أسئلة الروائيين…. وقت الرواية

حجم الخط
0

أسئلة الروائيين…. وقت الرواية

الميلودي شغمومأسئلة الروائيين…. وقت الروايةلماذا أكتب الرواية؟قد يسبق هذا السؤال سؤال أعم منه: لماذا أكتب، أصلا؟لقد حاولت، أكثر من مرة، وفي مناسبات مختلفة، أن أجيب عن هذين السؤالين من غير أن أشعر، ولو مرة واحدة، بأني قد استوفيتهما حقهما، إذ يبدوان لي، في كل الأحوال، بأنهما يحتويان علي جوهر الإشكال المتعلق بحياتي كلها وأنني كلما فتحت أحدهما أكون بصدد القيام بنوع من التحليل النفسي الذي قد يستغرق العمر كله؟ وكم استمعت إلي الكثير من الزملاء والأساتذة، بإمعان وتعاطف، وهم يتحدثون في هذا الموضوع، بصدق وجد، فما زادني ذلك سوي استصعاب للأمر، ربما لأننا كلما تقدمنا في السن، في الأحوال العادية، وازددنا خبرة واحتكاكا بالناس نكتشف أن بعض الأشياء كنا نعوض صعوبتها بإرادة الشباب وجرأته.قد أستطيع أن أقول، للقفز علي السؤالين معا: إني أكتب الرواية لأني أحبها مثل أي شخص يحب الشطرنج، مثلا، أو الصيد أو القنص، لا أقل ولا أكثر! وقد أستطيع أن أقول، لمراوغة السؤالين معا، من ناحية أخري: أكتب الرواية، أو أي جنس آخر، كما يولد أي واحد منا ويجد نفسه، مع الوقت، قد تعلم حرفة ما ويستمر في ممارستها، كما يمارسها بقية الحرفيين الآخرين لأني أعرف، بما يكفي من اليقين، أنه لولا بعض الصدفة لما أصبح الكثيرون كتابا أو فنانين؟مثل هذا الشخص، أي الحرفي طبعا، لن يسأله الناس (لماذا تمارس النجارة، أو الحدادة، مثلا؟) ولن يحاسبوه علي معرفته، أو عدم معرفته، بالدوافع الموضوعية والذاتية، ولا عن وعيه أو عدم وعيه بأسرار صنعته، وقد يتساهلون معه في كل شيء، حتي ولو تعلق الأمر بسوء مزاجه وعدم احترامه للوقت وللمواعيد التي يضربها لهم، باستثناء أمر واحد هو إتقانه أو عدم إتقانه لمنتجاته: معلم أولا، فقط!ومثل هذا الشخص معفي إذن من العديد من الأسئلة التي يطرحها الناس علي الكاتب، أو يطرحها هو علي نفسه (لمن تكتب؟ ما جدوي ما تكتب؟ ماذا تكتب وأنت تظن أنك تكتب؟ ما دورك في التنمية وفي المجتمع؟ ما موقفك مما يجري في كذا؟ الخ؟) بالرغم من أن الكاتب، في نهاية المطاف، ليس سوي حرفي يمارس صنعة ما تسمي الرواية أو المسرح و بالرغم كذلك من أنه، بعد كل أنواع المحاسبة والتقويم، لا يحاسب إلا علي القيمة الفنية، أي الصنعة، في عمله، فنحن لا ننظر إلي كبار الكتاب، في نهاية الأمر، بأنهم كانوا مع هذه الحركة السياسية أو تلك، بأنهم كانوا بوهميين أو ملتزمين، ولا بأنهم كانوا جميعا علي وعي تام بكل ما يكتبون، أو يعانون من عقد معينة، وإن كان مثل هذا الأمر قد يلعب ضدهم، أو لصالحهم، في الكثير من الحالات والأوقات، فإنه يظل يتضاءل بالتدريج كمعيار لتقويم الأعمال الأدبية والفنية، ولا يكون وعيهم العلمي بالعلوم المرتبطة بالرواية، مثلا، دليلا علي مقدرتهم الروائية، مثلما لا تكون معرفة المرء بالعروض دليلا علي كفاءة شعرية، أو مؤهلا لها، وفي بعض الحالات، التي لم تعد نادرة في زمن الناس هذا، قد يتخذ هذا الكلام، الذي غالبا ما يسمي شهادة أو تجربة، روائية، صيغ المهازل والفضائح، إن لم يكن مجرد هذيان علمي أو سلخ مفضوح لكتاب أو مقالة علمية أو استنساخ لكتاب آخرين؟؟إني حين أسترجع بعضا من الكلام الذي سبق أن قلته، في هذه المناسبة أو تلك، عن علاقتي بالكتابة، وهو كلام صادق في وقته، أشعر بالخجل، أو الاستحياء، ودائما بالكثير من الندم علي بعضه أو كله وفي أحسن الأحوال أخاطب نفسي ملتمسا لها بعض العذر: لايمكن أن أكون أنا الذي قال هذا، قد تكون المناسبة، أو الظرف، هي التي قالت ذلك! وأنا علي شبه يقين من أن الكثير من الكتاب يحصل لديهم نوع من هذا الشعور ولو من حين لآخر حتي ولو كانوا صادقين في كل شيء؛ إن لبعض السياسة، ولبعض الصحافة، ولبعض القراء، ولبعض الأوهام دورا كبيرا في هذا الإفتاء أو الاعتراف! ثم إني لا أنكر أن هذه الظاهرة قد تساعدنا علي تعلم شيء من فن الكلام، أو الجرأة عليه، كما أننا قد نتكلم لنفهم، أي نتكلم لنفهم بعد ذلك، كما لا أنسي أني بفضل ذلك الكلام نفسه أعيد اليوم ترتيب هذا القول، مترقبا أن يركبه من هو غير أهل له ليحوله إلي غير المقصود منه فأنا لا أريد منه سوي شيء من النقد الذاتي بصوت عال!أتصور أن لمثل هذه الأسباب قلت، في البداية، بأن هذه العملية شبيهة إلي حد ما بعملية التحليل النفسي الذاتي التي قد تستغرق العمر كله، أعني أني لست مستعدا للتخلي عنها، فهي ضرورية، رغم كل الأخطاء والمبالغات، لكي أستمر في ترتيب علاقتي بالكتابة، ولو لم يأت هذا الترتيب سوي في صور أولية، أو جزئية، وحتي وهمية، وهي هامة جدا بالنسبة لمحاورة نفسي الكاتبة ومحاورة الآخرين من كتاب، وقراء، ونقاد، لكني قد أحتاج باستمرار إلي تنويع مقارباتي لها والإطلال عليها من زوايا مختلفة، إن أمكن، ونقدها قدر المستطاع.أنا الآن أكتب الرواية منذ أواخر السبعينيات ولو أني لم أشرع في نشرها إلا في بداية الثمانينيات، فلماذا أستمر في كتابتها حتي الآن؟ وبعبارة أخري هل هناك ضرورة ما تجعلني أستمر كاتبا للرواية أو أسباب معقولة تدفعني إلي هذا العمل وتبرر استمراري فيه؟يبدو لي أن التلقي، أو الصدي، الطيب، مع ما صاحبه من نقد متنوع، الذي قوبلت به رواياتي الثلاث الأولي هو الذي شجعني علي التفكير في كتابة رواية أخري، ثم إني لما كتبت الروايات التالية قوبلت بدورها، مع بعض التفاوت، تقريبا بنفس التلقي المتنوع؟ لقد كان هذا التلقي ذا أهمية كبري، وحاسمة، بالنسبة إلي، ليس لأنه كرسني كروائي ولكن لأنه خلق في نفسي قناعتين: القناعة الأولي، أني، وكيفما كان الحال، روائي، أي أستطيع أن أكتب الرواية بدليل الجوانب الإيجابية، أو القوية، فيما كتبت، حسب أغلب المتلقين… والقناعة الثانية، أني لم أكتب بعد الرواية التي تستحق بالفعل هذا الاسم، أي الرواية التي يبشرني بها التلقي والتي أنا نفسي أحلم بإنجازها، تلك التي لم يكتبها غيري بعد ولا يمكن إلا لي وحدي أن أخلقها، أعني تلك التي أخطأت جوانب منها في رواياتي السابقة، أو يكون أخطأ جوانب أخري منها روائيو جيلي أو الروائيون الذين سبقونا!ولهذا أشعر علي الدوام بأني أحتاج إلي شكر كل من كتب عني ، أو قال في حقي، كلمة واحدة، سلبا أو إيجابا، بحثا موضوعيا أو عدوانية خالصة أو لوجه النميمة أو الغيبة.لكل هذا أقول وأكرر، في مناسبات مختلفة، لقد منحني النقد، بجميع أنواعه، أكثر مما أستحق، أو فقط ما أستحق، أعني تلك القناعة المزدوجة التي تدفع إلي الاستمرار في البحث الروائي: استمر، إنك روائي، ولكن! وما أشبه هذه الولكن بـ حتي .!أحيانا كثيرة أشعر بأن هذه القناعة، كمبرر ودافع، تكفيني لأستمر كاتبا ولكن ذلك الكاتب الذي كنته منذ السبعينيات، والذي كان عليه أن يقاوم بضراوة، أو بصبر جامد، مدعيا علما بلا علم، أو تواضعا كارها، مناضلا من أجل أن يجد له موقعا بين كبار وصغار ذلك الوقت، هذا الأخ الكاتب لا يكف عن سؤالي: طيب، لنفرض أن تلك القناعة، ما دامت مستمرة، تكفيك، ولنفرض معك أنك بالفعل صادق في ادعائك الخجل بخصوص الكثير من الأشياء التي قلتها، خاصة في بداياتك، وأنك بالفعل تعترف للمتلقين، وخاصة بعض النقاد، بالفضل الذي ذكرته، لنقبل منك كل ذلك، وبروح رياضية عالية، ولكن الكلام الغليظ الذي كنت تقوله حول الالتزام، والتجريب، مثلا، هل كان مجرد جهل، هل كان ادعاء، هل كان انتهازية أو وصولية، أي خارج صدق الكاتب الواعي والملتزم بكل كلمة يكتبها أو يصرح بها؟الحقيقة أنه كان كل ذلك، وربما أكثر، ولست الوحيد الذي قال به، لقد وجدنا هذا الكلام منتشرا في مختلف المنابر والمحافل، وأغلب الكتاب، آنذاك لم يكن يقول شيئا يذكر من عنده، بمن فيهم نجوم الوقت، كنت تقرأ مثلا قصة فتواجه بسؤال كآلة تعذيب (لمن تكتب، أيها الأخ؟) أو ترسلها إلي صحيفة فتواجه بسؤال آخر ليس أقل تعذيبا أو إحباطا (مع من تكتب، أيها الرفيق؟) أو بسوط سلفي (أيها البورجوازي الصغير!) وكان أقلنا انتهازية يسرق صوت شاعر ثائر أو يقلد نزار قباني ما قبل نكسة 1967 في قصيدة يختمها بـ يا وطني فتهتز له المحافل وتسير بذكره الركبان. زمن جميل؟؟ زمن بريء؟ زمن عنيف، مرعب، متقاتل؟ فكيف لا يصبح الكاتب ثوريا وملتزما، لا يكتب إلا للجماهير إذا أراد أن يكون له موقع فيه، وسط رفاق متحمسين ورفيقات متحررات؟باختصار، لكل وقت معجمه الخاص وتحالفاته المتميزة، وحيله وأساليبه، وأوهامه، وأوجاعه، وليس ينفع أن يندم المرء علي سوء فهم أو قصور في الوعي أو حماس زائد أو حقيقة كان يراها في الأرض وهي في السماء، أي علي مبالغاته أو أوهامه، فالبدايات من لا شيء، وحتي في أكبر الثورات، لا تخلو دائما من بعض الفضائح، ولكن هذا الزمن قد علمنا، أو تعلمنا فيه، أشياء عظيمة القيمة: تعلمنا، مثلا، كيف ينبغي أن يرتبط الأدب بالإنسان، بالرغم من أننا لم نكن نراه سوي في جهة واحدة، ومن زاوية فريدة، وتعلمنا أن نفكر في الحاضر ونحن نتوجه إلي المستقبل، ولو لم يكن ذلك إلا من زاوية رؤية وحيدة، أي تعلمنا ما يسميه الكل، اليوم، الحداثة ويبالغ فيه البعض متحمسا حتي يسميه ما بعد الحداثة! لهذا لا أجد أي حرج لأقول اليوم، ومن خارج إلزامات ما هو روائي أو بارتباط معه، إني أستمر في كتابة الرواية للمساهمة في شيئين، علي الأقل، يرتبطان بالحداثة في ثقافتي كمغربي، والرواية نفسها، لا ينبغي أن ننسي هذا، جنس حداثي، تاريخيا ومبدئيا:أولا، الاشتغال في أي مجال فني اشتغال علي وجدان الثقافة، أو المجتمع، التي نعيش فيها ونكتب بلغتها، أي علي تجمع تجارب اللذة والألم المشتركة في تلك الثقافة، والاشتغال علي هذا الوجدان بواسطة جنس فني حديث، وانطلاقا من الحاضر والتوجه إلي المستقبل، تطوير للإنسان في هذا المجتمع، أي لكيف الحياة في هذا المجتمع وبخاصة الذوق، أعني ما يمنح الإنسان نوعية أو وجودا أغني في الحياة ويربطه ببقية الإنسانية في مختلف الأزمنة والأمكنة؟ثانيا، الاشتغال علي الوجدان والاشتغال بالوجدان اشتغال كذلك علي وبأدوات ومواد خاصة في مقدمتها اللغة، والذاكرة، والخيال، فتكون الرواية بهذا نوعا من المساهمة في إغناء، أو إثراء، كيف الحياة في هذه الثقافة، مثلها في ذلك مثل السينما بالخصوص.ليست كل الروايات تسير، بطبيعة الحال، في هذا الاتجاه وتخدم نفس الغرض، فالعديد من الروايات، كالعديد من الأفلام، قد تستغل في أمور ضد روح الرواية وأصلها، غير أن الروائي الحقيقي لا يمكن أن يصدر إلا عن هذه الروح ويكون في خدمتها، ثم إن كثرة مثل هذا الإنتاج الروائي الغث لا ينبغي أن تعلمنا التعالي والعجرفة ولكن التواضع وحسن الاستماع، وعلي سبيل المثال فإن شأن الرواية لا يعنينا وحدنا، نحن الكتاب، كما لا يعنينا وحدنا ضعف النشر والقراءة، لكن مثل هذه الوقائع دليل علي أن زمن الرواية ليس الآن، هو وقت الرواية حقا ولكن زمنها ما زال بعيدا، ومن يدري فقد ينقلب الوقت، وهو يتسارع، أو يتباطأ، فلا يأتي زمن الرواية إلا في هذا الوقت كما يعيشه الروائيون والنقاد وحدهم. لكل ذلك أستمر في كتابة الرواية مستمعا إلي نفسي، مترقبا أقلام زملائي من الروائيين والنقاد، كمن لا يستطيع أن يدخل إلي حلبة السباق وحده، إلا للتدريب، وليس للإنجاز، حاملا سؤالا وحيدا لا غير: أين زمن الرواية في ما نكتب وهل اقتربنا، في هذا الوقت بالذات، من ذلك المثال الذي نتنافس جميعا في المساهمة في صنعه؟ذلك بعض مما أسميه أسئلة الروائيين في وقت الرواية وهي أسئلة قد تلتقي مع أسئلة الدارسين لكن بعضها لا يمكن أن يطرحه إلا الروائيون ناهيك عن أن كل روائي قد تكون له أسئلته الخاصة. في هذا السياق، وبهذه الروح، قد أمارس نقدي الذاتي لما أكتب. أما أن أكون قد ندمت علي كتابة رواية من رواياتي أو أن أخجل من نشر إحداها فهذا ما لم يحدث قط!روائي من المغربقدمت هذه الورقة في ندوة الرواية المغاربية التي نظمت في إطار أنشطة المعرض الدولي الثاني عشر للكتاب بالدار البيضاء0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية