فرنسا مثلها مثل سفينة التيتانيك فهي تغرق رويداً رويداً

حجم الخط
0

فرنسا مثلها مثل سفينة التيتانيك فهي تغرق رويداً رويداً

د. محمد عجلانيفرنسا مثلها مثل سفينة التيتانيك فهي تغرق رويداً رويداً تجتاز فرنسا ربما ازمتها الحادة والمستمرة منذ وقت طويل، فهي دائمة التخبط بدون ان تجد الحلول المناسبة لازماتها، وان وجدتها فهي حلول ترقيعية لا تفيد ولا تغني، ولذلك نجدها تعالج ازمة فتخلق لها ازمة اخري، ولم يعد لقبطان السفينة اي استراتيجية واضحة، سوي ترقيع سفينته ولكن هذا لن يمنعها من الغرق التام اذا بقيت الامور علي هذه الحالة، ويمكن تشحيص ازمة فرنسا علي عدة جهات واهمها:1 ـ ازمة النخبة الحاكمة: اذا كانت الامور سيئة في بلدنا، فانظر الي قبطان السفينة كيف يقود سفينته، ففرنسا اليوم وبالاخص نخبها فقدت الرجل الذي يحمل مشروعا واضحا مؤسساتيا وسياسيا بل اصبحت النخبة عبارة عن هرطقات سياسية فالاشتراكيون منقسمون فيما بينهم، واليمين لم يحدد اسم مرشحه بعد للانتخابات الرئاسية القادمة.واليمين المتطرف يزداد قوة، وعلي النقيض الاخر، نجد يسارا متطرفا، ورحم الله من قال ذات مرة ان فرنسا تحكم من الوسط بالاضافة الي ان هناك قطيعة بين نخبة فرنسا الحاكمة والشعب الفرنسي الذي يزداد فقرا وفقرا بينما يزداد البعض ثراء من دون ان يستحقوا هذا الثراء.2 ـ نظام الجمهورية الخامسة: اصبح بحاجة لتعديل، وخاصة في ظل المتغيرات والمتطورات المتسارعة، فالبرلمان الفرنسي لم يعد له اي دور فعال في التأثير علي القرارات الكبري، والمقاطعات الفرنسية تطالب بادارة ذاتية واسعة، والدستور الفرنسي بحاجة الي تعديل، فهو ليس من المقدسات بل كل دساتير العالم تراجع وفق التطورات والتسارعات التي تحصل عبر الحقبات المختلفة.3ـ الازمة المالية: الدين العام اصبح كبيرا جدا في فرنسا حيث بلغ مؤخرا اكثر من 1800 مليار يورو وهو رقم مخيف جدا، وهذا سببه الانفاق والاسراف بشكل غير معقول وخاصة علي الادارات والبعثات الفرنسية في الخارج.بالاضافة الي النظام الاجتماعي والصحي الذي بقي يدار بشكل سييء وفوضوي بدون اي تنظيم واستراتيجية واضحة حيث ان الموازنة اصبحت تعاني من عجز مستمر، واصبحت هناك ضرائب مالية تضاف كل سنة لسد هذا العجز ولكن بدون حل جذري.الترقيع هو المبدأ، والحلول الجذرية هي الاستثناء.4 ـ ازمة البطالة المستشرية: رغم ان الحكومة الفرنسية تلعب علي الارقام الا ان مستوي البطالة اعلي مما تظهره الاحصائيات الرسمية، فهو يتجاو العشرة بالمئة ورغم ان الحكومة قد فعلت كل شيء من تخفيض لساعات العمل الي تقديم مساعدات لمدراء الشركات من اجل حثهم علي التوظيف، الا ان كل هذه الحلول غير مجدية، لان الدورة الاقتصادية الفرنسية معطلة والنمو الاقتصادي ضعيف وكذلك الاستهلاك بدون ان ننسي القوة الشرائية للفرد الفرنسي التي انخفضت عن معدلها العام منذ دخول اليورو اي العملة الاوروبية الموحدة.بالاضافة الي كل هذا وذاك، ففرنسا اصبحت تتقشف بالنسبة للموازنة المالية المخصصة للتأهيل وللتعليم مما انعكس سلبا علي مستوي التعليم والتأهيل والنظام التعليمي الذي اصبح يخرج اناسا لا يلبون متطلبات سوق العمل.5 ـ النظام الضريبي: الكل يشكو في فرنسا من النظام الضريبي والضرائب المفروضة علي الدخول المالية، لذلك نجد ان معظم ارباب الشركات الفرنسية يضعون اموالهم في بنوك خارج فرنسا كسويسرا ولوكسمبورغ، وكذلك الامر بالنسبة لشركاتهم حيث يجعلون مركز هذه الشركات في بلاد اجنبية عربية او اسيوية حتي يتهربوا من دفع الضرائب المالية، ففي فرنسا يجب ان تدفع 45% من قيمة ارباحك الي صندوق الضرائب، لذلك اصبح التهرب الضريبي والاعلان الخاطيء عن الارباح هو القاعدة يمارس بشكل كامل لدي الفرنسيين.6 ـ فرنسا والعولمة: لم تكن فرنسا عبر قوانينها ومؤسساتها وعقليتها وتركيبة اقتصادها مهيأة لان تواجه العولمة المتمثلة بهذه الشركات الكبري العابرة للقارات التي تمتلك اسواق العالم بسبب مرونة قوانينها وسرعة استجابتها للشروط الموضوعية والذاتية لهذه الاسواق، بل علي العكس من ذلك وخاصة الشركات الفرنسية العامة فهي ذات بنية ثقيلة بيروقراطية من الصعب عليها التأقلم مع الاسواق المتغيرة ولذلك نجدها عندما تدخل في منافسة مع شركات امريكية او بريطانية او حتي المانية تخسر هذه الاسواق بسهولة، وكما قال لي ذات مرة رجل اعمال خليجي باننا في الخليج نفضل المواد المصنعة الامريكية لان رجال الاعمال في امريكا يفصلون لنا منتجات تتناسب وطبيعة اسواقنا وكذلك ثقافتنا بينما يرفض الفرنسيون القيام بمثل ذلك.ولذلك، وهذا طبيعي ومنطقي، ان تتراجع نسبة الصادرات الفرنسية الي العالم، وتعاني بعض الشركات الفرنسية من كساد اقتصادي حقيقي.الازمة الاجتماعية: ضعف القوة الشرائية للفرد الفرنسي، وضعف نسبة النمو الاقتصادي حيث بلغت اقل من 2% هذا العام، وضعف الاستهلاك، وارتفاع معدل الدين العام، كل هذه الامور انعكست بشكل سلبي علي الحياة الاقتصادية للفرنسيين، فجيوب الفقر تزداد اتساعا، وهناك اكثر من ثلاثة ملايين فرنسي ممنوعين من استخدام شيكات مصرفية بسبب وضعهم الاقتصادي السييء، كذلك ازداد عدد المتسولين والذين لا يملكون مأوي بسبب الارتفاع الجنوني لايجار العقارات والمنازل وخاصة في المدن الكبري، لدرجة ان ايجار او شراء شقة اصبح ضربا من ضروب الخيال، بالاضافة الي ان الدولة توقفت عن بناء سكن اجتماعي بأسعار معقولة واصبح من الصعب في بلد يمثل المرتبة الرابعة في اقتصاديات العالم ان تجد عملا ومسكنا مناسبا ولذلك تجد ان عائلات فرنسية كاملة مدانة ولا تنتهي من تسديد قرض مالي حتي توقع علي قرض اخر.ازمة ضواحي المدن الكبري: هناك ازمة اقتصادية واجتماعية حقيقية داخل هذه الضواحي التي تقطنها اغلبية من المهاجرين العرب والمسلمين، فالدولة الفرنسية همشتهم عندما اختارت لهم هذه المناطق وعزلتهم عن المجتمع الفرنسي، لذلك تجدهم يعيشون جسديا في فرنسا ولكن بقيت عاداتهم وثقافتهم وتفكيرهم وكأنهم يعيشون في احد احياء الجزائر كبلكور والقصبة.بالاضافة الي كل هذا وذاك، فهم محرومون من سوق العمل ونسبة البطالة في صفوفهم مرتفعة جدا، واستهلاكهم الاقتصادي صفر، ومشاركتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والادارية الفرنسية صفر، وهم ابناء هذا الجيل الاجنبي المشرد والتائه لان لا الحكومة الفرنسية ساعدت علي دمجهم داخل مجتمعها ولا الحكومات المغاربية استردتهم لتوظفهم في مناطق اقتصادية بحاجة الي نمو وتطوير، والانتفاضة الاخيرة التي قاموا بها كانت بسبب هذا الضياع الذي يعيشون به.ازمة علي مستوي السياسة الخارجية: تراجع التأثير والنفوذ الفرنسي في العالم بشكل ملحوظ خلال السنوات الاخيرة، وقبل شيراك، وفي عهد ميتران بالتحديد، ففرنسا لم تعد موجودة في مناطق نفوذها بافريقيا، بورندي، رواندا، ساحل العاج، الكونغو الديمقراطية وحتي تشاد والغابون والسنغال، وكذلك الامر مع العالم العربي وهي تري الاتجاهات الاطلسية للجزائر والمغرب وباريس تلهث الان في المشرق لانقاذ ما تستطيع انقاده في لبنان وسورية كتابع لامريكا وليس كشريك لها.بدون ان ننسي ان التأثير الفرنسي في دول امريكا اللاتينية ضعيف اللهم الا مع كيبك وبعض المقاطعات المكسيكية ووجود المرشحين بيتانكور في كولومبيا وباشلليه رئيسة تشيلي التي يقال انها من اصول فرنسية.هذا تشخيص مبسط لبعض مشاكل فرنسا المعقدة، ولكن من سيكون المنقذ، وهل هناك من منقذ، وما هو النموذج الذي يطرق هذا المنقذ؟ هل سيكون سركوزي، ام دوفيل بان؟ہ رئيس مركز دراسات الحياة السياسية السورية ـ باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية