لماذا تورث مصر؟ لماذا لا تورث مصر؟
محمد فاضل رضوانلماذا تورث مصر؟ لماذا لا تورث مصر؟ ليلة حظيت بمتابعة طلة عمو جمال والعهدة في التسمية علي الطفلة ياسمينا التي آثرت السهر إلي وقت متأخر بتوقيت عالم الأطفال لتعرف هوايات سعادته عندما كان صغيرا، كنت قد عقدت العزم علي كتابة مقال يتناول أحوال القادم القريب في مصر والذي لم تعد غرابيل النظام قادرة علي حجب شموسه البادية للعيان، وسيرا علي عادتي السيئة باختيار أسماء مقالاتي قبل كتابتها كما لو كان الأمر يتعلق باختيار أسماء أحد أبنائي الذين لم أرزق بهم بعد، كنت قد اخترت لابني أقصد لمقالي المنتظر من الأسماء: لماذا تورث مصر؟لقد هداني حسي الطيب وحس الطيبين نادرا ما يكذب استنادا لما شاهدته ليلتها علي شاشة التلفزيون المصري إلي أن الإخوة في مصر يعيشون الفصل الأخير من مسرحية سمجة ثقيلة المشاهد والفصول، لكنها محكمة الإخراج والسينوغرافيا ستنتهي لا محالة بعمو جمال ثاني خلفاء الدولة المباركية التي تجلس علي عرش مصر منذ ما يقارب الثلاثين سنة ببركة قانون الطوارئ، فعمو جمال والعهدة دائما علي ياسمينا قد استكمل الشروط المفضية به إلي خلافة ملك أبيه، وحدها رتوشات اللحظات الأخيرة تترك للإعلام حسن تسويق صورة الخليفة الجديد استكمالا للمشاهد التي نقلتها التلفزيونات له وهو يتابع مباريات مصر علي هامش الدورة الأخيرة لكأس الأمم الإفريقية علي المدرجات بين عامة الناس، والحق يقال ان السيدة لميس الحديدي التي أنيطت بها مهمة إسدال الستار بشكل يتلاءم وقيمة نجوم العرض قد أبلت البلاء الحسن في المهمة المقدسة وربما استحقت ألفا أو ألفي دينار من بيت مال المسلمين تسلم نقدا من يد الحاجب بعد أن يضحك الخليفة حتي يستلقي انتشاء بنجاح العرض، فالسيدة لميس قدمت شابا وسيما بسيطا يحب أن ينادي باسم جمال كما يتقبل أسئلتها المحرجة عن استئثار لجنة السياسات التي يترأسها بالحل والعقد ومن ذلك تولية كتاب الدواوين أقصد الوزراء إضافة إلي دورسيادته في الانهيار الكبير الذي شهدته البورصة المصرية والذي زعم بعض السفهاء أنه در في خزينة أحدهم أزيد من مليار جنيه مصري في أسبوع واحد إضافة إلي دخوله حلبة المنافسة علي عرش مصر دون منافسة وهذا بيت القصيد. ليلتها ووفقا دائما لما أملاه علي حسي الطيب والبئيس كفرت بكل الوعود والعهود فحضرت أوراقي وشحذت أقلامي استعدادا لكتابة مقالي المزعوم: لماذا تورث مصر؟ ولا تحسبوا انطلاقا من عنوان المقال البسيط أن الأمر كان بسيطا بالنسبة لي فقد قضيت أوقاتا طويلة وعصيبة أطرح علي نفسي السؤال إياه قبل طرحه علي القراء فكانت تتراءي لي مصر في صورها العظيمة مزرعة كبري من زمن الإقطاع سيئ الذكر للإبن الحق في استلامها بما فيها ومن فيها ساعة يغيب الأب أو يصبح في حكم الغائب، حينها يتحول حارس الأهرام والحضارة الفرعونية أبو الهول الذي يجمع في خلقه العجيب بين كل ملامح القوة والعظمة إلي مجرد كلب حراسة علي باب مزرعة آل مبارك، أما عظماء مصر وزعماؤها وعلماؤها وفنانوها فقد قاومت خيالاتي التائهة طويلا لأني استنكفت أن أجد لهم مكانا في زريبة أو اسطبل المزرعة إياها، فأنا لا أري في طه حسين إلا قاهر الظلام الذي تسكن خلف نظارتيه السوداء روح الشرق التي تشربها من ريف مصر وحواري القاهرة المحيطة بالأزهر وفكر الحداثة والتنوير التي التقطها من بين مدرجات السوربون وشفاه سوزان أيضا، كما لا أري في الحكيم إلا عصفور الشرق الذي آمن بسحر ريم يوم كان نائبا في الأرياف فكان أن أصبح راهب النساء الذي يحاور عصاه الشهيرة لفتح دروب المعرفة أمام من يجهلون الطريق، أما النوبيون فلا مكان لهم في مزرعة عمو جمال فنجيب محفوظ تاريخ مصر الاجتماعي الذي تختزنه حكايا الحرافيش بين السكرية وقصر الشوق وبين القصرين وأحمد زويل حكمة كهنة الفراعنة العظماء التي عادت للتجسد في أحد أبناء النيل علي رأي صاحب القنديل يحيي حقي، وحين انتهي شريط العلماء والمفكرين وبدأ شريط العظماء من الزعماء كان سعد زغلول في الطليعة قائد ثورة 19 وملهم الوطنية المصرية فكان أن انشغلت بمحاولة تبيئته خارج أسوار المزرعة تكريما لذكري حزب الوفد غير أن محاولتي البئيسة تلك اصطدمت بمشاهد جحافل بلطجية الدكتور نعمان جمعة وهم يقتحمون مقر الحزب العتيد مدججين بأدوات الفتك والتقتيل لحسم معركة قيادة الحزب لصالحهم في مشاهد أحيت ذكريات بيروت السبعينات والثمانينات، مشاهد قطعت شريط أوهامي التي صنعها حسي الطيب فكان من نتائجها أن أعدت النظر في جملة ما كنت بصدد تدوينه في مقالي المشهود والبداية دائما وجريا علي عادتي السيئة تكون بالإسم أولا فلم أجد بدا من قلب السؤال رأسا علي عقب بإعادة تشكيله كالتالي: لماذا لا تورث مصر؟إن مصر ستورث لأن دولة المؤسسات التي من المأمول فيها أن تخلصنا من استبداد وتسلط الأشخاص لا زالت حلما بعيد المنال فأحزابنا التي تعد طرفا لا غني عنه لتنشيط اللعبة السياسية وتقديم البدائل المعقولة لتداول سليم وصحي للسلطة ليست أكثر من دكاكين تشرع الأسلحة علي أبوابها متي ما اختلف الرفاق والشركاء في توزيع الغلة… ونخبنا السياسية التي من المأمول فيها حمل مشعل تحديث المشهد السياسي بما يتوافق والخروج بالأوطان من إطار مزارع الحكام إلي الأوطان لا زالت تجتر تاريخا من الاستبداد والصلف الذي لا يعد بأفضل مما تضمنه الأنظمة الحالية وإذا كانت الطبيعة من شأنها أن تخشي الفراغ فإن ما خرجنا به من مشاهد الاقتحام المذكورة ليس بأكثر من تعبير عن الفراغ الذي تعيشه الحياة السياسية المصرية والعربية عموما، ومن ثم فالمجال كل المجال مفتوح أمام سدنة التوريث لتمرير العهدة من الخليفة القديم إلي الخليفة الجديد، ولماذا نلوم عمو جمال عن الذود عن ملك أبيه بكل الوسائل والأدوات ما دامت نخبنا السياسية وفي طليعتهم الدكتور نعمان جمعة حامل دكتوراه القانون من جامعة السربون وعميد جامعة الحقوق لسنين طويلة قد جاء للذود عن ملكه علي عرش الوفد الذي قضي بين ظهرانيه عشرات السنين بالعدة والعتاد. كما ذاد حكام الأحزاب المزارع الأخري عن أملاكهم التي امتلكوها بقوة التقادم. وإذا جاز لي أن أجرب نباهة حسي الذي حدثتكم عن طيبته سابقا في محاولة الجواب عن سؤال المقال في صيغته الجديدة فإني لا أجد أبلغ من المثل الشعبي الأصيل في مصر: يا فرعون مين فرعنك؟ قال: ما لقيتش حد يصدني؟ وأرجو أن أكون قد كتبته صحيحا.ہ كاتب صحافي من مصر[email protected]