عزت الغزاوي.. حاضراً

حجم الخط
0

عزت الغزاوي.. حاضراً

مراد السودانيعزت الغزاوي.. حاضراًبقسوة نيسان وعناد زهور اللوز الطافحة ندفاً ونثيثاً مرّاً،أخاطبك يا سيدي يا أبا جاد.. بحشرجة الكلام الراجف، ومكبوت بوالي الأيام أتقدم نحو شاهد القبر.. سقتك الغوادي ونائحات الشجر الوهمي.. ناسياً لم أكن.. ولكن تعذّر فيك المجاز.. واستبدّ بي جارح الذكري، فاعذر يا سيدي وتجاوز هفوة فتيً حائر الوجه واليد واللسان.. ومبحوح الصوت ومغترباً مثل ذئب وحيد..ها أنذا علي أعتاب ذكراك الثالثة ألوب حزناً كظيماً ولوعة ناقعة.. ممسوساً بلدغة الفقد وسياطه اللاهبة الأكيدة.. وكما عوّدتني كل عام أجترح رسالة الحنين والذهاب إلي ليلك الخاص لأشعل شمعة الوقت وأنحاز لنقاط الضوء المنسربة من نوافذ الراوية وسردية الوجع الذي كنت تعرف وتحسُّ وتري.. أدلف إلي بهو النصوص المفتوحة علي لذاذة البوح ونجوي الغناء المتفلِّت ووساوس القلب التي ينخلع لها قادح الصخر.. وتتفلّع من هولها راسيات الكلام..عام ((1995 في ساحة جامعة بيرزيت، التقينا يا سيدي، فبادرتني بلهفة الحاني والمحب وببسمة المتفائل: إذا كان لديك مخطوطة جاهزة فلا تتردد بدفعها للاتحاد لنطبعها.. غمرني بكرم ما زال يحتلّ مني مساحة لا تنسي، ياهٍ.. أحد عشر عاماً علي ذلك اللقاء الغامر.. وافترقنا.. وتواصلنا في اللقاءات والندوات.. أزوره في الاتحاد.. وفي دائرة اللغة الإنكليزية.. ونلتقيه في (بيت الشعر).. قبل أن يصدر روايته الأخيرة : الحلاج يصلب من جديد، أُسعدت بالاطلاع علي المخطوطة.. أحضرها في المساء.. فأتيت عليها وسلمّته إياها صباحاً.. وتجادلنا.. ثّمة الغربة الغريبة يا سيدي يا أبا جاد.. وحرقة الأسئلة.. وإعادة إنتاج الإرث الجميل.. الأنقي والأبقي.. ربتما تجتاحك الرغبة بمعرفة أحوالنا التي كما خبرتها علي مقام الحسين.. تشهق بالفاجعة وتسعل حزناً أبيض وأخيلة سوداء.. فالبلاد يا سيدي مهلهلة النسج تضع قدماً بأقصي المشرقين وأخري بأقصي المغربين.. ونجوح علي ما بينهما.. والنقيض يا سيدي تستهويه لعبة الموت، فما زالت حممه توزّع أشلاء الصغار وألعابهم علي الجهات الأربع.. وما زال سيّال دم السادة الشهداء رانخاً أخضر.. يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار.. ما زالت طائراته السوداء تنخل الأجساد الحرّة وتحيلها إلي فحم رميم.. لقد لغم النقيض الهواء والماء والتراب وأشاع المحو لغة يومية وأدار ظهره لكل شيء.. كل ذلك وأقسي منه يحدث يا سيدي وعين العدالة العالمية المفقوءة علي حالها كما عهدت!قبل أسبوع تماماً زارني العزيز جاد.. وضعت بين يديه مخطوطة عن أفعالك الروائية للناقد العراقي جاسم عاصي.. والحمد لله الذي قيَّض لك يا سيدي ناقداً عربياً.. عراقي الهوي.. فلسطيني القلب يبحث عن إرثك المعرفي.. في الوقت الذي ينعم فيه ناقدنا المحلِّي ببياته الشتوي.. وعلي ذكر العراق الذي تحبّ فقد وقع في يد البرابرة الجدد وأوغلوا فيه كل مخلب أسود وناب حقود.. وزحف النمل الأسود الصهيوني ليعيث في بغداد العرب فساداً وتقتيلاً وموتاً زؤاماً وفتنة وقانا الله شرّها ووبالها.كان من المفترض أن تري المخطوطة النور في ذكراك الثالثة.. ولكن هيهات.. هيهات.. فكأننا يا عمرو لا رحنا ولا جينا !فالمؤسسة الثقافية الرسمية تعاني من إفلاس عميم، حتي المجلات والدوريات الفصلية توقفت منذ ما يزيد علي سنتين، فلا موازنات ولا ما يحزنون.. واجترح أيها المثقف الفلسطيني معجزة البقاء والمواجهة والصمود والتحدي والإبداع وحماية الذاكرة من المحو والاستلاب والتذرير، والوقوف في وجه رواية الآخر عنّا ! وكما تعلم يا سيدي فنحن في فلسطين لا نملك دار نشر وطنية، تتلقّف إبداع وأعمال الراحلين وتبعثها حيّة تسعي.. فلا أحد يحنّ في الرجوع إلي أحد .. و بس الوفا عَ الحرّ .ولا نذيع سرّاً يا سيدي إذا أعلنا أن الثقافة في بلادنا إكسسوار ليس إلاّ.. وتنفق الأموال علي كل شيء إلاّ علي الثقافة والإبداع ، علي الرغم من امتلاكنا طاقات إبداعية ومعرفية تستحق أن ترفع لها القبعّات احتراماً وتقديراً.الكثير من مبدعينا تقاعدوا ولم نلتــفت لهم بتــــكريم ولو بسيط، فبأي مهــــزلة سنؤمن !! فلا تعتـب إذا تأخرنا في التذكـر والوقوف علي ذكــــراك بقـــلوب شاكــــية وأعين باكية.. فالمبدع الحيِّ الغائب لا بواكي له في بلادنا الشهيدة الشاهدة .أما عن صدور أعمالك الكاملة فقد تحدّثت وجاد العزيز جداً، واقترحنا إرسال كتاب لمن بيده بيت المال نشرح فيه الحاجة لصدور أعمالك الكاملة وكذلك أعمال الشاعر حسين البرغوثي، والذي نحن علي مشارف ذكراه.. وكذلك الراحل الشاعر كمال ناصر.. ولكن لا حياة لمن تنادي ! فعذراً يا أبا جاد.. وعلي روحك السلام ما بقي الليل والنهار. شاعر من فلسطين يقيم في رام الله0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية