مأساة الجعفري والعراق بين خيار مانديلا وخيار ميلوسوفيتش

حجم الخط
0

مأساة الجعفري والعراق بين خيار مانديلا وخيار ميلوسوفيتش

د. عبدالوهاب الافنديمأساة الجعفري والعراق بين خيار مانديلا وخيار ميلوسوفيتشفي نهايات عام 2004، وفي وقت كانت فيه هجمات قوات الاحتلال علي مدينة الفلوجة العراقية في أوجها، سعي أحد الإخوة لترتيب لقاء يجمع بين الدكتور إبراهم الجعفري وبعض الشخصيات التي كانت تتعاطف مع المعارضة العراقية في أيام ما قبل الاحتلال وما جاء معه من كوارث وكبائر. وكان الجعفري، الذي لم يكن قد أصبح رئيس وزراء بعد، في إحدي زياراته للعاصمة البريطانية لندن، حيث كان يقيم في المنفي في السابق، وحيث كان له أصدقاء كثر من بين العرب الذي تزدحم بهم منافي عاصمة الضباب. وكان من رتب اللقاء يأمل أن يؤدي اللقاء إلي إزالة بعض الجفوة التي اعترت علاقات المعارضين العراقيين السابقين ببعض أصدقائهم.اللقاء المرتقب لم يتم لأن معظم من تم الاتصال بهم رفضوا الاجتماع بالجعفري في ظل ما كان يحدث في الفلوجة. وقد علمت من الصديق الذي سعي إلي ترتيب اللقاء أنني وأخ آخر كنا الوحيدين الذين قبلنا أن نحضر اللقاء. وقد كان هذا تطوراً مؤسفاً، ليس فقط لتدهور العلاقات الإنسانية بين الأصدقاء، ولكن أيضاً لما كشف عنه من صعوبات تواجه إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم حول الوضع في العراق حتي بين أشخاص كانت تربطهم حتي وقت قريب أواصر المودة والتقارب في الرؤية. ولسنا من السذاجة والمثالية بحيث نتوقع أن يتصرف المعارضون بعد وصولهم إلي الحكم بنفس الطريقة التي كانوا يتصرفون بها يوم كانوا يشاطروننا المساكن المتواضعة والأحلام غير المتواضعة في ضواحي لندن. ولكن المرء يتوقع ممن عانوا عقوداً من القمع والاستبداد أن يتصرفوا بصورة غريزية في اتجاه يبعدهم كل البعد من التصرفات التي تشابه تصرفات الدكتاتوريات القمعية. ولا يشمل هذا فقط الابتعاد عن القمع وقصف المدن وارتكاب أعمال التعذيب والقتل علي الهوية والمجازر، بل قبل ذلك الابتعاد عن اتخاذ المواقف التي تجعل ارتكاب المجازر والفظائع أمراً لا مفر منه. معظم النظم الاستبدادية العربية، بما فيها نظام صدام السابق، تضطر للقمع لأنها وضعت نفسها في سجن من الهياكل السياسية التوجهات والسياسات المرفوضة شعبياً، ولهذا فإنها لو سمحت للمواطنين بأن يتكلموا ويتحركوا بحرية فإنهم سينظمون أنفسهم لتغيير هذا الوضع. فلو أن نظام الحكم يجعل احتكار السلطة والثروة لفرد أو مجموعة صغيرة من الناس، بينما يحرم الآخرون من كل شيء إلا ما يجود به الحاكم، فلا يتوقع أن يرضخ الناس لمثل هذا الوضع إلا مرغمين. حتي الحكومات المنتخبة شعبياً قد تواجه إشكالات رفض فيما لو أصرت علي الاستمرار في الحكم بعد فقدان شعبيتها، أو إذا كان نظام الحكم يستثني أقليات مهمة من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية.في حواراتنا المستمرة مع أصدقائنا من المعارضين العراقيين السابقين الذين أصبحوا حكاماً، كانت القضية التي تطرح نفسها باستمرار كيفية تحقيق إجماع عراقي حول مستقبل الحكم في العراق، وكيفية تجنب الوقوع في فخ الاستقطاب الطائفي أوتغليب روح الانتقام علي الواقعية السياسية. وهذه المطالب ليست مطالب مثالية، بدليل أنها تم تجسيدها واقعاً في أكثر من مكان في العالم. وأبرز مثال علي ذلك جنوب إفريقيا، حيث ضرب الزعيم نيلسون مانديلا المثل في الحنكة السياسية والتسامي الأخلاقي عندما عقد صفقة تضمن للأقلية البيضاء حقوقها الأساسية ومعظم مكتسباتها من نظام الفصل العنصري، بدلاً من الدخول في إجراءات انتقامية ضدها. وقد كان من نتائج هذا أن جنوب افريقيا تعيش الآن جواً من الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي بدلاً من الصراع والفقر.وبالمقابل هناك نموذج الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش الذي قاد شعبه إلي نفق مظلم عبر تبنيه الشوفينية العرقية وإثارة أقبح العصبيات حتي يعزز موقعه في السلطة ويحقق ما اعتقد أنه مصالح الصرب عبر ارتكاب الفظائع والمجازر في حق الآخرين. وقد كان من نتيجة هذه النظرة الضيقة أن الصرب لم يحققوا المكاسب التي سعوا إليها، بل بالعكس، خسروا كثيراً. وكان أكبر ما خسروه سمعة الأمة الصربية التي أصبح اسمها مرادفاً لكل ما هو قبيح من التصرف الشوفيني والعنصري. وقد يستغرق الأمر أجيالاً حتي يستعيد الصرب سمعتهم، وهو أمر يزداد صعوبة لكون كثير من الصرب ما يزال يعتبر مجرمي الحرب أبطالاً.تبني خيار مانديلا في العراق كان سيكون أسهل بكثير منه في جنوب افريقيا. ففي العراق لا توجد أقلية مثل البيض في جنوب افريقيا تمارس التمييز والاضطهاد ضد الأغلبية. ذلك أن من محاسن صدام حسين (إن جاز التعبير) هو أنه ساوي بين العراقيين في القمع، ولم يميز بينهم في ذلك. وعليه فإن الأمر لمن يكن يحتاج إلي مصالحة تاريخية بين الفئات، بقدر ما كان يحتاج إلي قيادة سياسية حكيمة تنجح في توحيد العراقيين حول برامجها، وتعزل القلة التي كانت عماد نظام الاضطهاد في السابق.ولأسباب لا تخفي، أبرزها الانتهازية السياسية، فإن البعض اختار النهج الذي كان لا بد أن يمر عبر طريق ميلوسوفيتش. هذا المنهج تمثل في تبني الطائفة السياسية باعتبارها الطريق الأقصر لتعبئة الجماهير، وتبني خدمة أهداف الاحتلال باعتبار هذا أقل كلفة. وبالمقابل تبني آخرون الطائفية المضادة والإرهاب الأعمي كاستراتيجية مواجهة. وكانت النتيجة الحلزون الهابط من القمع والعنف الذي نري اليومولا نريد هنا أن نستعيد الجدل اللامتناهي حول الموقف من الاحتلال أو من هو المخطئ. فهناك الآن جدل بيزنطي يدور حول ما إذا كانت العراق تعاني حالياً من حرب أهلية، وهو جدل عقيم لأن العراق تخوض حرباً بلا شك، وهي حرب تقف فيها الأطراف العراقية علي أطراف متناقضة. ويريد المتحدثون بإسم مختلف الأطراف العراقية أن يقنعونا بأن هذه الحرب لا علاقة لها بالعراق ولا بالعراقيين. فمن جانب هناك من يتهم قوي الاحتلال بأنها المسؤولة عن كل ما يقع في العراق من جرائم، بما في ذلك الهجمات الانتحارية علي المساجد. ومن جهة أخري هناك من يقول إن كل ما يقع في العراق من قتل وتدمير هو من فعل المتطرفين الأجانب. وهذا يعني أن العراقيين ملائكة منزهون عن كل إثم.ولكن ما أن نقتنع بهذه المقولة، ونتفق مع أصحابها علي أن كل الشرور ترد علي العراق من خارجه، مما يعني أن العراق سيتحول مع ذهاب الأجانب إلي جنة الله في أرضه حتي يفاجئنا هؤلاء بمقولة تناقض الأولي تماماً ويزعمون أن خروج الأجانب سيدفع بالعراق إلي حرب أهلية لا تبقي ولاتذر، كأن الذي نشاهده في العراق اليوم سلم أهلي. فلماذا إذا كان الأجانب من إرهابيين ومحتلين هم سبب البلاء، يكون ذهابهم سبباً لتحول العراقيين الطيبين إلي أشرار وقتلة بعد أن كانوا ملائكة معصومين؟ وماالذي يوفره الاحتلال من أسباب الأمن ومنع الحرب؟من الواضح أن التمسك بوجود قوات الاحتلال مقصود به استخدام هذه القوات ضد العراقيين المناوئين لجهات سياسية بعينها وإخضاع هذه القطاعات بالقوة للإرادة السياسية لحلفاء الاحتلال. ولأن العراق قد تشرذم عرقياً وطائفياً فإن هذه المهمة تعني بالضرورة أن قوات الاحتلال منهمكة في حرب لنصرة طائفة ضد أخري في العراق. ويمكن تصور هذا الدور إما بالزعم بأن قوات الاحتلال هي طائفة من الملائكة المسومين جاءوا بأمر سماوي لنصرة أهل الحق علي أهل الباطل، قبل أن تعود أدراجها إلي السماوات العلا، وإما أن هذه القوات مرتزقة تعمل لصالح جهات عراقية لقاء أجر معلوم. وبما أن هذا الأجر لا يمكن أن يكون مالاً لأن الدول الأجنبية هي التي تمول هذه القوات بل وتتصدق علي من زعموا أنها أجيرة في يدهم، فإن هذا الأجر لا بد أن يكون ولاءً سياسياُ، وتعهداً أبدياً بالخدمة والطاعة. وهناك بالطبع الفرضية الأخري التي لا تختلف عن هذه كثيراً، ولكنها أقرب إلي الواقع، وهي أن قوات الاحتلال ليست هي الأجير والخادم، بل بالعكس، هي المستأجر والمستخدم.مهما يكن، فإن القوي السياسية الرئيسية اختارت نهج الاستقطاب الطائفي، وأسلوب فرض الإرادات والإقصاء، وهذا فرض عليها أن تدخل في حرب مع قطاعات من الشعب كما كان حال صدام من قبل، سوي أنها اختارت أن تستعين في حربها بجهات خارجية. والآن تعترف هذه الجهات بهذه الورطة وتطالب المحتلين بالبقاء لا لأنها تخشي الإرهابيين الأجانب كما تزعم بل لأنها تخاف العراقيين. الطريف أن الأمريكيين أيضاً اعترفوا بهذا وطالبوا أولياءهم بأن يسارعوا إلي التصالح مع إخوانهم العراقيين لأن أمريكا لا تريد أن تكون طرفاً أبدياً في هذه الحرب الطائفية لصالح جهات لا تستسيغها أساساً ولم تقبل بالتعامل معها إلا مضطرة. والطريف أن الجعفري رد علي هذه المساعي باستنكار أن تتدخل أمريكا في الشؤون الداخلية العراقية! هل هناك استخفاف بالعقول أكثر من هذا؟ما نريد أن نذكر به ببساطة هو أن عراق ما بعد صدام كان يمكن أن يصبح عراق الحرية والمنعة والتحرك إلي الأمام، ولكن هذا لم يحدث، بل حدث عكسه تماماً، وأن السبب الأساسي كان اعتماد حلول الخيارات السهلة وتولي قيادات القامات القصيرة والنظرة الضيقة للأمر. والسؤال هو هل الممكن تدارك الأمر بعد ما وقع من خراب وسفك من دماء وضيع من فرص؟ وبالطبع هذا ليس ببعيد، ولكن المرتقي من الحضيض الحالي صار أصعب. وإذا كان الأمر يحتاج في السابق إلي رجال من أهل البصيرة فإنه أصبح الآن يحتاج إلي أنبياء وقديسين. وإذا كان بعض أصدقائنا عجزوا أن يبلغوا مقام مانديلا في السابق، بل قصروا حتي عن مقام ميلوسوفيتش، فكيف نطمع أن نري منهم ما هو فوق ذلك؟بالنسبة لي هناك بعد شخصي في المسألة لأن لي أصدقاء كثرا بين من تولي المسؤولية في الحكومة الحالية، بل تكاد الحكومة السودانية هي الحكومة العربية الأخري التي لي بين مسؤوليها أصدقاء أكثر وخيبة أمل أكبر. وقد بلغنا ذلك المبلغ من العمر الذي لم يعد بالإمكان فيه للمرء أن يتخذ أصدقاء جددا أو يحلم أحلاماً جديدة، فقط يتأمل في بؤس الحياة وضعف الإنسان، ويقول: العيب فينا بلا شك!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية