حرب تيان آن مان والبطاطس: لماذا اتلذذ بعبث الامريكيين بفرنسا؟

حجم الخط
0

حرب تيان آن مان والبطاطس: لماذا اتلذذ بعبث الامريكيين بفرنسا؟

توفيق رباحيحرب تيان آن مان والبطاطس: لماذا اتلذذ بعبث الامريكيين بفرنسا؟ أعتقد أنني سييء حظ، علي عكس الذين يعيشون في فرنسا هذه الأيام ويهتمون بمراقبة ما يجري في حقلي السياسة والاعلام. سبب سوء حظي أن البطاقة الملطوشة التي كنت التقط بها القنوات الفرنسية انتهت صلاحيتها وأصبحت تحتاج لوصفة سحرية تعيد لها الحياة. انتهت صلاحيتها عندما احتجت لها أكثر.وسر حظ الآخرين أن هناك حربا استفزازية فضائية صامتة، تستحق المتابعة، يشعلها الأمريكيون ضد فرنسا بطريقة غريبة ولأسباب أكاد أقول انها غير مفهومة. حركات تعقبها ردود فعل فرنسية أشبه بردود بعض الأشقاء المصابين بداء الوطنية الزائدة (اللبيب من الاشارة يفهم).فكلما تجشأت فرنسا، هرع اليها الصحافيون الامريكيون، في مقدمتهم سي ان ان ، لكي لا يفوتوا فرصة التفرج عليها ـ والتشفي ـ وهي تتقيأ. حدث ذلك في أحداث الشغب التي عرفتها البلاد قبل اربعة اشهر وكان وراءها أبناء المهاجرين المغاربيين والأفارقة. تفنن الصحافيون الأمريكيون في تغطيتها رغم جهل بعضهم الفادح بتاريخ وجغرافيا وسوسيولوجيا الأحداث، فوقعوا في كثير من الأخطاء المهنية. تسبب ذلك في ردود فعل غاضبة عالمثالثية في الوسط الاعلامي والسياسي الفرنسيين، ليس فقط بسبب الأخطاء، ولكن أيضا بسبب الافراط (الأمريكي من وجهة نظر فرنسية) الشديد في متابعة وتغطية كل شاردة وواردة.لكن لا اعتقد أن ذلك الغضب أثني الأمريكيين عن شيء. والدليل انهم عادوا بقوة لتغطية الغضب الاجتماعي المتنامي في فرنسا ردا علي عقد الوظيفة الأولي .مراسل سي ان ان رسميا بباريس هو جيم بيترمان. وهو صحافي ملم بعمله هناك واقرب الي الموضوعية بمفهومها الفرنسي هذه الأيام، لكن يبدو أن رغبة سي ان ان في وخز الفرنسيين فرضت الاستعانة بفريق أكبر.بينما تكتفي القنوات الأخري بمراسل أو اثنين في تغطيتها موجة الغضب، جيّشت سي ان ان ما يزيد عن أربعة أو خمسة صحافيين في الأسابيع الأربعة الأخيرة وطواقم بشرية وعتادا وعدة.وبينما تكتفي القنوات الأخري بتقارير المراسلين أو وكالات الأنباء العالمية (مصحوبة أحيانا بـ ينضم الينا الآن من باريس المحلل فلان )، خصصت سي ان ان الدولية يوم الثلاثاء الماضي ما يزيد عن ثلاث ساعات مباشرة من باريس كأن فرنسا أصبحت شأنا أمريكيا مثل اعصار كاترينا والانتخابات الرئاسية وتفجيرات 11/9 (عدا هذا لا اذكر أن حدثا ما استحق كل هذا الاهتمام والمساحة الوقتية).وبينما يكتفي المراسلون الأجانب بالتغطية الطبيعية مع حد ادني من الحيطة، يُشاهد مراسلو سي ان ان بمظاهر توحي بأنهم في ميدان حرب: صدريات واقية من الرصاص، أنابيب تنفس، أقنعة علي الوجه، خوذات فوق الرؤوس الخ.وبينما يتباهي المراسلون الآخرون بوجودهم في باريس، عاصمة النور، يحدّث المراسلون الأمريكيون زوجاتهم وصديقاتهم في البلد عبر الهاتف الجوال باعتزاز الرجل الذي يتكلم من ميدان حرب، فترد هي بنصائح من نوع خذ احتياطاتك.. حياتك أهم لدينا جميعا وما شابهها.وكما أخطأت قناة سي ان ان في تحديد المواقع الجغرافية للمدن الفرنسية التي حدثت فيها اضطرابات الخريف الماضي فوضعت ـ مثلا ـ ستراسبورغ بغرب البلاد، قارنت صحافية من نفس القناة المظاهرات الحالية ضد عقد الوظيفة الأولي بأحداث ساحة تيان آن مان في صيف 1989 بالعاصمة الصينية بكين. ما اعتبره الفرنسيون اكثر من اساءة لكرامتهم العزيزة عليهم.طبعا، اندلع جدل حول هذه المقارنة السخيفة ، من وجهة النظر الفرنسية، توجه في معظمه نحو أن مستعملي هذا الوصف قليلو أدب.ولعله من المفيد القول أن وصف تيان آن مان استُعمل في سي ان ان المحلية، ما يعني أيضا أن الفرنسيين يراقبون جيدا عمل هذه القناة عن بلادهم ولو في بثها المحلي.هذه المشاكسات، علي ما فيها من ازعاج ومساس بالكبرياء الفرنسي الزائف (الذي صدّروه الينا) تثير المتعة والضحك وتجعل شخصا مثلي يتلذذ باستمرارها (لأنني في صف المتشفّين ولدي أسبابي الخاصة). أتلذذ عندما أشاهد الارتباك في القنوات الفرنسية الكبري مثل تي اف 1 و فرانس 2 ، فهي تريد أن ترد علي التطاول الأمريكي ولا تعرف كيف. وتريد كشف انه فعلا تطاول غير بريء وانحراف عن الحقيقة والموضوعية، ولا تعرف ما المطلوب منها بالضبط.ومن طرق الرد اجراء تحقيقات عن كيفية تغطية الأمريكيين للأحداث، واستطلاع آراء صحافيين أجانب مكلفين بالتغطية. ضمن هذا السياق استجوب مراسل جزائري لقناة دولية فتاة من المتظاهرين ذات ملامح عربية فاستوقفه فريق تلفزيوني سائلا بطريقة بوليسية: لماذا هي بالذات؟ وعندما رد المراسل بالطريقة التي يستحقها السؤال، اعتذر رئيس الفريق وقال انهم من محطة تي اف 1 وينجزون تحقيقا حول التغطيات التلفزيونية الاجنبية للأحداث. أفتح قوسا هنا لالفت انه اذا أتيح لأحدكم متابعة حدث كبير في تلفزيونات احدي الدول المغاربية، سيري حتما تقارير عن الوفود الاعلامية الكثيرة التي تقاطرت علي البلاد وكيف غطت الحدث، مع اضافة بهار الاعجاب بالتسهيلات والامكانات التي تكرّمت الحكومة بوضعها تحت تصرف المراسلين الأجانب، مصحوبا بنفاق بعضهم، خصوصا العرب. لهذا قلت مرة اننا في شمال افريقيا لم نخترع شيئا من عندنا، بل ورثنا العُقد والغرور من فرنسا الغارقة في غرورها.وأتلذذ عندما أسمع رد المدير العام للشرطة الفرنسية، ميشال غودان، علي سؤال عادي جدا من صحافي وكالة اي بي للأنباء عرف من لكنته بأنه أمريكي: اذا كانت فرنسا تهمكم، سأدلكم علي مناطق اجمل (قياسا بالغيتوهات النتنة التي يسكنها المهاجرون) تزورونها . حدث ذلك قبل أربعة أشهر، خلال أحداث الشغب.الرد هنا هو نموذج الفرنسي الغيور علي عزة وطنه علي الأمريكي المتطاول المتشفي.السؤال الذي يحيّر الفرنسيين هو لماذا هذا التطاول الأمريكي؟ اعلاميون فرنسيون حملوا نفس السؤال الي مكتب سي ان ان في باريس فاُحيلوا الي مكتب لندن باعتباره مكتبا اقليميا ومسؤولا اداريا عن المكاتب الأوروبية. كل ما ناله الفرنسيون شبه اعتذار محتشم عن التشبيه بـ تيان آن مان من مراسل ضمن تقرير عابر.من السهل القول ان السبب يكمن في خلافات البلدين سنة 2003 حول احتلال العراق وما صاحب من تراشقات اعلامية ومعايرة بين الطرفين بلغت حد مقاطعة البطاطس المقلية علي الطريقة الفرنسية في الكونغرس الأمريكي. لكن يبدو أن الأمر اعمق. ربما نجد جزءا من تفسيره في نكران الفرنسيين للعظمة الأمريكية ولتضحيات الأمريكيين. لن ينسي الأمريكيون بسهولة أن في ذروة الاحتفالات بالذكري 60 لانزال جيوش الحلفاء (الجيش الأمريكي في الحقيقة) بمنطقة نورماندي بشمال فرنسا في حزيران (يونيو) 1944 (بينما كان نصف الفرنسيين مستسلمين لهتلر) كشف استطلاع رأي فرنسي أن 50 في المئة من الفرنسيين لا يعترفون بالجميل الأمريكي.ماذا ينتظرون بعد هذا اللؤم؟ الوخز قليل فيهم! انسجاما مع الحرب ميدي سات ، الفضائية الفرنسية ـ المغربية، قطعت شوطا اخر نحو نقطة من بدء البث. الأسبوع الماضي أمضت عقدا مع اي بي تي ان لتزويدها بالعتاد والخدمات.أذكر أننا كنا في الجامعة عندما أطلق المغرب وفرنسا من طنجة اذاعة البحر الأبيض المتوسط المعروفة اختصارا بـ ميدي 1 . ساد الاعتقاد آنذاك بأنها ستكون مناوئة للجزائر في ذروة توتر بين البلدين.اذا كان هذا الاعتقاد ما زال سائدا وسينسحب علي ميدي سات ، وهي بنت ميدي 1 ، انصح الجزائريين بانشاء محطة فضائية بالتحالف مع الأمريكيين انسجاما مع الحرب الواردة في الجزء الأعلي من هذا المقال.الدهماء والكراسي تجري في المغرب هذه الأيام محاكمة مدير صحيفة محلية بتهمة الاساءة الي رئيس دولة أجنبية هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وفي الجزائر علمت بصحيفة حوكم رئيس تحريرها ومحرر بتهمة الاساءة للملك الحسن الثاني وكان لا يزال علي قيد الحياة. اليوم اقترح (علي ليبيا) طلب مساءلة الصحافية باتريسيا موازون من قناة اي تيلي الفرنسية، وهي القناة الاخبارية التابعة لمجموعة كانال+ . بهذه الطريقة علّقت الصحافية في أحد برامجها علي كلام العقيد معمر القذافي حول الديمقراطية ـ وناقل الكفر ليس بكافر ـ: شاهدناه يقول ديموكراسي كلمة مركبة من ديمو ومعناها الشعب، وكلمة كراسي التي هي كراسي chairs)) . ولو جئتم الي ليبيا لرأيتم في الشوارع المواطنين الليبيين جالسين علي كراس. نحن لدينا ديموكراسي .ضحكت الصحافية وقالت: هكذا هو القذافي، نظن أحيانا أنه شفي ولكنه سرعان ما يعود الي جنونه . وقبل ثلاثة ايام سمعت القذافي يتحدث لقناة ابوظبي الفضائية عن الديمقراطية فقال ديموكراسي تعني الدهماء (تجلس) فوق الكراسي .لا تعليق حتي لا اُحاكم.ثم سمعت المذيعة تختتم المقابلة مخاطبة العقيد اذا كان في مشوار كل اعلامي علامة مضيئة، فانا اعتبر لقائي مع سيادتك علامة مضيئة في مشواري .مرة اخري لا تعليق، فـ للناس في ما تعشق مذاهب .كاتب من أسرة القدس العربي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية