غزو انثوي لعالم الذكور
غزو انثوي لعالم الذكور استوقفني الخبر المنشور في القدس العربي يوم الثلاثاء 4 ـ 4 ـ 2006 والذي بدي يشبه طرفة او دعابة خمس سيدات غادرن السعودية وعدن اليها… رجالا، وأبدين إصرارا شديدا علي التحول الي عالم الذكور . خبر بسيط، لربما مر بسلام علي العديد من قرّاء الصحيفة، غير انه اعادني الي زمن غابر، تملكتني خلاله رغبة مشابهة في هجر عالم الأنوثة المكشوف الي حد الفضيحة، والتحول الي عالم الذكور بكل ما يشوبه من هيبة وغموض. داهمني ذاك الاحساس القوي اول الأمر أثناء دراستي الجامعية، حين طاردتني الموانع والاوامر الصارمة لترغمني علي التقيد بمواعيد جدول المحاضرات وعدم تجاوزه مهما كانت الظروف، والعودة الي البيت بمجرد انتهائه، وحرمتني من المشاركة في النشاطات الرياضية والثقافية، وحتي الرحلات التي كان ينظمها مجلس الطلبة علي هامش الحياة الاكاديمية الثقيلة.وانتصبت رغبة التحول ذاتها امامي ثانية في بداية حياتي العملية كحل قطعي ونهائي للقضاء علي نوبات التأنيب المستمرة التي كانت تنهمر فوق رأسي كلما تأخرت في العودة الي البيت مساء، وكمخرج حاسم وبات للتفلّت من عبئ الابلاغ عن حركاتي وسكناتي مسبقا، خاصة وأنا اري اخوتي الذكور لا تنطبق عليهم مثل هذه القيود السخيفة التي تنطبق عليي، والسبب بالطبع: لأنهم ذكور!لست ادري متي غادرتني تلك الرغبة او كيف تخلصت من تلك الفكرة. يبدو انني نسيتها في خضم مشواري لتحقيق حلم المساواة مع الرجل في هذه الحياة، باختصار، شغلت نفسي في البحث عن الجوانب الايجابية لأنوثتي وتصديقها ـ ولم تكن كثيرة علي كل حال ـ حتي تجاوزت رغبتي السابقة في غزو عالم الذكور تماما فلم تتمكن مني علي النحو الذي حصل مع الاخوات السعوديات.للحق، لست الوم ايا منهن علي تنفيذ قرارها بالتحول الي عالم الذكور في بلد مثل السعودية علي وجه الخصوص وفي اي بلد عربي علي العموم، بل لعل تلك الطريقة هي اقصر الطرق لتحقيق المساواة واختصار مسيرة تحرر المرأة الطويلة واليائسة! واكاد اجزم ان الغالبية الساحقة من النساء في العالم العربي قد راودتهن هذه الفكرة مرارا، فعالم الرجال يغري بالاكتشاف بل والاقتحام أيضا! لعلّي ايضا احسدهن علي ما صرن يتمتعن به من حرية جديدة مثل: السهر مع الربع او الرفاق حتي ساعات الفجر الأولي، التحدث بالهاتف بحرية وبلا اية رقابة، استطلاع القنوات الفضائية المشفرة وغير المشفرة باطمئنان تام، ارتداء الثياب المريحة والمناسبة عوضا عن التلفع بالسواد، الحركة والتنقل بعيدا عن انظار المطوعين ومن دون مرافق.. واخيرا وليس آخرا السفر الي بانكوك من أجل العلاج بالطبع!! وفي هذا السياق، وحتي لا ندفن رؤوسنا في الرمال ونلقي باللوم علي الغرب المنحل وننفض ايدينا من اية مسؤولية او تبعات، اود ان اوضح ان حالات التحول في الغرب لا تقوم علي الاسباب الاجتماعية كما هو الحال في عالمنا العربي. فنظمنا الاجتماعية الصارمة والمنغلقة هي ما يدفع بنسائنا الي الهروب من عالمهن الضيق الي عالم الذكور الحر والمنفتح. ان حالات التحول في الغرب لا تتم من أجل التخلص من الظلم الاجتماعي الواقع علي احد الجنسين بقدر ما هي حالات تكاد تكون متساوية بين كلا الجنسين. التحول في الغرب ناتج بالدرجة الأولي عن اختلال وظيفي وعدم توازن بين جسد الانسان واحاسيسه، حيث يشعر الرجل مثلا انه يحمل مشاعر واحاسيس انثوية او تشعر المرأة بانها تعيش بمشاعر واحاسيس ذكورية فيعمل ذلك الشخص ـ ذكر كان او انثي ـ الي تعديل هذا الخلل عن طريق التدخل الطبي الجراحي، وحينها يستعيد ذلك الشخص توازنه النفسي والجسدي. أما ما يحدث لدينا فهو تحول غير طبيعي تقوم به النساء في الأغلب، ولا يتم بسبب وجود خلل نفسي بقدر ما هو نوع من الهروب من وضع اجتماعي دوني الي وضع اجتماعي اكثر حضورا واعترافا. غصون رحال محامية وكاتبة من الاردن[email protected]