كلما ازدادت الحالة العامة صعوبة كلما كبرت مسؤولية المثقف
الشاعر الاماراتي أحمد العسم:كلما ازدادت الحالة العامة صعوبة كلما كبرت مسؤولية المثقفأبو ظبي ـ القدس العربي : من يزر مدينة رأس الخيمة، المدينة الخضراء التي تشمخ بجبالها وتسحر بهدوء بحرها، لابد أن تستأثر باعجابه هذه الطبيعة الجميلة حيث الجبال تحتضن البحر كاحتضان الأم لطفلها، من هنا بدأ تاريخ البحار العربي ابن ماجد، والشاعر ابن ظاهر، وكان لا بد لهذه الأرض أن تجدد عطاءها مع المبدعين ومنهم الشاعر أحمد العسم الذي تطفح قصائده بالوجد الانساني، وهو يحاور فيها الذات والذاكرة والأحلام بلغة تبحث عن الدفء العائلي والحنين الوجداني الي الماضي، رافعا صورة الأم الي أسمي الرموز الكونية، وهو يتملي بعمق نثريات الحياة من حوله وكأنه يكتب رحيق التاريخ اليومي لهذا المكان وتدفق الحياة فيه، باحثا في أزقته وفي زواياه الظليلة عن الجديد في الشعر، سواء بالفصحي أو باللهجة المحكية. جدير بالذكر أن للشاعر أحمد العسم مجموعة شعرية بعنوان يحدث هذا فقط ومجموعة أخري باللهجة العامية، بالاضافة الي مجموعة مشتركة مع الشاعرين هاشم المعلم وعبد الله السبب بعنوان مشهد في رئتي ، وستصدر له قريبا مجموعة جديدة. ويشغل حاليا رئيس هيئة اتحاد كتاب وأدباء الامارات في فرع رأس الخيمة. وهو يقول: أنا ابن هذه الأرض وابن ذاكرتها وأحلامها. ومن رأس الخيمة المدينة الخضراء والينابيع العذبة، كان لنا معه هذا اللقاء. رأس الخيمة ذات طبيعة لها خصوصيتها الجميلة، ماذا أوحت لك هذه الخصوصية بجبالها وبحرها؟ رأس الخيمة.. تلك الواحة التي سقيتها بدموعي لم أغادرها مرة الا واشتهيتها كتفاحة طازجة عندما أغنيها ترقص، وعندما أوقع لها بكلماتي تتنفس من رئة واحدة، لأنها عاتبة علي أهلها فما تني تطلب مزيداً من الحب مع أنني أهديتها مجموعتي الشعرية الأولي وكان البحر أحد عناصرها الرئيسية وهو الذي تسلم هديتي. أحب رأس الخيمة نهاراً حيث الأصدقاء والعمل والرعاية والشغب الذي أمارسه بطريقتي الخاصة. وأحب رأس الخيمة ليلاً حيث يمنحني فرصة استثنائية لأمارس حريتي مع المكان ومغازلة أعمدة الكهرباء والأرجاء والبيوت المتناثرة في أطرافها. في الليل أسمعها تناديني وأعتقد أنني الشاعر الذي يلبي رغباتها ويكتب بوحها بصدق. المشي في الطرقات القديمة الخالية أو في الطبيعة، ان بقيت موجودة علي حالها.. ماذا تأخذ منها؟ عندما كنت يافعاً أسير في طرقاتها بحثاً عن شيء مجهول وكثيراً ما كنت أتخيل ما وراء الجدران أسرة تتسامر وتمارس الحب بكل معانيه ودلالاته. وعندما أقترب من بيت أحد الأصدقاء أستذكر أحاديثه وكيفية توطيد علاقتي معه. وعندما كبرت تغير الحال.. صرت أضيف الي الطرقات والأحياء القديمة شيئاً من ذكرياتي، وخاصة عندما أسترجع أحداثا مهمة في نشأتي، هناك في الزاوية الفارغة شجرة النبق التي أقطف منها بعض الثمار أتسلي بأكلها ريثما يأتي ذلك الصديق لأنني تعودت علي عدم انضباط مواعيده.. وتحت شجرة النخيل الباسقة أنتظر والدي عندما يعود بقامته الفارعة، وهو يحمل ما نشتهي ونحب. وفي وسط الحي حيث تسود الحركة أستمر في المكان أراقب وأتأمل، كل شيء يمنحني الأسئلة التي لا اجابة لها عندي. هذا في الحي أما في المدينة كلها فلا بد أن أزور البحر وأحدثه ما في قلبي وأستمع علي رجع صداه، كما لابد أن أتخيل كيف كان ابن ماجد يرسم بخطواته مواقع المدينة وكيف كان ابن ظاهر ينشد لجلفار وهو علي صهوة جواده أو علي ظهر ناقته. وفي كل الأحوال.. أحمد عيسي العسم صديق الليل وعاشق الطبيعة.. ملاذه البحر.. وسعادته في رسم ضجيج شاعر في أقصي شارع برأس الخيمة يشكو من وحدته. تراجع الشعر أمام الرواية في معظم الدول العربية، هل الحالة كذلك في الامارات؟ وما أسباب ذلك في رأيك؟ لا أعتقد بأن الشعر تراجع، ولكن الشعراء غادروا نصاعته وبريقه فخسروا جمهوره، ولن ينافس الشعر الرواية حتي يصادق الجماهير ويخاطب العقول والقلوب في آن معا. واذا كانت الرواية قد سبقت الشعر في عصرها الحاضر فلأنها انخرطت في الحدث وحملت علي عاتقها مخاطبة العقل والضمير والقلب.. انها قارئة العصر حاضرا ومستقبلا في الوقت الذي يرامح الشعر في أقبية الابهام أو التحليق خارج السرب. التراث وتواصلك معه واضح، كيف تنظر الي هذا التراث؟ وهل تراه بخير؟ أشتم من التراث رائحة الآباء والأجداد، وكثيراً ما أشعر بالفخر والاعتزاز بهذا التراث الرائع الذي يعكس جهودا جبارة وأفعالا رائعة وانجازات مهمة في زمن كانت فيه الحضارة متواضعة الي حد كبير. هذا التراث يرسخ هويتي، ويدفعني الي المزيد من العشق الي هذه الأرض، وتزداد سعادتي عندما ألتقط بعض مكنوناته وأشتغل عليها وأتوصل الي نتائج تمدني بمرموزات ودلالات ضرورية ومهمة. واذا كان مثل تراثنا كمثل تراث أي بلد من بلدان العالم فيه الرائع الساحر وفيه الجيد والمتوسط وفيه العادي، فان ما يلفت نظري كشاعر ما هو متألق، وما يقدم لي بوحا لكي أتماهي معه وأستقرئ خباياه. تبدو عنايتك باللغة الشعرية الي حد أنك تري الحياة فيها، لكن هناك من يرددون كلمة شاعرية ، أين الشاعرية من الشعر؟ الشعرية هي قاعدة للشاعرية وهي الأساس الذي يستند اليه الشاعر من أجل أن يصل الي الحالة الشعرية التي هي المستوي الأرقي في كتابة النص ولئن كانت الشعرية ثابتة، فان الشاعرية متحركة، لأنها تتبلور من خلال تعاطف الشاعر مع موضوعه وحبه له .. ولأنها ترتبط باندفاعات الشاعر ومدي قناعته بما يكتب ولمن يكتب. وبناء علي ما تقدم فان الشاعرية لا يمكن الا أن تكون ذات مستوي واحد في كل ما يكتبه الشاعر.الشاعر انسان يتشكل من ذاته ومن محيطه وعواطفه وخياله وعشقه وكرهه و.. و.. فكيف سيظل علي وتيرة واحدة الحياة كلها وفي ابداعه كله. مجموعة: مشهد في رئتي ، وهو عمل يضم ثلاثة أصدقاء، هل انجاز عمل شعري مشترك يحقق الغاية المطلوبة منه، كيف تنظر الي الصداقة، ومن هو الصديق الحميم للشاعر؟ مجموعة مشهد في رئتي لم تكن من أجل تحقيق الغاية التي تطلبها.. انها احتفالية صداقية تعبر عن ارتباط حياتي عبر الفعل والكلمة وهي تجربة لشعراء تقاربت تجاربهم من بعضها في زمنها وجودتها ورؤيتها وقد قرظها الكثيرون واعتبروها تجربة مهمة لأنها تنقسم الي ثلاثة أقسام وكل قسم يختص بشاعر اضافة الي قصائد كتبناها معا.. وعندما يدقق القارئ بهذا الفعل ودلالاته لا بد أن يصل الي نتيجة أقل ما يمكن القول فيها انها تجربة تستحق التأمل. كان في تونس احتفال بمجموعة يحدث هذا فقط ونشرت الصحف بعضا منها، كيف تري التواصل الثقافي بين الامارات والمغرب العربي؟ ما زال التواصل الثقافي بين الامارات والمغرب العربي بحاجة الي تفعيل وأري أن هذا التفعيل بدأ، لكنه ما زال بطيئا.. وعندما يصل الي الدرجة المنشودة سوف تعم استفادة الجميع، فنحن بحاجة الي الاطلاع علي ابداع أخوتنا في المغرب العربي كما أنهم بحاجة لذلك. ولا شك أن التقنيات الحديثة بدأت تلعب دورها في هذا الموضوع، ولهذا كتب عن يحدث هذا فقط وعن تجربة أحمد العسم الشعرية. وأدهشتني الآراء النقدية، وانني بهذه المناسبة أتقدم اليهم بعميقالشكر والتقدير وأقول لهم ان دولة الامارات العربية المتحدة كانت وما زالت الساعية الي تواصل ثقافي فعال يرسخ ثقافة تواكب العصر. بعيدا عن الشعر، ما هي الهوايات التي تمارسها؟ في صغري مارست هواية كرة القدم، أما الآن ومنذ عقدين فليس لي هواية سوي زيارة البحر لأشكو له ويشكو لي وعندما تضيق بي الدنيا أستلقي علي كتفه وأغط في نوم عميق وهو يعزف سمفونية التجدد والحياة. تراث ابن ماجد البحري وتراث ابن ظاهر الشعري، هل تم حفظهما بشكل جيد ليكونا مراجع للأجيال في الامارات العربية؟ هناك محاولات جادة وجديدة فالشاعر أحمد راشد ثاني والشاعر عياش يحياوي والباحث سلطان العميمي وغيرهم قدموا بحوثا هامة وتوثيقات لها قيمتها، لكن بشكل عام أنا غير راضِ علي مسيرة التوثيق التراثي البطيئة، فهناك رجالات لهم قيمتهم لا بد من استنطاقهم قبل أن يرحلوا. وفي الامارات تراث وآثار تعود الي مئات السنين تحتاج الي الدرس والبحث، وأسأل لماذا لا يكون في الجامعة فرع خاص للبحث التراثي والتحقيق وغير ذلك من اتجاهات تتعلق بالتراث للنهوض بهذا المرجع وتعميق مساراته. أين دور المثقف العربي في الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة؟ وما الواجب الملقي علي عاتقه؟ كثر أولئك الذين ابتعدوا عن الساحة مسوغين ذلك بأن الواقع المعاصر بتعقيداته لا يسمح بالكتابة أو التعبير، وأنا أقول كلما ازدادت الأمور تعقيدا كبرت المسؤولية علي المثقف.. ثم متي يكون دور المثقف في وقت الرفاه أم في وقت المصاعب؟. أتطلع الي أن يأخذ المثقف العربي دوره الحقيقي في هذه الظروف القاسية التي تمر فيها أمتنا، لا بل أكثر من ذلك.. أن يكون طليعيا في طروحاته وأفكاره ليقود المسارات نحو شاطئ الأمان. الشاعر أحمد العسم كتب الشعر باللغة المحكية واللغة الفصحي، أيهما أقرب للشاعر؟ الشعر المحكي عنصر من عناصر تراثنا وأنا أحبه، وفي كثير من الأحيان يأخذني الي ردهاته وأمطاره لكن قصيدتي الحقيقية تنتمي الي اللغة العربية الفصحي، لغة التعبير عن الذات ولغة الهوية القومية ولغة الأدب والانتشار. وعندما أكتب بالعامية فلأني لا أريد أن أجود في الفصحي، المهم أنني أكتب الشعر الذي هو نور حياتي. في عالمنا الحديث.. ابتعد دور الجدة عن التواصل مع الأحفاد كما أن العمل للمرأة ومشاكل الحياة الحديثة قلص الاهتمام بالأولاد، ما تأثير ذلك علي الأجيال الجديدة؟ أنا كان ارتباطي بجدتي ارتباطا كبيرا، فأنا ربيت عند جدتي، وكل مساء أمي تأخذني الي جدتي فأقرأ الشعر عندها من خلالها ومن سماع حكاياتها. هذا الارتباط اثار عندي تساؤلات وتأملات، الآن أنا أكتب نص استرجاع للحكايات القديمة، أكتب عن مريج وهو الحارة، أتذكر طفولتي مع الجدة. كانت والدتي تعطيني المصروف وأصرفه فتقول لي ما تنام الفقيرة وعندها باقي من الزخيرة جدتي تقول لي: ما عليك منها اصرف، وتعطيني مصروفا. لما ماتت جدتي كانت أمي موجودة. ولكن يوم ماتت أمي كنت أفتقد موزعا جميلا لأشعاري، لدواويني، لمجموعاتي الشعرية. حقيقة كان موت والدتي مؤلما جداً فجعلتني أكتب نصا لم أجرؤ علي نشره حتي الآن، نص اسمه ماتت أمي . كتبت النص بدموعي ولم أتجرأ علي أن أطلع عليه بعد كتابته لأنني أخاف علي أمي. أنت، سيدتي، في هذا السؤال تحفرين في الأنين الداخلي، أنت الآن تحفرين بكل ما في الكلمة من معني الحفر الموجع، الأم هذا الامتداد الجميل لا تعوض.. أنا شاعر ألتفت دائما الي الأشياء. لكني افتقدت من يحتفل بي لما أكتب نصا، وهي التي كانت تتباهي في حارة (الفريج) بين الأمهات، وهذا يمكن أن يكون تعويضا عن تقصيري بالدراسة، لأنني كنت في الدراسة أقل من جيد. لو أحكي الي الصبح عن أمي لا أنتهي. أقول:يافديتك تعالي .. أفك الخط وأقرأ لك حروفه..وأسولف لك عن خالة .. هي أم يا فديتك ..تعالي أفتح كتاب عمري معاك أقلب صفحاته..علي عينك تشوف .. شو حالتك.. شو غلاوتك … يا فديتكهذه هي الأم، هي كل شيء حلو وجميل في حياتي. التقته: فاطمة عطفة0