مسرحية هنا تونس : عمل جريء ينشر ملابسه الداخلية امام الجمهور!
توفيق الجبالي يكسر وحشة بيروت بعرض شيّقمسرحية هنا تونس : عمل جريء ينشر ملابسه الداخلية امام الجمهور!بيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: وكأني بالمسرحي التونسي توفيق الجبالي أدرك وحشة ليالي بيروت في خضم ما تشهده من تناحر سياسي وضع المدينة في هواجس البحث عن المصير، حتي عاجلها بعرضه الشيق هنا تونس ليكسر العتمة الطويلة. وكما لم يحدث منذ زمن جمع الجبالي أهل المسرح ومريديه في صالة مسرح مونو علي مدي أربعة أيام إمتدت من الثاني من الجاري حتي الرابع معه في إقبال ملفت جداً.عرض لم يلتزم بقالب مسرحي محدد، ومع ممثلين تحولوا إلي شعلة تلتهم الخشبة. وصلت هنا تونس إلي المتفرجين بوقعها الكوميدي الأسود، فأضحكت المتفرجين في المطرح نفسه الذي لسعتهم بقسوة.هذا النص الذي عرض في تونس لأول مرة سنة 2002، يصلح لأن يستبدل كعنوان بإسم أية عاصمة عربية نظراً لشدة التشابه بين الحال التي شكي منها الكاتب في مدينته، والحال المشكو منها في أية مدينة أخري لجهة الحريات العامة والإزدهار المصطنع، والحياة الإنسانية القلقة في مسارها، والمتوترة في إيقاعها. علي خشبة غطت مساحتها الكبري الكراسي الفارغة، وشغل أحد زواياها بناء فيه ثقوب، وفي الزاوية المقابلة بناء قيد الإنشاء، يبدأ العرض بجدل نسمعه ولا نري مفتعليه. جدل يتوالي فصولاً علي المسرح كلما وجد المخرج حاجة له. ستة ممثلين بينهم المخرج توفيق الجبالي يشغلون المسرح. يجسدون النص بأجسادهم وأصواتهم. هذا النص الذي يبدو في أحيان كثيرة كأنه مرتجل لشدة تغلغله في أرواح الممثلين وأجسادهم، هو مباشر أحياناً، وموارب أحياناً أخري. وصمت يسود المكان للحظات تتكرر كانت له وظيفة ربما أبلغ من الكلام وأكثر. وفي نصه هذا يعري الجبالي الأشياء والأفكار، وكل ما يشغله من قلق وألم إخترقه من خلال المعيوش اليومي في مدينته. وفي معالجته تلك لقضية المدينة العربية تطرق إلي الغضب العربي من الحكام الساعين بشتي الطرق لتلقيننا درساً في الوطنية، نظراً لجحودنا وعدم إعترافنا بأهليتهم، وبأن الجحيم ينتظرنا من دونهم، وبأن الجنة مثوانا برفقتهم!بقسوة بالغة ركّب الجبالي تفاصيل نصه من يوميات الوطن وتفاصيله. فوضعنا للحظات أمام مسرح واقعي يقول الأمور كما هي. ومن ثم ينتقم من تلك الواقعية أو هي ربما تعجز عن تلبية طموحه فينتقل إلي العبثية، وهو أيضاً لا يترك التجريب من دون مقاربة واضحة.الجبالي الكاتب والمخرج للنص، إستطاع أن يصل إلي كل طاقة لدي ممثليه وبذاته أيضاً. كانوا ستة ممثلين ينطقون من دون كلام، ويرقصون من دون حركة. كانوا ستة ممثلين بأجساد تلتهم المسرح. تجلي بينهم الرجال الثلاثة، وتألقت النساء الثلاث. أما الجبالي من بينهم فكان حاضراً ناضراً بخفة وحيوية، وأضفي علي العرض نكهته الساخرة. وبات حضوره علي الخشبة متلازماً مع الضحك الذي يطلقه المتفرجون سواء علي إيماءاته أو من عباراته المختارة لتصيب مكامن الجرح في الصميم. الجبالي إذاً وعلي مدي ساعتي العرض إستنفد كل طاقة ممكنة لدي أبطال عمله. فهم كانوا موتي أو حوامل بمن فيهم الرجال. تلقوا التعازي وأحيوا الفرح أيضا، وهم أيضاً من تلقوا علي رؤوسهم سقوط الخيمة في تعبير مرٍ لدرجة كبيرة. ظاهر الطقس المسرحي عند الجبالي بسيط وعميق في الوقت نفسه. وكذلك هو مضحك ومغرق في الألم، خاصة عندما يقارب ما يعرف بالعنف عندنا بأسلوبه السوريالي.إنه عمل جريء وعنيف في بعض مشاهده، يعري الجسد وينشر ملابسه الداخلية أمام الجمهور. وفي كل ذلك دلالات سياسية وإجتماعية تنسحب علي المجتمعات والمدن العربية كافة. جميل عرض الجبالي رغم قلقه الموجع. أشعرنا في ختامه بأننا نعيش مكشوفين تماماً ومدننا بلا سقوف، حينها يفتقد الكلام معانيه الحقيقية. عرض متماسك، ترهل قليلا في نصفه الأخير مما إنعكس علي الصالة التي بدت ملولة، وربما يكون ذلك متأتياً عن قلق دفين لدي الجمهور اللبناني.يذكر أن توفيق الجبالي وفرقة التياترو التونسية قدما أيضا في بيروت عرضاً لمسرحية حملت عنوان كلام الليل يسطو عليه لصوص بغداد وذلك علي مسرح دوار الشمس في 9و10و11 الجاري. 2