كما يحدث دائما
عماد أبو زيدكما يحدث دائمايحدث دائما ان اري العالم من خرم ابرة (لست وحدي)، لن اكون مكابرا وادعي الحكمة ورجاحة العقل واعترف بغير ذلك، فكثيرا ما تدفعني احتياجاتي لا سيما اذا حال الآخرون دون تلبيتها الي ان اتخذ موقفا منهم (هم لم يدخلوا عقلي بعد، ويرون كيف اضعهم في خلفية سوداء بوجوه قبيحة وعيون مقيتة). يقينا لقد كونت دوافعي صورة جديدة لهم علي ان انسي موضوع التسامح قليلا وعلاقتي بالآخر.ـ اداعي للجمل الاعتراضية؟ـ ليس بوسعي غير ذلك.الموعد المقرر لافتتاح المهرجان الذي تنظمه وزارة الثقافة الساعة التاسعة، كنا قد اتينا في رحلة الي محافظة الاسماعيلية تحت رعاية وزارة الثقافة وشعار الملتقي الفكري. جاءت هذه الرحلة ترضية لي وبديلا عن احد المؤتمرات التي لم ارضخ لها (هذا لا يهم فغاية المؤتمرات عندي ان اخلو بنفسي في مكان بعيد وجميل، ليس عيبا ان اجاهر بذلك) عندما عملت لفترة ما مدرسا كان لزاما عليّ الذهاب للمدرسة في العطلة الصيفية كشأن زملائي تحت قوة دفتر الحضور والانصراف، كان الجميع يسخرون من هذا الوضع ويرددون:ـ الوزير عارف انها اجازة واننا لا نعمل.كان المدير يبتسم:ـ انها أوامر.ـ كنا نقضي هذا الوقت في مجالس النميمة لم يكن أمامنا خيار غير ذلك، واذا كان الشيء يذكر فانه كان من حسنات هذه المجالس اننا نتحدث عن الديمقراطية وكثيرا ما كنا نسب الوزير ونلعن الحكومة.ـ كانت غاية وزارة الثقافة ان يظهر افتتاح المؤتمر بصورة مشرفة امام كاميرات العالم، فعندما تكون قاعة المسرح محتشدة بالجماهير، يعطي انطباعا جيدا عن تحضر الدولة المضيف (طبعا انت في غني الان عن الحديث الخاص بالتمثيل المشرف في الاوليمبيات والمسابقات الدولية)، كان دخولنا قبل موعد الافتتاح بساعة ونصف، جلسنا في الصف الثالث امام المسرح، الضوء الخافت يحثنا علي الثرثرة، (التكييف) ايضا يشجع علي ذلك اضافة الي الفتيات الجميلات اللاتي يضبطن خطواتهن علي نغمات موسيقي خفيفة تشع من جنبات المسرح. تلقي الفتاة الجميلة جملة ترحيب في الميكروفون باللغة الانكليزية ثم العربية. كان جمع غفير قد تسرب الي القاعة لتضج بالتصفيق، لم يكونوا قد ادركوا بعد ما ادركناه، صرخت المخرجة:ـ صعدت المسرح، امسكت بالميكروفون:ـ دي بروفة ياجماعة، استأذنكم الخروج والعودة بعد ساعة من الآن.حين حانت الساعة التاسعة الا خمس دقائق لم يكن المحافظ قد وصل (ليس من المهم ذكر اسمه، يكفي فقط ان تقول السيد اللواء المحافظ، وعلي اية حال فهذا افضل من نظير له بإحدي محافظات وسط الدلتا، كان يصر علي تميزه بين المحافظين بلحق كلمتي اركان حرب علي اللواء شفاهية عند ذكر اسمه او تقديمه في أي محفل، وعند كتابة اسمه علي الطلبات والشكاوي المقدمة اليه، وكذا كل الصادر منه). خرجت قليلا خارج المسرح، كان الفنان رئيس المهرجان يعبر الشارع قلقا وهو ينظر في ساعته. مبني المحافظة في الواجهة المقابلة للمسرح من الجهة الشرقية. عدت الي مكاني في القاعة، في التاسعة والنصف دخل الاثنين معا. بدا ان الجمهور كان في وضع استعداد للتصفيق. رحبت الفتاة الجميلة بالحضور ولجنة التحكيم ورئيس المهرجان، ودعت السيد اللواء المحافظ للصعود علي خشبة المسرح لاعلان الافتتاح.وكما يحدث دائما ان تُطفأ الأنوار عند العد التنازلي لبدء حفل الافتتاح، يحدث دائما ان يصفق الجمهور. كان من بين ما قرأت مشهد مكون من لقطات سريعة متتابعة فيما يعرف بالفوتومونتاج لمعظم الافلام التسجيلية للدول المشاركة، تلي ذلك عرض فيلم الافتتاح (العالم كما يراه بوش).ـ كما كان أحمق وغبيا عندما اعلن الحرب علي العراق ـ ادعي انه رجل دين محافظ كما ادعي (شارون) عند زيارته لأمريكا انه جاء لتحقيق نبوءة نهاية الزمان ـ استطاع (بوش) ان يقنع العالم بأسباب الحرب، وعاد ينفي ذلك. فضح الفيلم الخداع والوهم الذي باعه (بوش) للعالم.منذ اسبوع اهداني الدكتور (جمال) صديقي دعوة انا وأسرتي لمسرح الطفل، تعلق صغيري بالعرائس ماريونت التي بدت في صورة جميلة مليئة بنشاط والحيوية. ما زال أمامه وقت حتي يدرك أن وراءها لاعبين يحركونها، ويبذلون الكثير من الجهد لاضحاكهم. (لا شيء آخر أود الحديث عنه، ولم أذكره، قليلا فقط دعوني اتذكر، لعلها اشياء تضحك فقط، لكن ليس عيبا ان اذكرها). مكالمة من الخلف عبر المبايل كانت رنة صغيرة مجسمة فتحت شهيته علي الحديث، تصورته في مجلس الشعب أو مذيعا ينقل رسالة تلفزيونية علي الهواء مباشرة (اسف انا انسان ولست منزها عن الضعف وحب الفضول)، كان مظهره المتأنق وكوم الأوراق الذي يضعه علي وركيه و(البانفلت)، علاوة علي حديثه لزميله بلغة متعالية أو لغة الواثق من نفسه قبيل الافتتاح، ودعوته له لمشاركته في عمل مجلة تهتم بأخبار الفنان العربي من الخليج الي المحيط، مع رغبته في أن يسمع من حوله اخباره واهتماماته دفعني الي الانتباه اليه او بالاحري وضعني في مأزق المتهم بالتنصت. كان قد تناسي الفيلم نهائيا، والجمهور، وظل متعلقا بالمحمول. الأمر الاخر الذي أتذكره كان بشأن الرجل الجالس أمامي، ويديه اللتين أخذتا دوما وضع التصفيق بداية من ولوج المحافظ (بالقطع يحدث هذا دائما في أماكن أخري).كاتب من مصر0