المبادرة الهاشمية مخرج مناسب لصراع هامشي
حسن إبراهيمالمبادرة الهاشمية مخرج مناسب لصراع هامشي الضجة الضخمة التي صاحبت الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لشخص النبي الكريم (ص) تحولت إلي كرة ثلج يمكن أن تلتهم كل مبادرة عقلانية في عالم يصر علي احتقار العقل. وللصراع وجوه متعددة خاصة وأن موازين القوي والكسب الحضاري مختلة للغاية. فإن أي متفحص للمشهد الإسلامي/الأوروبي يجده مرتعاً خصباً لأصحاب نظرية صراع الحضارات، وأصحاب نظريات المؤامرة. وقد استغل أصحاب النظرة العدمية للحياة الأزمة الحالية في صراعهم ضد الغرب كمنظومة قيم ما بعد حداثية وأكدوا بانفعالاتهم للعالم أنهم يتربصون منتظرين أي ذريعة لإطلاق العنان لمشاعرهم بدون مسؤولية ولا ضمير. وإن وقفوا مع أنفسهم وقفة حق فهم أساساً يتوجسون من كل شيء يأتي من الغرب. وكان ذلك موقفهم قبل حادثة الرسوم وسيستمر بعدها. لكنهم استخدموا الحادثة تأكيداً علي مقولاتهم القديمة. واستخدمت بعض الأنظمة والمنظمات المأزومة في علاقاتها الدولية والإقليمية الحادثة معولاً في تصوير كل فعل آتٍ من الغرب كجزء من مؤامرة مستديمة واستمراراً لسياسة إمبريالية يمارسها الغرب كمكون ما بعد حداثي مهيمن ومتجاوز للخصوصيات الثقافية والدينية للشعوب الملونة (العالم ثالثية) النامية. لكن وبدون جلد للذات بدون مبرر فالخطأ مشترك. وقد وقع العالم الغربي في خطأ كبير تطور إلي مأزق لا داعي له. فلتأكيد قيم الحرية التي يقدسها الغرب حقاً وبلا مزايدة نشرت صحف نرويجية وفرنسية وإيطالية الرسوم المسيئة كموقف مساند لحرية الصحافة. ورغم أن حرية الصحافة والإعتقاد مقدسة حقاً في أوروبا إلا أن استفزاز عقائد الناس ومشاعرهم أمر تجرمه القوانين الأوروبية، وأي حس سياسي أخرق ذاك الذي سوغ لهذه الصحف ـ خاصة الفرنسية منها ـ استفزاز الأقلية الإسلامية التي لم تفق باريس من آثار الدمار الذي أحدثه أبناء المسلمين المهمشين في فرنسا. ووقع كثير من المسلمين في خطأٍ معرفي عندما اعتقدوا أن حرية الصحافة في أوروبا لا تمتحن حقاً إلا إذا فتحت الصحف الأوروبية الباب واسعاً لكل من يريد تبرير الجرائم النازية. فالأمر ليس بهذه المقارنة المسطحة. فتقديس المسلمين للنبي الكريم (ص) يختلف عن الحساسية الأوروبية تجاه المحرقة اليهودية. فأوروبا تدرك أن جرائم هتلر ضد اليهود والأقليات الأخري كانت امتداداً لعار أوروبي تاريخي مورس ضد المسلمين واليهود والغجر وكل الأقليات. وبالطبع هناك من استغل عقدة الذنب الأوروبية هذه مثل الصهاينة الذين ابتزوا بها أوروبا في ضخ الأموال إلي مشروعهم الإستعماري الذي أتي منقذاً لأوروبا من عارها التاريخي. لذا فإنه حتي لو حدثت معجزة وانقلبت الولايات المتحدة علي إسرائيل فإن أوروبا تظل هي المؤسس الحقيقي لمشروع إسرائيل. وأعتقد أن أكبر خطأ نقع فيه في العالم العربي والإسلامي حينما نؤيد نكاية في إسرائيل بعض المؤرخين المهووسين من أمثال ديفيد إيرفينغ الذي سجن في النمسا لمدة ثلاثة أعوام بسبب تشكيكه في حدوث المحرقة. وأتساءل هنا عن القيمة العظيمة في دخولنا كعرب ومسلمين طرفاً في قضية المحرقة وهي شأن أوروبي خالص لا جريرة لنا فيها. ثم ما هو الجذاب في أفكار النازية الجديدة التي يتسابق بعض إعلاميينا العرب علي الدفاع عنها. فتجد بعض إعلاميينا يتفاخرون بأنهم أصدقاء لنازي مثل يورك هايدار أو حتي جون ماري لوبان أو ذلك المهرج الروسي زيرونوفسكي. ألا نسهم بذلك في تبييض جرائم أوروبا وهي التي تحاول بدعمها الأعمي لإسرائيل تبييض تراث قمعي هائل منذ محاكم التفتيش ومروراً ببوغرامات قياصرة روسيا ووصولاً إلي محرقة هتلر؟ ولعل الجرح العظيم الذي أصاب العالم الإسلامي يمكن تفهمه في حالة التخلف والتضعضع التي نعاني منها. لكن أن يكون رد فعلنا علي قضية الرسوم المسيئة انفعالياً بهذه الصورة فهو ما يخيب الآمال حقيقة. ورغم أن ردود العالم الإسلامي كانت تفريغاً عاطفياً وتنفيساً عن احتقان له مسببات داخلية في معظمها إلا أن البعض في بعض الحركات الإسلامية المتسيسة قررت اعتبار المظاهرات الغاضبة التي خرج كثير منها عفوياً بمثابة تحرك جماهيريٍ إسلامي عالمي، بل ورفض بعض علماء المسلمين أي محاولات للتهدئة. واعتبروا الغضبة فرصة من السماء أتتهم علي طبق من ذهب وأنه لا يجوز تهدئة الجماهير في الوقت الحالي. وقال بعضهم رداً علي محاولات التهدئة إن الجماهير قد انفعلت فلماذا تخمدون غضبها. وربما كان العلماء يعتقدون أنه يمكن توجيه الجماهير الغاضبة لتحقيق أهداف سياسية.لكن الغضبة باخت بعد بضعة أسابيع ولم يبق من صداها إلا مشهد بعض المنشآت المحترقة وشواهد قبور الموتي الذين تكفلت قوات مكافحة الشغب في بعض البلاد الإسلامية بالفتك بهم. وحتي سلاح مقاطعة المنتجات الدنماركية استخدم بشكل محدود وانتقائي لمصلحة بعض الدول والماركات المنافسة. لكن العقود الدنماركية الضخمة في الشرق الأوسط وإندونيسيا وماليزيا لم تتأثر، ولم يحدث تغيير استراتيجي في طريقة تعامل الدول الإسلامية مع الدنمارك. لكن كل ذلك لا ينفي أن قضية الرسوم المسيئة تحولت إلي إسفين دق بين أوروبا والعالم الإسلامي. فحرية الإعتقاد والتعبير واستقلال القضاء ومساواة الناس أمامه قواعد تقدسها أوروبا لأنها لم تأت علي طبق من ذهب. بل نالتها أوروبا بعد تضحيات وجهود علماء ومفكرين وفنانين ورجال دولة. ولا يمكن أن ننفي أن ردود الأفعال في العالم الإسلامي كانت مبالغاً فيها بل تسيء إلي شخص النبي الكريم. وأعتقد أن هناك مخرجاً من داخل القانون الدنماركي يمكن أن يرضي الطرفين ويحوله من قضية شحن وتفريغ للعواطف الإسلامية إلي نزاع قانوني من أناس امتهنت كرامتهم ضد صحيفة أفسدت وطغت وتجبرت رغم صغر حجمها. وتخيلوا معي السيناريو التالي: يتقدم احفاد النبي (ص) بصفتهم الإعتبارية كمسلمين وأصحاب حق أساسي حيث أن الصحيفة سبت جدهم بشكوي إلي المحاكم الدنماركية ضد الصحيفة يلاندز بوستن في صورة رئيس تحريرها وتكون الشكوي هي الإساءة وتشويه السمعة، وتهم أخري تبدأ بالتحريض علي الكراهية الدينية والتمييز العنصري وتنتهي بالتسبب في القتل. والقانون الدنماركي يمكن أن يقبل دعوي كهذه ـ حسب رأي قانونيين دنماركيين ـ.ولإكساب قضية كهذه أهميتها لا بد من أن يتقدم بالدعوي رجل من الأشراف يتفق عليه الأشراف في جميع أرجاء العالم الإسلامي. وبعيداً عن المزايدة السياسية فإن الهاشميين من كل جنسية في العالم الإسلامي مقبولون لحد كبيرمن معظم المسلمين. ولا أتحدث عن البعد السياسي للاسرة الهاشمية ولا نقاط الإختلاف أو الإتفاق بينهم وبين أصحاب المشاريع الأخري التي أثرت سلباًَ أو إيجاباً في تاريخنا العربي والإسلامي. وأذكر أن الأمير الحسن بن طلال ولي العهد الأردني السابق عميد أشراف آل البيت في الأردن كان قد صرح لقناة الجزيرة الفضائية في شباط (فبراير) من هذا العام بفكرة مماثلة مضمونها كحل أمثل لهذه القضية الشائكة الملتبسة. والرجل له مؤهلات أخري غير نسبه إلي الرسول الكريم فهو مؤسس معهد الفكر العربي ومثقف مقبول للغاية في الدوائر الغربية. ويمكنه إن تمكن من الحصول علي تفويض من الأشراف في جميع بلاد العالم الإسلامي أن يتقدم بهذه القضية بصورة حضارية فيها من نبل المهمة وأدب الخطاب ما سيمنح المسلمين صيتاً حسناً بدلاً من مشاهد الحرق والوعيد والسباب التي امتلأت بها التلفزيونات وشغلت المسلمين عن قضاياهم الأساسية بصورة مخجلة. الجانب المرعب حقيقة في الشحن والتفريغ العاطفيين ضد الدنمارك هو بعض النفاق الذي صاحب هذه الحملة. فلماذا لم تحدث نفس الحملة ضد الولايات المتحدة الأمريكية عندما رمي حراس غوانتانامو وأبو غريب المصحف في المرحاض؟ أو عندما تفوه ابن القس بيلي غراهام بسبابه المقذع لشخص النبي الكريم (ص) وللإسلام والمسلمين؟ لماذا لم تحرق السفارات الأمريكية عندما أحرقت القنابل الأمريكية مئات آلاف العرب والمسلمين في العراق؟ ولماذا لم نغضب هذه الغضبة الهوجاء عندما سمي الرئيس الأمريكي أرييل شارون بطلاً للسلام في نفس الأيام التي كانت جثث الفلسطينيين تتحلل تحت ركام مخيمات نابلس ورام الله؟ وفي استطراد لا بد منه أليس التجويع والإفقار والديكتاتورية والظلم أشد إساءة للنبي وتعاليمه من رسومات غبية لكاتب جاهل؟!! فدعونا نتقدم بهذه الفكرة ونحول القضية الدنماركية إلي صراع قانوني يمكن الفوز به، وهو ما سيتحول إلي سنة حميدة تحمي سيرة نبيينا ومكانة المسلمين في أوروبا والعالم.ہ كاتب من السودان يقيم في الدوحة8