لهذه الأسباب أرفض المراسيم المسماة زورا بـ السلم والمصالحة بالجزائر

حجم الخط
0

لهذه الأسباب أرفض المراسيم المسماة زورا بـ السلم والمصالحة بالجزائر

د. رشيد زياني شريفلهذه الأسباب أرفض المراسيم المسماة زورا بـ السلم والمصالحة بالجزائر عند الإعلان عن مشروع السلم والمصالحة الذي تبناه السيد عبد العزيز بوتفليقة، في شهر ايلول (سبتمبر) من سنة 2005 أبدي عدد من مسؤولي الجبهة الإسلامية للإنقاذ داخل البلاد وخارجها ترحيبا بالمشروع معربين عن تفاؤلهم، خاصة بالنظر إلي ما يحتوي عنوانه من نوايا نبيلة من شأنها إخراج البلاد من ويلاتها إن تبعه تطبيق نزيه وعادل علي أرض الواقع.وتباعا جاء بيان (تاريخ 21 ايلول (سبتمبر) 2005) الموقع من طرف كل من الإخوة أعضاء مجلس الشوري للـ ج.إ.إ. أنور نصر الدين هدام وأحمد الزاوي ومرزوق خنشالي وكاتب هذه السطور ليؤكد عزم المعنيين واستعدادهم للمشاركة في هذا المشروع عساه أن ينتشل البلاد من محنتها الدامية التي عمرت (ولا تزال) أكثر من عقد ونصف العقد من الزمان، كما أننا أبدينا في الوقت ذاته تحفظنا إزاء عدد من النقاط التي رأيناها تكرس الهروب إلي الأمام وتوشك أن تفوت مرة أخري فرصة ثمينة لحل سلمي عادل يعيد البلاد إلي شاطئ النجاة ويعيد الأمل للأمة.وبالفعل توجه المواطنون للتصويت علي المشروع، رغم الظروف الصعبة والمجحفة التي صاحبت الاستفتاء، يحدوهم الأمل في أن يضع ذلك المشروع حدا للأزمة الطاحنة، غير أن المراسيم التطبيقية التي أعلن عنها النظام الجزائري لاحقا (بالجريدة الرسمية بتاريخ 28 شباط ـ فبراير 2006) جاءت مخيبة للآمال بل وتؤكد غياب الإرادة السياسية الصادقة في وضع حد للمحنة وكل ما ترومه هو تمزيق صفحة دامية من تاريخ الجزائر وتبييض صفحات الجلادين وتجرم الضحية وترهب، عبر ترسانة من القوانين، كل من يبتغي الحقيقة ويطالب بها. نقض الوعد هذا، ومواصلة سياسة الأمر الواقع المفروض علي الشعب، هما ما جعلاني رفقة الأخوة الموقعين علي البيان المذكور أعلاه نعرب في بيان يوم 2 آذار (مارس) 2006 عن رفضنا لهذه المراسيم ليس رفضا للمصالحة ولا حبا في الانتقام وتصفية الحسابات بل رفضنا تمليه علينا مسؤوليتنا أمام الله ثم أمام ضحايا المأساة وعلي رأسهم آلاف المفقودين والقتلي ظلما وأمام الشعب قاطبة. كما أن رفضنا لهذه المراسيم لا يعود لنبرتها المتعالية والمجحفة في حق الضحايا فحسب بل لأنها قبل كل شيء لا تلبي أدني شروط المصالحة الحقة العادلة التي تعالج جذور الأزمة وتنصف الضحايا، كما أن رفضنا يأتي ليحذر من مخاطر عواقب هذا المسار الذي يكرس بذور المرض إذ يطمئن الجلاد ويوحي له بأن في وسعه تكرار جرائمه ثم الإفلات من العقاب من جديد. وسعيا وراء تفصيل أوسع للأسباب التي جعلتني أنضم إلي الرافضين لمراسيم العار، ارتأيت تنوير الرأي العام بما يعتري هذه النصوص من ظلم وإجحاف وتكريس للإفلات من العقاب، وتمديد من عمر الأزمة.1 ـ ابتداء، تمت صياغة نصوص المراسيم في سرية تامة، من وراء ظهر الشعب المعني بالدرجة الأولي وفي إقصاء كلي للقوي السياسية والجمعاوية، إلي أن نزل المشروع علي الجميع ليبصموا عليه دون حق المناقشة. كما تم عرض هذا المشروع في جو بحيث وظفت السلطة الظروف الصعبة من شظف العيش وتعطش الشعب للأمن، لتضمن انخراطه في العملية، علما أنه لا يتصور أن يرفض الشعب مبدأ نبيلا عنوانه المصالحة كما توحيه ديباجة المشروع.2 ـ جري التصويت علي المشروع في ظل حالة الطوارئ وما يعني ذلك من تقييد للحريات وتجريم وخنق كل تعبير عن مواقف وأصوات مخالفة.3 ـ تمت صياغتها بأيد غير حيادية، وهي تشكل طرفا أصليا في المحنة، هذا الطرف هو النظام الجزائري وبالتحديد أولئك المسؤولين عن انقلاب كانون الثاني (يناير) 1992 والذين لا زالوا يتمتعون بنفوذ واسع في دهاليز الحكم، وهو الأمر الذي يفسر كنه طبيعة النصوص المحبوكة علي مقاسهم، ومن ثم حق لنا أن نتساءل كيف لطرف (المسؤول في المقام الأول عن دفع البلاد إلي الأزمة) أن يكون هو من يصيغ المشروع ويحدد من المجرم ومن الضحية! لو تمت صياغة هذا المشروع من قبل طرف مستقل، سواء كان وطنيا أو أجنبيا، كما هو المعمول به في كل النزاعات المماثلة لكان هذا المشروع قابلا لتحقيق ثمار طيبة، لكن للأسف الشديد لا تزال سياسة ومنطق القوة والغلبة هي السائدة.4 ـ ألغي النظام، نصا وواقعا، كل مناقشة حول المشروع وحول سبل الخروج من الأزمة.هذا، من حيث الظروف والملابسات التي جري فيها تحضير المشروع والاستفتاء حوله، أما نصوص هذا المشروع فلا تترك أدني شك فيما يتعلق بنية أصحابه، ونكتفي في هذا الصدد بذكر بعض ما تتضمنه مواد هذه المراسيم وديباجتها.ـ لا تشير مواده لا من قريب ولا من بعيد إلي بداية المحنة ومسببها الأول أي انقلاب كانون الثاني (يناير) 1992 ولا إلي توقيف الانتخابات في دورها الثاني مع الزج بآلاف المناضلين والمتعاطفين مع الحزب الفائز في معتقلات الصحراء دون محاكمة ولا حتي توجيه اتهام، ولا إلي اختطاف الآلاف من الأبرياء دون أن يعلم أحد مصيرهم إلي اليوم، ولم تشر إلي محاكمها الخاصة التي قننت اللا ـ قانون، في تجاهل وابتذال لقوانين البلاد والقوانين الدولية، إلي أن اضطرت لإلغائها في صمت عند استفحال وافتضاح أمرها. ـ تجاهل المشروع واجب الكشف عن الحقيقة وإرساء دعائم العدالة وواجب الذاكرة.ـ لزم المشروع السكوت المطبق والمريب بشأن الآلاف من ضحايا التعذيب والإعدام خارج القانون والمجازر الجماعية و الاعتقال الإداري التعسفي.ـ جرد المشروع المواطنين من حقهم المدني والسياسي الدستوري المشروع في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والالتزامات الواجب الوفاء بها.ـ حتي إطلاق سراح المعتقلين، الشيء الذي لا محالة يدخل الفرحة في القلوب، خاصة ذويهم الذين حرموا عطفهم وإعالتهم طيلة سنين، وهم الذين سجنوا ظلما بغير وجه حق، فحتي هذا الإجراء المتكرم به كإجراء تخفيف في إطار السلم والمصالحة جعله النظام أقصي ما يمكن تقديمه مختصرا بذلك كافة المطالب في مجرد الإفراج عن السجناء، بل وأفرغ هذا الإجراء من كل معني نبيل، إذ ألزم المفرج عنهم الاعتراف بالتهم الموجهة إليهم والإعراب عن امتنانهم للسلطة مع الرضا بحرمانهم من الحقوق وقبول القيود الظالمة المفروضة عليهم، تماما مثل مقايضة عائلات المفقودين دراهم معدودات مقابل مساندتهم أطرحته الكاذبة.ـ والأخطر من هذا كله، إن القانون الجديد والمراسيم التنفيذية الرئاسية المزمع تطبيقها بموجب ذلك القانون تضمن إفلات المسؤولين عن الفظائع المروعة من العقاب وتكمم الأفواه بشكل تام ونهائي إزاء كل نقاش عام حول الأزمة وما خلفته من دمار وذلك عبر سن ترسانة قانونية رادعة، منتهكا بذلك القانون الدولي فيما يتعلق بالجرائم الخطيرة بحيث تجعل كل نقاش في هذا الصدد مستحيلا بفعل إصدار مواد صريحة في هذا الباب تعاقب من يخوض في الموضوع، ويعتبر ذلك مساسا خطيرا بحقوق الإنسان في الجزائر، فتمنح هذه المراسيم العفو الشامل غير القابل للنقاش أو المراجعة لصالح قوي الأمن والمليشيات المسلحة من قبل السلطة والمسؤولة عن اقتراف جرائم تدخل في نطاق جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، دون أن يجري إلي يومنا هذا أي تحقيق مستقل نزيه فيها.ـ وكما توقعه المهتمون بشأن حقوق الإنسان، فهذه المراسيم جاءت لتؤكد المخاوف بشأن حرمان الشعب الجزائري والمجتمع الدولي برمته من معرفة الحقيقة وحرمان ضحايا التعسف وعائلاتهم من حقوقهم العادلة إذ تجردهم بموجب هذه المراسيم من حقهم المشروع في تقديم قضاياهم أمام المحاكم في الجزائر ومن ثم عرقلة كل مسار يروم كشف الحقيقة أمام هذه المحاكم، وتقديم المسؤولين عن ارتكابها أمام هذه المحاكم أيا كانوا ومهما كانت مراتبهم او مواقعهم في السلطة او خارجها. وبذلك تنتهج السلطة مسارا مغايرا للمسار الذي يضمن تفادي اقتراف في المستقبل مثل هذه الجرائم إذ تنص المادة 45 علي ما يلي: لا يمكن إجراء أي متابعة سواء علي المستوي الفردي أو الجماعي بحق أفراد قوي الجيش والأمن في الجمهورية إزاء أعمال قاموا بها بقصد حماية الأشخاص والممتلكات، وحماية الوطن والحفاظ علي مؤسسات الجمهورية الجزائرية وتذهب المادة 44 أبعد إذ تصف الأعمال المقترفة من قبل هذه القوي بأنها قد أنقذت الجزائر وحافظت علي مكتسبات الوطن فيمجد المشروع مرتكبي الجرائم ضد البشرية رغم أن هذه الجرائم تبلغ من حيث الخطورة وسعة نطاقها درجة جرائم الحرب، فراحت النصوص تصنف تلك الجرائم علي أنها أعمال انقذت البلاد ومنحت مرتكبيها ضمانة للإفلات من العقاب بشكل شامل وغير مشروط، علما أن هيئات دولية معتمدة في هذا الشأن مثل الأمانة العامة للأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الأممية قد صرحت علي أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال منح العفو العام والشامل أو غيره من التدابير المماثلة بحيث يفلت مرتكبو الجرائم الخطيرة لحقوق الإنسان من العقاب، وهي الجرائم التي لا تلغي بالتقادم. من جانب آخر، صنفت السلطة الضحايا إرهابيين يتوجب اعترافهم بالتهم الموجهة إليهم، إذ اعتبرت كل من وقف ضد انقلاب كانون الثاني (يناير) 1992 علي أنه إرهابي أو مساند للإرهاب، ويتوجب عليه التوبة والتكفير عما بدر منه ليستفيد من تدابير العفو، أو ضحايا المأساة الوطنية فراحت تعتم علي المسؤولين عنها وكأنهم أشباح لم يأت علي ذكر احد منهم. ـ وفيما يتعلق بملف المفقودين الذي يدمي القلوب، خصصت هذه المراسيم تعويضات مالية لعائلاتهم غير أنها اشترطت في ذلك قبول ذويهم استلام شهادة وفاة للمفقودين، أي رشوة رسمية مقابل السكوت علي معرفة الحقيقة إزاء المفقودين، يأتي ذلك بعد سنوات من وعود الرسميين غير الموفي بها في إلقاء الضوء وكشف الحقيقة في هذا الصدد، ويري في دلك المتتبعون لشؤون الجزائر محاولة أخري لشطب نهائي لملف المفقودين.ـ والقانون لا يتوقف عند حد منع المتابعة القضائية بل ويغلق الأبواب أمام كل نقاش عمومي بشأن جرائم ما بعد انقلاب 1992، إذ تنص المادة 46 علي ما يلي: يعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين 3 إلي 5 سنوات سجنا وغرامة مالية قدرها بين 250000 و500000 دينار كل من يستغل جراح المأساة الوطنية، سواء كان ذلك من خلال تصريحات أو كتابات أو علي أي نحو آخر، للمساس بمؤسسات الجمهورية الجزائرية وإضعاف الدولة وتشويه شرف أفرادها الذين خدموها بكرامة أو تلطيخ صورة الجزائر علي الصعيد الدولي . وتأتي هذه المادة لتحرم الضحايا وعائلاتهم والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين وكل جزائري وجزائرية من حق الشهادة وانتقاد جرائم قوي الأمن المرتكبة طيلة عمر المحنة ما بعد الانقلاب، وتبطن المراسيم تهديدا لعائلات المفقودين الذين يحاولون مواصلة حملتهم للبحث عن الحقيقة بشأن ذويهم. يستخلص مما سلف أن السلطة في الجزائر تتجاهل كليا بل وتزدري الحقيقة الجلية والتي مفادها أن السلم والمصالحة هما نتيجتان طبيعيتان لمسار يعالج الأسباب الحقيقية للازمة، التي لا يمكن أن تحل بدونها. إن واضعي هذه المراسيم قاموا بتمجيد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من خلال قوانين جائرة تحميهم وتوفر لهم الغطاء للإفلات من العقاب، غير أنه سيسجل التاريخ علي الرئيس بوتفليقة، الذي لم يكن طرفا في المحنة، لا في نشوبها ولا في تغذيتها، إن لم يستدرك الأمر، أنه فوت علي الشعب الجزائري فرصة ثمينة أخري للخروج من الأزمة.ولا يفوتنا في هذا المقام أن نجدد، قبل فوات الأوان، دعوتنا للنظام في الجزائر لاحترام حقوق كافة الأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ابتداء من الحق في معرفة حقيقة ما جري طيلة عمر الأزمة الدامية إلي تحقيق العدل للجميع فضلا علي تعويض المتضررين، أصحاب الحقوق دون مقايضة ذلك بأي شرط، ناهيك عن السكوت، فمن شأن مثل هذه الضمانات أن تعبد الطريق لمصالحة صادقة ترجع الأمل الحقيقي. وعلي أشراف الأمة أن لا يسكتوا وأن لا يركنوا أمام محاولات النظام الرامية إلي إجهاض الحقيقة ونسيان الآلاف المعذبين والقتلي والمفقودين الذين سيبقون جراحا غائرة تؤرقنا وحية في ضمائرنا إلي أن يكشف عن مصيرهم، أحياء كانوا أم غير أحياء، وهو ما يوجب علي الشرفاء مواصلة عملهم للمطالبة بتحقيق نزيه تقوم به هيئات مستقلة مشهود لها بالنزاهة والمهنية، سواء من داخل البلاد أو خارجها، بعيدا عن تدخلات أجهزة الجلاد، ولا نقبل أقل من الحقيقة، كل الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة.ہ نائب منتخب عن مدينة سيدي بلعباس(كانون الاول ـ ديسمبر 1991)8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية