حجر رشيد
محمد الأصفرحجر رشيدظَهْرُ الدرج مزدحم : علبة عصير، فنجان قهوة مرتشف، قطعتا بسكويت، قلم رصاص إلخ .. أتأمل هذه الأشياء، كيف اجتمعت، عصير عنب من النمسا، بن من البرازيل، رصاص صيني، خشب سويدي، بسكويت محلّي ظَهْرُ الدرج مثخن بالأخاديد التي صنعتها إبر الفراجير علي مر السنين. أمامنا عالم. . أو قل تاريخ برمته! أينك يا حجر رشيد حروف، أرقام، رسوم، رموز، أتلمسها كأعمي وأعجز عن فلسفتها، وإذ أُحاول السبر يواجهني يباس الصلادة الجافة. في ذهني تضطرم الأسئلة، تتقافز محترقة كفوشار، الزيت ناضب، والنار مجنونة والاحتراق حتي الترمد لا محالة، لولا طلّتها المنجدة المنعشة، كانت بجانبي تطوّق خصري، ساعتها جديدة، دقاتها صافية صاخبة، كلما رفعت يدها أعلي بطني بدأ قلبي في الارتجاف، دقُّ اللحم يغار من دقّ الفولاذ، أرفع رأسي عن الورقة ملتفتاً يميني، عيناها مشرقتان، جبينها وضَّاء، أنفها شامخ، شفتاها. . العليا رقيقة بعض الشيء والسفلي ممتلئة بعض الشيء، وإذ يفتران تبزغ إشراقة ابتسامتها الساحرة، في ذقنها ندبة جرح قديم. . رقبتها. . صدرها. . قدماها. . إلي آخره أعود إلي الدرج محاولاً العبورداخل كُنه الأشياء، أُركز بصائر تفكيري، أستغرق في عصير العنب المصنّع في النمسا، آهٍ كم هو لذيذ، كل حبّة ذرفت قطرة حلوة بانسحاقها. في تلك المزارع البعيدة الباردة كان رشيد يجني العناقيد التي زرع شجيراتها وشذّب أغصانها وأبعد من حولها الحشائش الطفيلية. هو مثلي يعشق معلمة ويجلس بجانبها في فصل دراسي خالٍ، ذراعها حول خصره، كلما رفعتها إلي حيث حبّة قلبه اصطخبت الدقّات اللحمية والفولاذية. هما مثلنا حبيبان يعيشان فورة الشباب وطموحه وحماسته، يبنيان عشهما بطوب وإسمنت الآمال المؤجلة. ـ لابد أنْ أُغامر وأركبه يا فطيمة!وتتركني يا رشيد ـ بعد أنْ استقر وأعمل أعود لأخذكِ أو أرسل لك الدراهم فتلتحقي بي. . عبر رشيد البحر مختبئاً في غرائر الصوف المصدّرة إلي أوروبا، بعد أيام رست الباخرة في نابلي ومنها عُبِّئت الحمولة في شاحنات شقّت طريقها إلي النمسا حيث تسلل في حرص وذاب وسط الزحام البارد لم يمض وقت طويل حتي تعرف علي عجوز في إحدي الحانات اقتنته زوجاً لها وأصبح صهراً للنمسا متمتعاً بكافة حقوق المواطنة بما فيها الانتخاب.. التفتُ إلي آمال R. F في أعلي الدرج الأيمن أخدودان علي شكل- عصير العنب والأخدودان. . – أيُعقل هذا، أيكون الدرج قد كان في المغرب؟ ولِمَ لا ؟ صارت آمال تتأمل الأشياء، فنجان القهوة، قيشاني صيني، بن برازيلي، ماء ليبي، سكر كوبي. غمست سبابتها في قعر الفنجان وتذوقتها والتفتت ناحيتي بعينين ناعستين شهيتين فطوّقتُ خصرها بلهفة.وكلما ضغطتْ أصابعي علي ضلوعها أنّت بغنج وانفرج فمها، وإذ هي تعاود سريعاً غمس إصبعها وتذوقه، اضطرب فمها فلم يعد فمها، صار يرتعش بتوتر، يهمهم، يهذي، نظرها بالكليّة مشدود منصب جهة الفنجان المعبوث به والذي خُيّل لي أنَّ حرثه بسبابتها قد حوله إلي حقول تنفث الكلم. . آه. . إلهي. ماذا أسمع؟ رشفت قهوة من مذاقك، طبيعية لا وجه لها. . جناها فلاح بائس، لمصلحة اللصوص، بين أشجار البن، دُسّت خشخاشة، داهمها الدرك، الطائرات المروحية تهرب، والفلاح واقف يقاوم الدرك، الخشخاشة جُنيت لدركي مضغ قاتها، وبصق خواءها في القبر، في جنازة الفلاح، وقبل الدفــــن، رشــف قطــــرات من القهوة، عدّل مزاج جمجمـــــته، وضع إصبعه في قاع الفنجان، حتي لا يقـرأه أحد، كان يفكر كيف ينزع المذاق، وكنت أفكر في رشفتك. هل تصدقون أنَّ البصقـــــة رفضت أنْ يشاركها ميت، والقبر بكي. . أما الفـــــلاح فنبت شجيرة بُن جديـــــدة بوريقات خضراء. . . هدأت آمال ومالت ناحيتي، كنت آنــــذاك أقترب منها أتشمــــمها وأُلاحــــــق بلســــاني بقايا بُن ملتصقة بحواف شفتيها علًّي أعرف بقية الحكاية، همـمت بغمس إصبعي في الفنجان إلاّ أنّها أبعدته عنه! آمال تحبني. . تعشقني بصدق وتمنعني من تكرار أي شيء قد فُعل. مددت يدي إلي قطعتي البسكويت!آمال. . ما هذا سحبت القطعتين واحدة التهمتها والأخري رمتها في سلة المهملات، قبل أنْ أتفوّه بلعناتي، ألقمتني نصيبي ممضوغاً جاهزاً. وعلي حين غرَّة نهبت قلم الرصاص بللت سنّه بلساني وطفقت أتمعّن فيه، سندوتش خشب محشو بدموع سوداء متحجرة، الرصاص يكتب والخشب لحاء يحمي العويد النحيف، عقلي يضج يا أحبائي، لم أستطع تخيّل شيء، ما إنْ ضغطت علي الورقة حتي تكسرت السن، ولا مبراة ولا شفرة ولا سكين لدي. ركنت القلم جانباً وشبكتُ أصابعي في بعضها خلف رقبتها وهي كذلك طرق خفيف علي باب الفصل ـ تفضلي إحدي المدرسات تريد عصا. ضحكنا ـ هل أكسر لك من هذا الدرج المخدّد أم من حافة السبورة المغبرة بالطباشير!؟ شاركتنا ضحكتنا وانسحبت ساحبة الباب خلفها فتعانقنا هذه المرّة صممنا علي سبر أوشام الدرج بإحساس وبصيرة واحدة، كثفنا تركيزنا الذهني وحملقنا بحضور خارق حتي تلاشي إحساسنا بالزمان والمكان. . ما زالت تنتظر، والفلاح المغتال لم يدرك ثأره بعد، والبسكويت هُضم والذي F حرف ما زال يجني العنب ويعصره كما تعصره السنون R في السّلة فتتته فلول النمل، وحرف الراكضة دونما شفقة. كل شيء عادي، كل أخدود يحكي مأساة أو ملهاة مألوفة، قد تقع لأي كان وفي أي مكان، الشيء الخارق للعادة والذي اعتبرناه مميزاً وفريداً هو قلم الرصاص المكسورة سنّه، يبدو أنَّها سن لبنية، لحظناها تنتر من جديد كبذرة ظمئة بللها طل عذب ودفأتها شمس صباحية. وإذ دخل علينا المدير والخفير وأهل آمال وأهل زوجتي والبوليس والحرس البلدي والمأذون والمفتي وثلّة من الفضوليين وحتي الشامتين وبقية الركب من العوّالة والتابعين. . إلخ وإذ أضاؤوا النور حيث كان الوقت جاوز منتصف الليل حتي صرخنا لفراق وأنفكاك إحساسنا وتركيزنا الموحد قبل أنْ يمطرونا بوابل أسئلتهم أمطرناهم بإغماء مصطنع لذيذ. سويت الحادثة عرفياً وعدنا إلي الجلوس في ذات الدرج، وكل يوم نتركه ونمتطي جديداً، ونعود إليه مجدداً ونتركه. اقتنينا فرجاراً نخدّد به الزمان المار ومع الأيام شِخنا وذهب البصر شيئا فشيئا، وأيدينا وهنت ما عادت تقوي علي الوخز بالفراجير. ولجنا زمــــــن التلمــــــس نتــلمس ونحــكي ونضحك، وذهـــــب سمعــــنا أيضا فشرعنا نتلمس أخدوداً ثم نتلامس بأيدينا فنفهم ما نعني. وغزانا الشلل اللعين، فعجزنا عن تحريك أطرافنا، والكلام ننطقه ولا يُسمع، دموعها تبلل خدّي، أتذوق دفأها المالح وهي تفعل مثلي. وجفّت دموعنا، وأنفاسنا تتلاقي عن طريق حرارتها وبطئها وسرعتها ولهاثها فنتفاهم ونتواصل وعندما تناقصت أنفاسنا وأخذت تشح وتتقطع وتضمحل عرفنا أننا علي وشك. . علي شفير .. كاتب من ليبيا0