فرنسا: ردع الليبرالية الوحشية أم تصويب الديمقراطية؟
صبحي حديديفرنسا: ردع الليبرالية الوحشية أم تصويب الديمقراطية؟لم يكن مفاجئاً، أو حتي لافتاً لانتباه من أيّ نوع خاصّ، أن يطلق معلّق أمريكي يميني محافظ مثل جيم هوغلاند صفة الجنون علي ما تشهده فرنسا هذه الأيام من حركة احتجاج عارمة ضدّ قانون العمل الجديد، المعروف باسم عقد الوظيفة الأولي . ما يثير الضحك، بعد انتفاء المفاجأة والعجب، أنّ الرجل يردّ جنون هذه الأيام إلي جنون سنة 1789، أي عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلي الأبد فحسب، بل قلبت أوروبا بأسرها رأساً علي عقب.هذه الخفّة في عقد مقارنات صورية سقيمة كيفما اتفق، وهي في المناسبة جزء من العدّة التحليلية التي يستخدمها هوغلاند علي هواه ودونما ضوابط أو خشية أو حياء، لا تكتفي بردّ العام 2005 إلي العام 1789، بل تردّ طلاّب السوربون وفئات الاحتجاج الفرنسي بأسرها إلي فلسفة كلاسيكية، تبدو في الترسانة الفكرية لليمين الأمريكي المحافظ وكأنها الفلسفة الفرنسية بامتياز: رينيه ديكارت، ومبدأ الشكّ، والعبارة الشهيرة التي تنقلب علي يد هوغلاند هكذا: أنا أحتجّ، إذاً أنا موجود!والحال أنّ مسخ الوقائع عن طريق زجّها في دوائر فاسدة من المقارنات التاريخية الركيكة والإحالات الفلسفية الكاريكاتورية، ليس ناجماً عن بلادة أو غباء أو قصور إدراك في هذا الميدان بالذات، أي الاحتجاج الشعبي الواسع القائم علي اسباب مطلبية ومعيشية مصيرية. إنه، بالأحري، منهجية متكاملة يعتنقها أصحابها عن سابق قصد وتصميم للتعمية علي الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية والطور الراهن من مآلات وقوانين اقتصاد السوق. ولهذا فإنّ المقارنة القويمة ليست ممكنة فحسب، بل واجبة ضرورية مفيدة، ما دامت تعقد الصلات بين ما يُقارَن، وليس بين سواد الباذنجان وسواد الليل للقول إنّ الليل باذنجان!وهكذا فإنّ ما تشهده فرنسا اليوم من حركة احتجاج عارمة علي قانون لتنظيم عقد العمل عند التوظيف الأوّل (إذْ هكذا، بهذا الابتسار، يجري تمثيل القانون الجديد المثير للجدل)، ليس منقطع الصلة عن أحداث مماثلة أو أشدّ راديكالية شهدتها فرنسا أواخر العام 1995، ضدّ سلسلة قوانين كان رئيس الوزراء الأسبق ألان جوبيه، ممثّل اليمين الديغولي، ينوي تشريعها علي نحو يمسّ صميم المكتسبات الاجتماعية الفرنسية العريقة. ولقد سقطت حكومة جوبيه آنذاك، وسقطت مشاريع القوانين، لكنّ الدرس الذي ترسّخ كان هذا الذي تستأنفه اليوم مختلف النقابات العمالية والطلابية: داخل الجمعية الوطنية، وخلف الأعمدة الثقيلة لهذا الصرح التاريخي العريق الذي شهد وقائع كبري ليس أبرزها إعلان حقوق الإنسان ، وغير بعيد عن ساحة الكونكورد حيث تذكّر المسلّة المصرية بأمجاد جنرال الثورة الفرنسية نابليون بونابرت وأمجاد التاريخ الكولونيالي الفرنسي في آن معاً، تظلّ الأمة الفرنسية منقسمة إلي أمّتين… علي نحو يذكّر بالعبارة الصاعقة التي أطلقها كارل ماركس ذات يوم، علي مبعدة أمتار من حديقة هايد بارك اللندنية: إني أري أمّتين !آنذاك كان الراحل بيير بورديو، أحد آخر المفكرين المحترمين في فرنسا المعاصرة، بين قلة قليلة ممّن تقلقهم شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر الخطابات ما بعد الحداثية، دون أن تغويهم الألعاب النظرية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لافتتاح السجال. ولم يكن غريباً بالتالي أن يشارك، ونفر قليل من ممثّلي هذه الأقلية الفكرية، في اجتماع مع القيادات النقابية التي أدارت ذلك الإضراب شبه الشامل الذي شلّ الحياة اليومية الفرنسية طيلة أسابيع. ولم يكن غريباً، أيضاً، أن يضع اصبعه علي الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلي سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضي الحال.ولكنّ سخونة الوضع والشجون الكبري التي ينطوي عليها ويستولدها صباح كل يوم، جعلت بورديو يعفّ عن الإشارة إلي أن المواطن الفرنسي يعيش في نظام ديمقراطي يعطيه الحق في ممارسة الإضراب، مثلما يعطيه الحق ـ كلّ الحق ـ في الذهاب إلي صندوق الاقتراع ووضع الورقة التي يشاء، بعيداً تماماً عن تقاليد صيغة الـ 99.99 أو بيعة القائد مدي الحياة أو إلي الأبد. بمعني آخر، في أواخر 1995 كما في أواسط 2005 كان المواطن الفرنسي هو الذي انتخب هذا النفر الليبرالي الإصلاحي البربري ، وكان يعرف ـ أو توجّب عليه أن يعرف ـ جيداً أنّ البرامج القادمة ستكون هكذا. وآنذاك مارس المواطن الفرنسي ما يشبه فشة الخلق ضدّ الرئيس السابق فرانسوا ميتران وحزبه الإشتراكي الذي انقلب في سنواته الأخيرة إلي تذكرة صريحة بغيضة بأسوأ مآلات الإشتراكية الإصلاحية لأحزاب الأممية الثانية العتيقة. وفي الانتخابات التشريعية الأخيرة مارس المواطن الفرنسي فشة الخلق ذاتها ضدّ اليسار عموماً، والحزب الإشتراكي وممثّله رئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان خصوصاً.وإذا كان من الطبيعي أن يكون تحالف اليمين هو البديل الوحيد عن الحزب الإشتراكي، فإن العاقبة الغريبة هي اندفاعة الفرنسي إلي وضع كامل السلطة في يد ذلك اليمين: الجمعية الوطنية، مجلس الشيوخ، الكثير من مجالس البلديات، ثم رئاسة الجمهورية. في أزمة 1995 رفض جوبيه، طيلة ثلاثة أسابيع طويلة ممضة، مجرّد الظهور علي شاشة التلفزة والتحدّث إلي مواطنيه عن أزمة مستعصية شاملة تقلب حياتهم واقتصادهم الكبير والصغير إلي جحيم ودوران في حلقة مفرغة. كذلك رفض تماماً فكرة الاجتماع مع ممثلي النقابات ومناقشة مشاريعه الإصلاحية، واعتبر كلمة مفاوضات إهانة لا تغتفر وتجديفاً بحق السلطات التي منحته إياها الديمقراطية الفرنسية، وليس ديمقراطية عيدي أمين دادا!في الأزمة الراهنة يبدو رئيس الوزراء دومنيك دوفيلبان أكثر تواضعاً من حيث الحوار والتفاوض والأخذ والعطاء… شرط أن يتمّ هذا كلّه تحت سقف مشروع القانون، وعلي طريقة حوار الطرشان، في صيغة مفرغة باتت محلّ تندّر الفرنسيين: إني أسمع أصوات الذين يحتجون، ولكني أيضاً أسمع أصوات الذين لا يحتجون! ذلك لأنّ قواعد اللعبة الديمقراطية صريحة وفصيحة تتيح له هوامش المناورة هذه، والرجل لم يأتِ علي ظهر دبابة، أو ورث الحكم عن أبيه. وليس عليه بالتالي أن يذعن للملايين التي انتخبت أغلبيته البرلمانية والرئاسية، وتبدو اليوم وكأنها (أو شرائح واسعة منها علي الأقل) تعضّ أصابع الندم علي فشة خلق انقلبت علي أصحابها، ودفعت بظهورهم العزلاء إلي جدار بازلتي خشن، حتي إشعار آخر.الجانب الجوهري الثاني يتصل بالقلق حول الهوية، وبالذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، وبالحذر من متغيرات عاتية تأخذ الفرنسي علي حين غرّة وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية وسندان الليبرالية التكنوقراطية، علي حدّ تعبير بورديو. ومنذ أحداث عام 1968 الطلابية التي اسقطت شارل دوغول عن عرش مكين، والتي لا تغيب البتة عن أذهان الطلاّب المتظاهرين هذه الأيام، تبحث فرنسا ـ بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً ـ عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية للخروج من حال تأرجح طويلة بين الماضي والحاضر؛ وبين تراث الجار الألماني علي مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي ما وراء المحيط. وفي نحو اللغة الفرنسية ثمة صيغة فعل خاصة هي الزمن الماضـــــي الناقص ، وكان عدد من المفكرين قد تتبعوا انتقال هذا الزمن من فقه اللغة إلي فقه الحياة اليومية، ولم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بالزمن الماضي الناقص!وثمة نقص منطقي فادح، أقرب إلي الهوّة اللاعقلانية الفاغرة، بين أن يذهب الفرنسي إلي صناديق الاقتراع ليضع أغلبية مطلقة (وديكتاتورية في الواقع، لأنها صاحبة قرارها الأوحد دون حسيب أو رقيب)، وأن يتظاهر بالملايين ضدّ ممارسة هذه الأغلبية لسياسات وقوانين وتشريعات هي علّة وجودها وضمان استمرارها في الحكم. وثمة هوّة فاغرة مماثلة بين شغف الفرنسي بدور القوة العظمي الذي يتوجب أن تلعبه فرنسا علي صعيد عالمي عسكري وسياسي ومالي، وبين الذعر وتحسّس الرأس لأنّ السوق المالية الكونية (وهي أكبر الجميع، والعملاق الأوّل بلا منازع) يمكن أن تجرّد الفرنسي من تقاعده وتعويضه الصحي وتعليمه الجامعي. فهل يصحّ، بهذا المعني، التفكير في احتمال نقل الاحتجاج إلي صيغة أقرب إلي عصيان مدني ضدّ قانون صدر عن برلمان شرعي منتخب، في نظام ديمقراطي حر؟ وهل يندرج هذا ضمن الحقوق الانشقاقية لمواطن مارس حقّه الإنتخابي الأقصي، فانتخب ممثله إلي الهيئة التشريعية الأعلي في البلاد، بحرية مطلقة؟ وسوي الإلتزام المطلق، ما هي واجبات المواطن تجاه القوانين التي يشارك في صناعتها هذا الممثل، وقد انتخبه المواطن لكي يقوم بهذا الدور تحديداً: صناعة القوانين؟ليست هذه لائحة أسئلة نظرية، إذْ سبق للمواطن الفرنسي أن اختبر صوابيتها عملياً، مطلع العام 1997 في مناسبة مشروع قانون حول تنظيم الهجرة، وضمن حركة احتجاج ضدّ فقرة محدّدة تُلزم المواطن الفرنسي بإبلاغ السلطات المعنية أنّ الضيف الأجنبي الذي زاره قد غادر الأراضي الفرنسية بالفعل، وأنه لم ينقلب إلي مهاجر سرّي غير شرعي. الاحتجاج بدأ من حيث لا يحتسب أحد، سواء بالنسبة إلي هوية الداعين إليه، أو الأسلوب الذي اختاروه للتعبير عن الاحتجاج. فقد نشر قرابة 50 سينمائياً، بين مخرج وفنّي وممثل وناقد، بياناً نشرته صحيفة لوموند واسعة الانتشار، أعلنوا فيه العصيان المدني ضدّ الفقرة تلك، وأنهم لن يبلغوا السلطات عن رحيل ضيوفهم الأجانب، ويطالبون بإحالتهم إلي القضاء بتهمة مخالفة القوانين المرعية. وسرعان ما انضمّ إلي السينمائيين مئات من زملائهم في المهنة ممن فاتهم التوقيع علي البيان الأول، ثم جاء الدور علي الأدباء والشعراء والفلاسفة، ثم الفنانين التشكيليين، فالمحامين والأطباء…عصيان مدني في قلب ديمقراطية غربية عريقة. كيف؟ وماذا يتبقي من التوازن التبادلي الدقيق بين الحقوق والواجبات في النظام الديمقراطي؟ بل ما الذي يتبقي من دولة القانون و دولة الحق ، ومفهوم الدولة ذاته من الألف إلي الياء؟ الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبار قال آنذاك: هذا عصيان تمدّني وليس عصياناً مدنياً، وهذه ليست حركة أفراد يعترضون علي السلطة، بل حركة مواطنين يجدون أنفسهم في شرط موضوعي خطير، فيعيدون إنتاج مواطنيتهم عن طريق تنظيم مبادرة عامة لإعلان العصيان علي الدولة… الدولة بالذات وبالمفهوم العريض.والحال أنّ هذه إشكالية مركزية ترافقت مع الممارسة الديمقراطية منذ ساعة نشوئها: أنّ السلطة المنتخَبة تظل هي السلطة الشرعية إلا إذا دخلت في تناقض مستعصٍ مع القوانين العليا للإنسانية ، وهي جملة الشرائع والمبادئ التي قد تنصّ عليها الدساتير (كما في إعلان حقوق الإنسان الوارد في صلب الدستور الفرنسي)، أو قد لا تنصّ عليها بسبب أكثر من استحالة موضوعية، وهذا هو الأهم والأكثر خطورة. ولهذا فإنّ الفرنسيّ الذي يخرج هذه الأيام إلي الشارع يضع هذه الإشكالية بالذات علي المحك، ويصوّب عمل الديمقراطية! 9