اللوبي الاسرائيلي وسياسة امريكا: دراسة تثير استياء الصهاينة

حجم الخط
0

علي حسين باكير

لقد أثارت الدراسة التي اعدّها كل من جون ميرشيمير استاذ العلوم السياسة ومساعد مدير برنامج سياسة الأمن الدولي بجامعة شيكاغو الأمريكية، وستيفين والت أستاذ العلاقات الدولية بكليّة جون كندي بجامعة هارفرد وعميدها، غضب اللوبي الاسرائيلي في واشنطن وجنونه.

تتألفّ الدراسة من 83 صفحة وقد تمّ نشرها عبر جامعة هارفرد في منتصف شهر آذار 2006 ومن ثمّ اعادة نشر نسخة معدّلة عنها فيما بعد في مجلة لندن ريفيو اوف بوكس في العدد 23/6/2006. الدراسة تنقسم نظريا الي ثلاثة أقسام. القسم الاوّل تحدّث عن دعم الولايات المتّحدة لاسرائيل وعن كونها عبئا استراتيجيا عليها. امّا القسم الثاني فتحدّث عن قوّة اللوبي الاسرائيلي ومناصريه داخل الولايات المتّحدة وعن استراتيجياته للتأثير علي مراكز صنع القرار. القسم الثالث تناول انعكاسات قوّة هذا اللوبي علي سياسة امريكا الخارجية والدور الذي لعبه في الحرب علي العراق والضغوط الأمريكية علي سورية وايران.

الدراسة مبنية علي مصادر مهمّة عدة من بينها علماء وصحافيون إسرائيليون، ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، وشهادة من اللوبي نفسه وتأييد من دبلوماسيين لهذه الشهادة.

ويتساءل معدّوها لماذا تتخلي الولايات المتّحدة عن امنها القومي ومصالحها في العالم وتعطي الأولوية لاسرائيل دائما؟ ويجيبان علي هذا السؤال بالقول انّ السر يكمن في قوّة اللوبي الاسرائيلي في واشنطن ومناصريه.

وتقول الدراسة ان الولايات المتحدة قامت منذ الحرب العالمية بمنح 140 مليار دولار دعما لإسرائيل. وتعترض الدراسة علي الفكرة القائلة بأن إسرائيل تمثل حليفا حيويا لأمريكا في الحرب علي الإرهاب بل ويُرجع المؤلفان المشاكل التي تعاني منها امريكا الي اسرائيل فيقولان: فمشكلة الولايات المتحدة مع الإرهاب ترجع في جزء كبير منها إلي كونها متحالفة بقوة مع إسرائيل، وليس العكس.

وتشير الدراسة أيضا إلي دعم واشنطن الثابت لإسرائيل في الأمم المتحدة، حيث تقول إنه منذ عام 1992 استخدمت الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد 32 قرارا لمجلس الأمن ينتقد إسرائيل، وهو عدد يفوق مجموع مرات استخدام الفيتو من جميع الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن. كما أعاقت الولايات المتحدة جهود الدول العربية لوضع الترسانة النووية الإسرائيلية علي أجندة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويتحدث التقرير عن مصادر قوة ونفوذ لوبي إسرائيل داخل أمريكا ويعزو ذلك الي وجود بعض ممثليه بالكونغرس الأمريكي وامتلاكهم منظمات لوبي قوية وعلي رأسها الـ أيباك.

كما تحدث التقرير عن وجود ممثلي اللوبي داخل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وعن قدرتهم علي معاقبة معارضيهم ومنتقدي إسرائيل وحرمان بعضهم من الحصول علي الترشيحات والمناصب السياسية أو إسقاطهم من عضوية الكونغرس.

هذا إضافة إلي نفوذهم الكبير داخل وسائل الإعلام الأمريكية ومطبوعات اليمين الأمريكي والمحافظين الجدد وتأثيرهم القوي علي وسائل الإعلام الليبرالية بالولايات المتحدة.

وفقا للدراسة، فانّ اللوبي الاسرائيلي لا يختلف عن غيره من اللوبيات في الولايات المتّحدة باستثناء انّه الأكثر قدرة علي التأثير ويمتلك قوّة تأثير غير مسبوقة فلا شيء استثنائيا في دوره فهو يقوم بنفس الدور الذي تقوم به اللوبيات الأخري ولكن بفاعلية أكثر، وقد ساهم وضع اللوبي العربي في الولايات المتّحدة والضعيف الي درجة عدم الوجود في تسهيل مهمّة اللوبي الاسرائيلي.

وبحسب الدراسة فانّ اللوبي الاسرائيلي يعتمد علي عدد من الاستراتيجيات للتأثير واكتساب القوّة ومنها:1ـ التأثير علي الكونغرس: من خلال المسيحيين الصهاينة داخل الكونغرس ممّن يعتبرون الأولوية المطلقة في السياسة الخارجية الامريكية حماية اسرائيل، وأيضا عبر دعم الآخرين بما يحتاجونه من مال في حملاتهم الانتخابية او لشخصهم والاقتصاص من المعادين بطرق مختلفة.2ـ التأثير علي السلطة التنفيذية: وغالبا ما يتم ذلك عبر الناخبين اليهود في امريكا، فعلي الرغم من انّ عدد هؤلاء صغير ولا يتعدي 3% من عدد السكان، الاّ انّهم قادرون علي تنظيم حملات تبرّع وانتخاب كبيرة ومنظّمة.3ـ التلاعب بالاعلام: عبر السيطرة علي الصحف والمجلات الرئيسية في أمريكا وعلي الكتّاب والمحللين ومن هذه الصحف الوول ستريت جورنال، الشيكاغو صن تايمز و الواشنطن تايمز، ومن المجلات كومينتاري، ذا نيو ريبابليك، و الويكلي ستاندارد.4ـ السيطرة علي مراكز الدراسات: لقد ذهب تأثير اللوبي الي ابعد من انشاء مركز دراسات خاص به، ليصل الي عدد كبير من مراكز الدراسات خلال الـ25 سنة الماضية ومنها تحديدا: معهد أميريكان انتربرايز، معهد بروكينغز، مركز سيكيوريتي بوليسي، معهد فورين بوليسي ريسيرتش، هارتدج فاوندايشن، معهد هادسون، معهد فورين بوليسي اناليسيز، و جوويش انستيتيوت فور ناشينال سيكيورتي أفّيرز. كل هذه المراكز داعمة لاسرائيل وقلّما نجد فيها انتقادا للدعم الأمريكي للدولة اليهودية او قد لا نجد اطلاقا.5ـ مراقبة الأكاديميين: قامت ايباك بمضاعفة انفاقاتها بحدود ثلاث مرّات فيما يتعلّق ببرامج مراقبة النشاطات الجامعيّة وتدريب الشباب المخلصين لاسرائيل لكي يكونوا سندا لها داخل المجمّعات الاكاديمية، وقام اللوبي ايضا بمراقبة كل ما يقوله ويكتبه الأساتذة. ففي أيلول من العام 2002 علي سبيل المثال، قام مارتن كرامر ودانييل بايبس وهما من الداعمين لأقصي حد جماعة المحافظين الجدد الاسرائيليين، بتأسيس موقع علي الانترنت مهمته مراقبة المجمّعات الأكاديمية ووضعوا فيه دعوة لحث الطلاّب علي تقديم تقارير لأي من التصرفات او الكتابات التي قد يقوم بها أي استاذ يرون فيها معاداة لاسرائيل.6ـ اسكات المعارضين: عبر استخدام سلاح معاداة السامية من اجل اخراس كل من يحاول تناول سياسات اسرائيل بأي نقد او حتي مجرد عرض الوقائع المتعلّقة بها.

امّا الجزء الأخير من الدراسة فتناول تأثير اللوبي الاسرائيلي علي السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الفلسطينيين، الحرب علي العراق، التغييرات الجارية في المنطقة، وتجاه كل من سورية وايران. ووفقا للدراسة، فمن المستحيل إنهاء الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني دون ضغط أمريكي علي اسرائيل، وفي حال عدم وجود هذا الضغط فانّ هذا الوضع سيعطي للمتشددين وسيلة فعالة للتعبئة، كما سيؤدي إلي توسيع اتفاق المتشددين المحتملين.

وفي موضوع سورية وايران، يقول المؤلفان إننا لا نريد عراقا آخر؛ فعداء اللوبي لايران وسورية يجعل من الصعب بمكان أمام واشنطن أن تكسبهما في المعركة ضد القاعدة والتمرد في العراق، في الوقت الذي توجد فيه حاجة ماسة لمساعدتهما.

وتلفت الدراسة النظر الي أنّ المحاولات الجديدة التي يبذلها اللوبي لـ تغيير أنظمة الحكم في إيران وسورية يمكن أن تقود الولايات المتحدة إلي مهاجمة هذه البلاد، وهو ما سيؤدي الي نتائج كارثية في حال حصوله.

وقد أثارت هذه الدراسة جنون اللوبي الاسرائيلي ومناصريه من المسيحيين الصهاينة في واشنطن، فتمّ شن هجوم كبير علي جامعة هارفرد كونها المنبر الذي قام بنشرها. وعلي الرغم من ايراد الجامعة علي الصفحة الاولي من الدراسة انّ الجامعة غير مسؤولة عمّا ورد في هذه الدراسة بأي شكل من الأشكال، وانّ الآراء الواردة فيها لا تمثّل وجهة نظر الجامعة الرسمية وهي لا تمثّل الاّ مؤلفيها، الاّ انّ اللوبي الاسرائيلي كثّف من هجوماته وانتقاداته فاضطرّت اكبر واشهر الجامعات الأمريكية الي سحب شعارها الذي كان مطبوعا علي غلاف الدراسة، وأعلن ستيفن والت العميد الأكاديمي لكلية السياسة بجامعة هارفارد الأمريكية استقالته من منصبه في 30/3/2006 أي بعد حوالي اسبوعين من نشر الدراسة وبعد عدّة ايام من نزع الجامعة شعارها عن الغلاف.

وشن أستاذ مادة القانون في الجامعة آلان درفويتش هجوما غير مسبوق علي والت، واعتبر أن الدراسة التي وجهت انتقادات هائلة لحجم تأثير اللوبي الإسرائيلي، منقولة من مواقع إلكترونية للنازيين الجدد، أو مواقع مناهضة لإسرائيل.

ووصف إليوت إنجل، وهو عضو ديمقراطي بالكونغرس ويهودي من نيويورك، إن الورقة تستحق بالفعل احتقار الشعب الأمريكي، كما وصفها بأنها تمثل نفس الهراء القديم المعادي للسامية والمعادي للصهيونية.

فيما اعتبر رؤوبين بدهتسور الكاتب والمحلل السياسي في صحيفة هآرتس الاسرائيلية انّ الدراسة هي وثيقة مخجلة، سواء بسبب مستواها الاكاديمي أو بسبب الادعاءات الواردة فيها والتي كان كل الهدف منها البرهنة علي ادعاء لا أساس له من الصحة ومفاده أن اللوبي الاسرائيلي يقود الادارة الامريكية من أنفها ويُملي علي الرئيس سياسته الشرق اوسطية.

هذا ولا تزال تداعيات نشر الدراسة تتوالي، وهي من وجهة نظرنا مهمّة جدّا ونادرا ما يتم نشرها مثلها في أمريكا وهي أكبر من ان يقوم مجرد عرض باختصار ما جاء فيها، لذلك ننصح الجميع بقراءة نصّها الأصلي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية