حتي في الشهادات العلمية. أما الشهادات فهي تحمل جروحا مدفونة وتجد لها ممرا نحو التنفس. فتنهمر الدموع وتظهر علامات الثورة. ثورة غير هدامة لأنها تعتمد علي القانون الفرنسي للحصول علي الحق في الوجود. أحد الوجوه تكلم عن الحق في المقاومة التي يكفلها الدستور والحق في الشغل الذي يؤمنه قانون الشغل… إلا أنها كلمات علي الورق ولا يمكن أن تجد طريقها إلي الواقع إلا إذا صاحبها ضغط إعلامي… ومن أين سيأتي الضغط إن كان عرب وأفارقة فرنسا مبعدين عن الحيز الرمزي في القنوات العمومية؟ فإلي متي ستبقي فرنسا دون قناة تلفزية تحمل هم المواطنين العرب الفرنسيين؟ جملة مفيدة: يقول القديس أغوستينيوس: شيئان لهما التأثير السلبي علي حياة الإنسان. الأول أن تعيش بدون أمل. والثاني أن يكون أملك لا أسس له… من فيلم في حالة ما لمخرجه الإيطالي ألسندرو دالاتري.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية