ربيع في الفلسفة وتحالف في الحضارات
ملتقي ربيع الفلسفة الدولي الخامس:ربيع في الفلسفة وتحالف في الحضاراتفاس ـ القدس العربي : لعل ملتقي ربيع الفلسفة الدولي في دورته الخامسة (يومي 10 ـ 11 اذار/مارس 2006) قد حقق نجاحا كبيرا وقفزة نوعية في مسار هذا اللقاء السنوي الذي يعقد كل سنة احتفاء بالدور الريادي الذي تنهض به الفلسفة في بناء الحضارات وتجذير وجود الانسان علي الوجه الأمثل. وتتجلي أهمية هذه الدورة في تضافر جهود منظميها (جمعية أصدقاء الفلسفة ـ وزارة الثقافة ـ مجلس مدينة فاس ـ معهد غوته) وداعميها (جامعة محمد بن عبد الله ـ مقاطعة أكدال ـ جمعية الأعمال الاجتماعية للجماعة الحضرية والمقاطعات وبلدية المشور) وكذا في طبيعة المحاور المتناولة خلالها بالدرس والتحليل والتأويل، وتميز رؤي المتدخلين في جلساتها، وغني النقاشات التي أثارتها لدي جمهور أدهش الجميع بكثافة حضوره وتعطشه للمساءلة وابداء الرأي. ولعل طراوة الشعار المختار لهذه الدورة (الفلسفة وتحالف الحضارات) هي التي أضفت علي اللقاء جاذبية خاصة وفتحت أفق المداخلات علي مناهج حداثية قائمة علي رحابة الاحاطة وتسامح الرؤيا واحتمالية الخلاصات، وكلها سمات ارتقت بالخطاب الفلسفي من رتابة الاجترار الي دينامية الاجتهاد، وأكدت بأن الفلسفة هي مجال السؤال المشرع علي شتي الاجابات بدون منازع.خلال هذين اليومين تطرق المشاركون لمحاور متعددة ومتنوعة: الفلسفة وتحالف الحضارات ـ صراع الحضارات والتنبؤ بنهاية الانسان ـ الفلسفة والانسان أو ما بعد الفلسفة ـ الفلسفة ومستقبل الانسان.ناقشها فلاسفة وباحثون من اسبانيا وألمانيا والمغرب بأساليب تعكس تنوعا في النظر وتوحدا في الهدف =ترسيخ تقاليد حقيقية لحوار حضاري يسعي الي اثبات الذات دون الغاء الآخر، ويمد جسورا فكرية وسلوكية متينة بين الشعوب والأمم، ويشبع حاجة الانسان الي التعايش والتكامل. وهذا ما عبرت عنه بوضوح كلمات الافتتاح التي ألقاها كل من رئيس جمعية أصدقاء الفلسفة الأستاذ عزيز الحدادي الذي تساءل عن معني العالم في غياب الفلسفة، وعن قيمة الانسان في غياب الأحلام، وعن آفاق الحضارات في غياب التحالف، والسيد والي جهة فاس ـ بولمان الذي أعطي لهذا الملتقي شحنة جديدة من خلال دفاعه عن بقائه وحرصه علي امتلاك الفلسفة لبيتها (بيت الحكمة) من أجل الاستقرار والراحة من الترحال؛ وممثل مجلس المدينة الذي جعل من ربيع الفلسفة ملتقي حقيقيا لحوار الثقافات وتحالف الحضارات ومدير معهد غوته في المغرب والكاتب العام للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة ونائب الكاتب العام لفرع اتحاد كتاب المغرب بفاس.الفلسفة وتحالف الحضارات:برئاسة جوزيف بويج انطلقت أولي جلسات الملتقي بمداخلة للأستاد خوان مارتوس كيصادا من جامعة كومبلتينسي بمدريد، عنوانها الاتحاد كتوجيه للحداثة في الاسلام تحدث فيها عن مفهوم الاجتهاد في الدين الاسلامي وعن الأهمية التي يكتسيها في الحضارة العربية الاسلامية، وعن عودة الاجتهاد بأشكال مختلفة ابتداء من القرن 18 الي الآن. وذكر بأن لفظة اجتهاد وردت علي لسان النبي محمد (ص) أول مرة حين سأله أحد الصحابة المكلفين بمهمة عن الكيفية التي سيحكم بها بين الناس فأوصاه باعتماد القرآن واللجوء الي الاجتهاد في الحالات الاستثنائية. بعد ذلك انتقل كيصادا الي المذاهب الأساسية في الاجتهاد واعتبر أنه فعل فردي قائم علي القياس والعقل وملاءمة النصوص مع تجدد الواقع وتعدده المستمر. ثم قام بتحديد البناء الابيستمولوجي لفعل الاجتهاد وأورد بعض الآيات القرآنية التي يبدو فيها باب التأويل والاجتهاد مفتوحا، وانتهي الي القول بأن الاجتهاد أداة تحديث وتطوير للاسلام المعاصر ووسيلة للانفتاح علي الآخر وأنه يتمثل في استعمال التأويل العقلي من قبل الانسان لفهم النص الديني، واعترف بوجود حدود للاجتهاد هي حدود النصوص الواضحة البينة بنفسها، ونادي بملاءمة النصوص مع تطورات العصر حتي يتمكن الاسلام من مسايرة ركب الحضارة. وبعنوان التفاعل الايجابي بين الحضارات قدم د. محمد مصطفي القباج بحثا أشار في ديباجته الي أنه يندرج ضمن مبحث الحضارات المقارنة وهو فرع من فروع فلسفة التاريخ، ومن جملة مهامه رصد التطور الزمني لحوار الحضارات، لأن أعمار الحضارات مثل أعمار الانسان كما يقول ابن خلدون في مقدمته تنشأ ثم تنضج ثم تنهار. وأكد علي ضرورة تدقيق النظر في مفهوم الحضارة معتبرا أنها فضاء وشكل، فهي فضاء من حيث أنها مشتركة بين عدة أوطان ومجتمعات وشعوب، وهي شكل لأن معالمها تتجلي في درجة عالية من التطور التقني. كما أن لكل حضارة مميزات خاصة (مصرية، افريقية، آسيوية، هندية، أوروبية …). غير أن هناك قاسما مشتركا وعاما بين الجميع. ثم قدم الباحث نماذج متعددة للتصورات التي يمكن أن تنهض عليها الحضارات. هناك النموذج الأفلاطوني المطروح في جمهوريته والقائل بأن المنطق يقتضي أن يتولي أهل العقل تدبير شؤون الدولة، والسر في ذلك أنهم لا يقبلون بالنزعات الطبيعية بل يتبعون ما يستوجبه التفكير العقلي فيسيرون المجتمع المبني علي الفضائل، لأن القفزة النوعية من التوحش الي التحضر تحققها النخبة العالمة التي تعول أساسا علي فعل التعقل. والنموذج الثاني يمثله ابن خلدون الذي يري أن الحضارة تفنن في الترف. أما النموذج الثالث فيكمن في رأي سبينوزا من خلال كتابه السياسة حيث يقول ان المجتمع المدني يتأسس علي العقل. وأخيرا هناك نموذج أرنولد توين الذي يري أن كل حضارة تنشأ علي أنقاض أخري تبعا لمبدأ التحدي والجواب. ويستخلص د. القباج بأن ما يفهم من كل ما سلف هو أن الحضارات تتشابه في الشكل وتختلف في الخصوصيات.صراع الحضاراتوالتنبؤ بنهاية الانسان:وفي الجلسة الثانية التي أدارها محمد مصطفي القباج ألقي د. محمد المصباحي مداخلة بعنوان التحالف الحضاري تحالف في القيم شدد القول فيها علي أن تفعيل التحالف الحضاري لن يكون ممكنا الا اذا عدنا الي قيم الحقيقة والعدالة والمساواة بين الشعوب والحضارات مهما صغرت قيمتها. والعمل علي محاربة انعدام التفاهم بين الحضارات والأحكام المسبقة والاهانات المتبادلة بين الثقافات، لا سيما بين الثقافتين الاسلامية والغربية، أمر ضروري. وأوضح أن منطق الحوار بين الحضارات لم يعد كافيا في مواجهة التطرف المتزايد في العالم، لذلك كان لا بد من منطق جديد للتحالف الحضاري لتفنيد نبوءة هنتنغتون التي تتكهن بمواجهة دموية آتية بين الحضارات. لكن لا ينبغي أن يعني التحالف الحضاري التغاضي عن المثل الانسانية العليا كالاعتراف بحقوق الانسان وكرامته، وانما الرد علي ايديولوجية المقت الحضاري .وبعد أن فصل د. المصباحي في الشروط الأساسية لتحالف الحضارات انطلاقا من حقوق الانسان استخلص أن المجتمع الغربي هو نتيجة الفلسفة أما نحن فمنذ ابن تيمية وابن خلدون نعيش تحت طائلة تحريم الفلسفة والعلوم الطبيعية. والأدهي من ذلك أننا نزعم بأننا نعيش علي مقتضي الشريعة في حين أن الشريعة تستعمل في الظاهر لارضاء الجماهير أما في الباطن فان الفلسفة الغربية بمعناها الواسع (العلوم والصناعات والتقنيات الاقتصادية والاعلامية والجامعية..). هي السائدة. لذلك يجب علينا أن نتخلي عن هذه الازدواجية، لا بالعودة الي شريعة قحة ولكن بتطوير الشريعة لكي تندمج في المشروع الحضاري العام. بعده قدم د. عبد الرزاق الدواي من جامعة محمد الخامس بالرباط ورقة بعنوان الحوار بين الثقافات، الأخلاقيات والشروط الغائبة قال فيها انه ليس هناك مجال للحوار الثقافي في غياب الاختلاف. وان الضرورة تستدعي توفر مبدأ التسامح لتفعيل كل حوار بين الثقافات، لأن التحلي بفضيلة التسامح يعني الاعتراف بحق المغايرة، واعتمادا علي هذا المبدأ يمكن ايجاد أرضية للتعايش السلمي بين الثقافات في عالمنا المعاصر، كما أن التسامح يمكنه أن ينعش مبادرات الحوار بين الثقافات لمواجهة مظاهر الكراهية والتهميش والنبذ والاقصاء، في حين أن الاعتقاد بالانفراد بامتلاك الحقيقة لا يؤدي الا الي الاستبداد والتعصب الأعمي ورفض الفكر الآخر جملة وتفصيلا .وعبر د.الدواي عن عميق ايمانه بأن ثقافة الحوار ينبغي أن تشكل العنصر الأساسي في العلاقات القائمة بين الشعوب في عالمنا الحالي، فهي البديل الحضاري المتاح لتمتين أسس التعاون والتآخي، كما أن الحوار بين الثقافات لا يستقيم بدون مبادئ وشروط وأخلاقيات، واعتراف متبادل بالحق في الاختلاف ورفض التبعية والهيمنة والتوق الي عدالة وانصاف حقيقيين. وفي محاولة للاجابة عن السؤال: هل الفلسفة وسيلة تحالف؟ افتتح د. عبد السلام بنعبد العالي مداخلته بالتأكيد علي أن الاحتكام الي العقل السليم يفضي الي القول بأن من شأن الفلسفة رفع سوء الفهم ولم الشتات وتكريس الائتلاف. لكن تاريخ الفلسفة يسجل بأن الفلاسفة لم يكونوا دعاة وئام ولا مصدر تصالح، والعديد من النصوص الفلسفية ما زالت حتي اليوم مثار تأويلات متضاربة وجدالات لا متناهية. هل نستنتج من كل هذا أن منهج الفلاسفة ومنطق خطابهم لا يتوخيان خلق التفاهم بقدر ما يستهدفان اذكاء روح النقد وخلق سوء التفاهم أو ابرازه علي الأقل؟ خلف هذا التساؤل يمضي بنعبد العالي حافرا في طبيعة العلاقة القائمة بين المتحاورين في المجال الفلسفي ليرسم مدي المسافة الفاصلة بينهم والتي تزداد قربا كلما ازداد بعدهم، كأن اللقاء بينهم لا يتم الا عند نقط افتراق والاتصال لا يتم الا عند نقط انفصال. بحكم أن الفلسفة من حيث هي مقاومة تعمل ضد كل ما من شأنه أن يكرس التطابق والوفاق والائتلاف والتقليد مما يؤكد بأن كل تفاهم مفترض يخفي من ورائه سوء تفاهم أصلي. اذن لا عجب في أن يسود الفكر المعاصر ما يدعي فلسفة التوجس التي تنطلق من سوء نية أصلية وتفترض ليس شيطان ديكارت فحسب ولا مكر التاريخ الهيغيلي وحده ولا خبث العلامات الذي تحدث عنه فوكو وانما خبثا أنطولوجيا يشمل الكائن برمته، وهذه الفلسفة سيئة الظن حين تقرب بين المتحاورين تجعل كلا منهم يبتعد عن نفسه، وبذلك تضع التوحد محل الانعزال. ويورد بنعبد العالي في ذات الصدد نصا بليغا لمارتين هايدغر بعنوان: لماذا نحب البقاء في الأرياف؟ يقول فيه: غالبا ما يندهش أهل المدينة من انعزالي الطويل الرتيب في الجبال مع الفلاحين. الا ان هذا ليس انعزالا وانما هي الوحدة. ففي المدن الكبيرة يستطيع المرء بسهولة أن يكون منعزلا أكثر من أي مكان آخر، لكنه لا يستطيع أبدا أن يكون وحيدا، ذلك أن للوحدة القدرة الأصلية علي عدم عزلنا، بل انها علي العكس من ذلك ترمي وجودنا بأكمله في حوار واسع مع جوهر الأشياء كلها وهذا التقابل بين الريف والمدينة هو في صلب المعني تقابل بين فضاء تسوده علاقات حميمة يغلفها الصمت وفضاء يسوده انعزال مغلف بعلاقات سطحية. وعلي سبيل الاستخلاص يري د. عبد السلام بنعبد العالي أن مهمة الفلسفة تتمثل في أنها تنقلنا من الانعزال نحو التوحد، ومنة الاتصال الموهوم والتلاحم الكاذب نحو التواصل الحق، فتأخذنا من المدن وصخبها و تمدنها صوب فضاءات تساعدنا علي فتح حوار رحب مع جوهر الأشياء.الفلسفة والانسانأو ما بعد الفلسفة: أما الجلسة الأولي من اليوم الثاني فقد تمحورت حول الفلسفة والانسان أو ما بعد الفلسفة وعقدت برئاسة خوان مارتوس كيصادا. وخلالها تلا جوزيبي بوتج من جامعة كومبلتينسي بمدريد مداخلة عنونها بـ ثلاث قراءات اسبانية لابن خلدون لخص فيها تصورات ابن خلدون للحضارة وقيام المجتمعات المتمدنة مركزا علي فكــــــرة أساسية مفادها أن علم التاريخ هو علم يساهم في تأسيسه الجميـــــع كل حسب اهتماماته ومنظوره الخاص، لأن ادراك الحقيقة التاريخية ليس من السهولة بمكان والالمام بالتاريخ يعني الالمام بحقيقة الأحداث وأسبابها، ولذلك كان سعي ابن خلدون الي ادراك الأسباب والعلل بغية تأسيس علم العمران باعتباره اللبنة الأساسية لتشييد كل حضارة. وفي اعتقاده أن الحضارة تنشأ عبر مراحل أي بالانتقال من البداوة الي التمدن وبشكل تطوري. ويري جوزيبي بوتج أن ابن خلدون بذل مجهودا بينا من أجل ايجاد الوسائل الحرية بتلافي أسباب الانحطاط والتدهور كالظلم والاستبداد وحكم القبيلة والعشيرة. كما دعم بحثه بمجموعة من الاستشهادات المستقاة من كتابات الباحث الاسباني أورتيغا مؤسس الاستشراق الاسباني الذي أنجز عدة بحوث حول ابن خلدون وغيره من فلاسفة الأندلس. وقدم الباحث الألماني ماركوس هافل بضع ملاحظات نقدية بصدد السياسة المتعلقة بتحديد الهوية وثقافة الحداثة، بدأها بالقول ان الناس اعتادوا تسمية العصر الذي نعيش فيه عصر العولمة، والمقصود بذلك تقارب كل أجزاء العالم من بعضها وقصر المسافات والتعايش بين الناس. ففي بداية العولمة ساد انبساط قوي ودار الحديث عن عالم واحد مؤتلف يمكن أن تحل فيه المشاكل الاجتماعية والسياسية، وتمني الجميع أن يكون موقف الفكر الملائم يمثل عولمة المواطن العالمي وطريقة تفكيره. وسجل ماركوس هافل ازدهار النزعة القومية من جديد بصورة فائقة حتي في المواقف الرسمية الي جانب التعصب الديني، وذكر بأن العولمة لا تؤدي الي تحسين الأوضاع الاجتماعية بل تفاقم تدهورها. واعتبر في سياق حديثه أن مصطلح الهوية متداول بكثرة وهو مصطلح جوهري غالبا ما يتعرض للتحريف والابتذال، وعندما يدور الحديث عن الهوية فانه يخفي في طياته عجزا أو نقصا ماديا للحق في العيش والحاجة الي هوية مشتركة الي جانب الارشاد والحماية، وكلما احتد التركيز علي الهوية انغلقت المجتمعات علي نفسها وامتنعت عن القبول بحوار التفاهم وتشبثت بآراء مسبقة. وفي مدار البحث عما يربط الفلسفة بالشعر بسط د.عبد الرحمان طنكول من جامعة محمد بن عبد الله بفاس في مداخلة حول ملتقي الحضارات، الفلسفة والشعر جملة من التأملات اللذيذة حول علاقة الشعر والفلسفة ومدي تشابكهما وانفراطهما أحيانا، ذلك أن جوهر الشعر يكمن في بعده الفلسفي وتماسكه لا يتحقق الا بالاتكاء علي منظومة فكرية رؤيوية تستبطن صميم الذات وتسمو بها عن سطح الوجود. ومن خصوصيات الشعر حين يمتطي صهوة التفلسف أو التصوف، حسب د. طنكول، أن تنزاح لغته عن مقاصدها الي أبعد حد، حيث يغدو اللفظ في النسق الشعري رمزا يستدعي علاقات جدلية تقود النسيج اللغوي الي الانفتاح علي عوالم باطنية كانت من قبل ألفاظا تشبه قافلة نمل تسير بانتظام، وهذا ما يتطلب من مستكشفها أن يتزود بما يكفي من العدة المعرفية واللغوية لكي يجلو الغموض العالق بها .لقد كان نيتشه محقا حين قال علي لسان زرادشت بأن علي المرء أن يكون منقبا جيدا في الدواخل سابرا للأغوار لأن أسرار العالم السفلي ليست سهلة المنال، فهي تؤخذ بالدهشة واللذة والألم. والشاعر والفيلسوف عندما تنصهر رؤاهما في هاجس جمعي تتحول الأشياء والكائنات في نظرهما من صورها الضبابية الي علاقات واضحة، وبذلك يخترقان جدار الصمت الي جدار الحقيقة. لكن الحقيقة بتعبير سارتر ليست طبقا من تفاح أو موز طيب المذاق بعد القطاف، والشاعر لا يسكن الا المكان الذي يبرحه، والشعر والفلسفة يعيشان طفولة أبدية. وكما أن الشعر هو الشباب الأزلي للخلق فان الفلسفة هي التجديد الأزلي للانسان، بفضلها ينفتح علي العالم ويصبح هو آخر نفسه عبر ارتباط لا يخلو من مكر والتباس . وتطرقت د.وفاء الادريسي العايدي من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء الي دور الترجمة في تحالف الحضارات من خلال شبكة من التساؤلات الفلسفية واللسانية انطلاقا من رغبة الانسان في غزو العالم وسعيه الدائم الي اكتشاف حضارات أخري : اذ كيف يمكنه أن يتواصل مع الآخر ويكتشف ذاته هو ويقف علي مميزات الآخر وطريقة تفكيره والوسيلة اللسانية التي يوصل بها أفكاره اذا لم يكن يحسن لغته؟ هكذا اذن تنبع الحاجة الي الترجمة وضرورة تحويل اللغة الغريبة الي لغة مألوفة. غير أن هناك اشكالية حتمية تتمثل في ثبات اللغة، فهي حسب هايدغر مسكن الوجود وملاذه. وبالتالي هل يمكن فصل الوجود عن اللغة وعن الانسان؟ وهل يمكن استحضار أحدهما في غياب الآخر؟ من الصعوبة بمكان الاقدام علي ذلك لأن الوجود يتجلي فيما هو كوني والانسان هو المعبر عن هذا الكون واللغة هي وسيلته لتمرير خطابه وتعبيراته. وهو لذلك في حاجة الي لغة مشتركة تعينه علي الاقتراب والانفتاح علي الحضارات الأخري. لكن العبرة في منطوق د.الادريسي ليست بمضمون ومنقول الترجمة بل بما تفتحه من آفاق رحبة أمام المتلقي وبما توفره من امكانيات للتفلسف، وبطبيعة الجسور التي تنصبها بين الثقافات واللغات. فهي فضلا عن كونها تيسر سبل التعارف والتحاور تغني الأفكار وتفتح الأعين علي العالم الخارجي بحثا عن أوجه القرابة والاختلاف في طرائق العيش ووجهة النظر الي الحياة والتفردات الحاصلة في أنماط العيش لدي كل مجموعة بشرية علي حدة. الفلسفة ومستقبل الانسان:وبعنوان في القوة والحكمة قدم د. عبد الحي أزرقان مداخلة هدف من خلالها الي تطوير مفهومي القوة والحكمة في المجال السياسي اعتمادا علي تناول الفلاسفة المحدثين لهما لمحاولة فهم مجموعة من الظواهر التي تسود في المجتمع المعاصر، وتثار بشكل مكثف في العديد من الأوساط ولدي كثير من الناس لاستخلاص ما يسمونه بفشل الفكر الحديث (الفلسفي) في تأسيس الفعل السياسي أي في تحقيق مجتمع السلم والاستقرار. وعبر أزرقان عن اعتقاده بأن الفكر الحديث قد تناول العلاقة بين القوة والحكمة بشكل عميق يستحق أن يثار من جديد للتذكير به والعمل علي ترسيخه. ثم لخص الأمر في مجموعة الأفكار التي تعد بمثابة دروس قدمها الفكر الحديث: 1ـ علي القوي أن يدرك بأن السلم يتوقف علي تنازله هو نفسه عن حقه في استعمال القوة لوحده، وأن الحكمة بالنسبة اليه تكمن في الاعتراف بالآخر وبحقه في الحياة، لأن القوة وحدها لا يمكنها أن تضع حدا للعنف. 2 ـ أن القوة أصلا تتحول الي عنف مادي أي اقتصادي وسياسي (مصلحي) وليس فكريا حتي وان اتسم بهذا الطابع الأخير في مظهره الخارجي. 3 ـ أن المحدثين ركزوا علي الجمع بين القوة والحكمة لتأسيس الدولة الحديثة، أي لتعدد الدول، كي يضعوا حدا للامبراطورية. فوجود امبراطورية وسط المجتمع الحديث مخالف تماما لروح الحداثة وقيمها. .4ـ كما فكر المحدثون بذلك في اطار الكونية وليس في اطار العولمة، فقد أرادوا فرض الفردي والخصوصي في اطار الكونية، لا النموذج الواحد في اطار العولمة. ومجموع هذه الدروس هو المقصود بالحكمة .ومن جانبه ذهب د. ادريس كثير ـ الكاتب العام للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، الي أن الأنثروبولوجيا هي وحدها الكفيلة بالتحدث عن الفضاء المتوسطي وتحديد قيمته من منظور فلسفي، والعلوم الانســــــانية بكل مشاربها هي التي تستــــطيع رصد أشكال التحالف والتصــارع بين الحضارات، وأبرز بأن الفلسفة لعبت دورا تاريخيا حاسما في مســــــاءلة الحوض الفكري لهذه المنطقة بأكملها انطـــــلاقا من اليونان، ومن ثم انبثقت الفلسفة مرورا بالأندلس في اتجاه أوروبا وباقي دول العالم. وكان آخر المتدخلين الباحث عزيز الحدادي رئيس جمعية أصدقاء الفلسفة في موضوع فلسفة البحر الأبيض المتوسط، دلالات تحالف الحضارات حيث استهل حديثه بالقول انه ليس من السهل أن نتحدث عن فلسفة البحر الأبيض المتوسط نظرا لشساعة الموضوع وتعدد ارثه الفلسفي وصعوبة اشكالاته واختلاف مذاهبه. وما دام الأمر كذلك فانه يتعين علينا أن نسلك طريقا سهلا يجعلنا نقترب من هوية هذه الفلسفة، ولعل هذا الطريق لن يكون سوي ذلك الأصل الذي انطلقت منه الفلسفة. وبعد أن وضح معني الفلسفة باليونانية = محبة الحكمة، وعلاقة الفيلسوف بالحكمة وتذوق الوجود، انتقل الي الحديث عن تلك الفكرة المغامرة التي أبدعها رجل (طاليس) صاحب أحلام وكشوفات قال عنه نيتشه انه رأي وحدة الوجود وحين أراد التعبير عنها تكلم عن الماء . ثم تساءل الحدادي عن المسار الذي اتخذته الفلسفة بعد ذلك : أي كيف تحولت من مجرد أحلام وكشوفات الي علم للحضارة؟ وهل يتعلق الأمر بفلسفة يونانية أم بفلسفة للبحر الأبيض المتوسط؟ ومن خلال الوقوف طويلا عند أرسطو باعتباره سفير فلسفة البحر الأبيض المتوسط وابن رشد شارحه الأكبر، توصل الي أن أرسطو لعب دورا أساسيا في نشر الفلسفة في الفضاء المتوسطي وعمل علي خلق حوار بين الثقافات والحضارات. لكن هل كان أرسطو يعلم أنه أول من أبدع ثقافة الحوار والتسامح بين الديانات؟ وهل بامكان هذا الحوار أن يقوم في غياب محبة الحكمة؟ وهل يمكن اعتبار ابن رشد هو المسؤول عن نشر الفلسفة والحداثة علي امتداد البحر الأبيض المتوسط؟ في سياق الاجابة عن هذه التساؤلات يشير عزيز الحدادي الي أن الفلسفة ستنتقل من المغرب الي الأندلس علي ظهر دابة حين وضعت كتبه علي جانب وجثمانه في الجانب الآخر كما يحكي ذلك ابن عربي في الفتوحات المكية وستصل الي الجامعات الأوروبية وسيحتفي بها. وهكذا يجوز القول ان مساهمة ابن رشد في ترسيخ الحوار بين الحضارات جلية علي أكثر من مستوي، ومن باب المفارقات الأليمة كان قربانا لهذا التواصل المعرفي والحضاري لتمسكه بخيار العقلانية والحداثة وكونية التفكير. مشاريع وتوصيات:وفي أعقاب هذه المداخلات القيمة التي أثارت نقاشا ثريا ومثريا بين الجمهور والأساتذة المتدخلين تلا د. محمد مصطفي القباج نص محضر الجلسة التي عقدت يوم الجمعة 10 اذار (مارس) بهدف انشاء جامعة ابن رشد الربيعية التي سيكون من مهامها تنظيم دورات تكوينية ولقاءات وطنية ودولية تتطرق الي جملة من المواضيع الفلسفية تغطي مباحث ذات الصلة بالارث الرشدي العقلاني وتفعيل الدور التنويري للفلسفة والعمل علي اشاعة الفكر الحداثي، وقد أسندت مهمة الاشراف العلمي علي هذه الجامعة الي كل من الأستاذ خوان مارتوس كيصادا من جامعة كومبلتنسي (اسبانيا) والأستاذ محمد المصباحي من جامعة محمد الخامس بالرباط. كما قرأ الأستاذ ادريس كثير (الكاتب العام للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة) توصيات الدورة الخامسة لملتقي ربيع الفلسفة الدولي والمتلخصة في تكثيف جهود كل الجهات والمؤسسات المشاركة والداعمة للملتقي من مكونات المجتمع المدني والسياسي وعلي رأسها وزارة الثقافة لانجاح اليوم العالمي للفلسفة الذي سيعقد في المغرب يوم 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006، ومناشدة كل الفاعلين علي الانخراط في مقاربة مفهوم الحضارات وحوار الثقافات بما تستدعيه الفلسفة من اختلاف وائتلاف انطلاقا من حوض البحر الأبيض المتوسط، وبعده كل جهات العالم. ومجمل القول ان ملتقي الفلسفة الدولي الخامس قد توفق في أن يلم، في جو ربيعي منعش، نثار أفكار وتأملات استطاعت علي مدي يومين أن تعبر عن ثراء زوايا النظر برؤي عميقة الغور صادقة المنشد في محاولة لتجذير التفكير الفلسفي في تربة مخصبة بالنوايا النبيلة في أفق اعادة الاعتبار للحكمة ومحبيها وتأسيس تقاليد راسخة لفن التآلف والتمايز في عالم يشهد من التوترات ما يجعل مهمة كل تحاور ثقافي وحضاري أصعب وأشهي من أي زمن مضي. 0