متي تمتنع أمريكا عن مهاجمة إيران؟
د. عصام نعمانمتي تمتنع أمريكا عن مهاجمة إيران؟بحسب سيمور هيرش، الكاتب الأمريكي المعروف الذي كشف أسرار مذبحة لاي ماي في فيتنام العام 1969 وتفاصيل تعذيب السجناء في سجن أبو غريب في العراق، وأبعاد الوجود الإسرائيلي في كردستان العراق بعد الإحتلال، فإن جورج بوش مصمم علي تنفيذ ما لن يجرؤ أي رئيس أمريكي مستقبلا علي القيام به، وهو ضرب المنشآت النووية الإيرانية بإستخدام أسلحة نووية تكتيكية. ما كتبه هيرش لمجلة نيويوركر وكشفت النقاب عن أجزاء منه قبل صدور عددها المرتقب في 17 الشهر الجاري، أثار معارضةً بين قادة الجيش الأمريكي، فيما أيقظ خشية بعض أركان إدارة بوش من ان تؤدي مغامرة الرئيس الأمريكي الي إخراج حزب الله اللبناني من سكونه ونهوضه تالياً الي إستهداف المصالح الأمريكية في العالم، من خلال مشهدية إعتبرتها طهران مجرد حرب نفسية تمارسها الولايات المتحدة ضدها.هل تعدّ واشنطن فعلاً لهجوم نووي علي إيران؟الإعداد شيء، وتوفر النيّة للهجوم شيء آخر. كِلا الأمرين ممكن من الناحية النظرية، لكن التوقيت يبدو مستبعداً في الوقت الحاضر. فقدرات أمريكا العسكرية النووية متوافرة في مسرح العمليات المرتقب، والإعداد للهجوم، متي توافرت النية، لا يتطلب وقتاً طويلاً. ومع ذلك فإن من المشكوك فيه ان يكون بوش مستعجلا خوض مغامرة نووية قبل الإنتخابات النصفية الأمريكية في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. صحيح ان لا معارضة جدّية لشن الحرب علي إيران في صفوف معظم أعضاء الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين، غير أن تسويق مشروع الحرب وجدواها، وإقناع العالم، لاسيما الحلفاء الأوروبيين بذلك، يتطلبان جهداً ووقتا. ألم يصرح وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، قبل أيام، أن مجرد فكرة ضربة عسكرية ضد إيران هو جنون كامل إذ ليس هناك أي دليل قاطع ولا ذريعة تبرر شن حرب، ولا يمكننا التأكد من ان النيات الإيرانية متصلة بأسلحة نووية .يجب، إذاً، إعداد أوروبا وغيرها لتقبّل فكرة الحرب بموازاة إعداد أمريكا، شعبا وجيشاً، لدعم هذه المغامرة.يتضح من المعلومات المنسوبة الي مقالة هيرش ان عددا من كبار الموظفين والمستشارين الحاليين والسابقين في أروقة البيت الأبيض والبنتاغون (وزارة الدفاع) هـم مصدر ما حفلت به من واقعات وإحتمالات. لذا من الممكن ان تكون إدارة بوش نفسها قد أوعزت بتسريب معلومات محددة من اجل تخويف إيران وحملها علي إعادة النظر بموقفها المتصلب من مسألة تخصيب اليورانيوم.غير ان الأهم من المعلومات والتفسيرات المتداولة في صددها الغايةُ المتوخاة من وراء إحتمال شن إدارة بوش الحرب علي إيران. فقد نقل هيرش عن ديبلوماسي رفيع المستوي في فيينا قوله إن المسألة اكبر بكثير من مجرد قضية نووية. إنها مجرد نقطة تجميع، ولا يزال هناك وقت كافٍ لمعالجتها. لكن إدارة بوش تعتقد انه ليس بالإمكان معالجتها ما لم تسيطر علي عقل إيران وقلبها. إن المسألة الحقيقة تتمثل في من سيسيطر علي الشرق الأوسط ونفطه في السنوات العشر المقبلة .هذا التقدير الواقعي لحقيقة المسألة يجد دعما غير مباشر له في ما نسبته مقالة هيرش الي مستشار بارز في البنتاغون حول الحرب علي الإرهاب: يعتقد البيت الأبيض أن الوسيلة الوحيدة لحل المشكلة هي تغيير هيكل السلطة في إيران، وهذا يعني الحرب ، بمعني ان التهديد بالحرب يمكن ان يساعد في تفسيخ الجبهة الداخلية الإيرانية وإطاحة الرئيس احمدي نجاد و فريقه النووي .ماذا لو صمد احمدي نجاد وفريقه ومن ورائهما مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي؟يتبرع المستشار البارز إياه في البنتاغون بجواب مفاده ان تكثيف الضغوط علي إيران بقصد تغيير هيكل السلطة قد يعزز أيضا الإقتناع في داخل إيران بأن الوسيلة الوحيدة للدفاع عن البلاد تتمثل في حيازة قدرة نووية ! غير ان الصمود ومغالبة الضغوط والإصرار علي حيازة سلاح نووي قد يدفع أمريكا، بحسب ما تنسبه مقالة هيرش إلي مسؤول سابق في البنتاغون ما زال يتعاطي مسائل حساسة مع إدارة بوش، الي شن حملة قصف مستمرة علي إيران لإذلال قيادتها الدينية ودفع الشعب إلي القيام بإنتفاضة للإطاحة بالحكومة .يتحصّل من هذا الحوار غير المباشر الذي أجراه هيرش عبر مقالته بين كبار الموظفين والمستشارين الحاليين والسابقين في إدارة بوش وأروقة البنتاغون واوساط اجهزة الاستخبارات ان الغاية المتوخاة في تفكير الرئيس الأمريكي هي تغيير النظام الإسلامي في إيران بالسياسة إذا أمكن أو بالحرب إذا تعذر عليه ذلك.الحرب، إذاً، خيار شديد الإحتمال في تفكير بوش، فما السبيل الي منع تنفيذه؟إنطلاقاً من واقع تعثر سياسة بوش في العراق والتكلفة العالية لحربه الخائبة (300 مليار دولار حتي الآن) ونهوض روسيا سياسيا وإقتصاديا وإزدياد نفوذها في الجمهوريات السوفياتية السابقة ( أوكرانيا، بيلوروسيا وغيرهما) ومباشرتها نشاطا ملحوظا لإجلاء القواعد العسكرية الأمريكية عن جمهوريات آسٍيا الوسطي الإسلامية، وتوظيفها قدراتها النفطية في سياساتها الإقليمية والدولية، وتعاظم قدرات الصين الاقتصادية وبالتالي نفوذها السياسي، وتوسع رقعة الإشتباك السلفي الإسلامي مع أمريكا وحليفاتها… كل ذلك قد يساعد إيران، كما الدول الإسلامية لاسيما النفطية منها، علي اجتراح نهج سياسي غير تقليدي للحؤول دون إندلاع الحرب في منطقة الخليج. لعل أهم مرتكزات النهج السياسي المطلوب ثلاثة:إعلان إيران عزمها علي عدم المساس بحقول النفط وتجهيزاتها في بلدان الخليج في سياق إستراتيجيتها الرامية، عند إندلاع الحرب الأمريكيـة عليها، الي وقف تدفق النفط بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل خطوط نقله البحرية. إستجابة البلدان المنتجة للنفط، لاسيما السعودية، للموقف الإيراني الإيجابي بإعلان تعهدها بالوقف الفوري لإنتاج النفط وتصديره إلي الدولة البادئة بالعدوان وحليفاتها، سواء إستندت في إستعمال القوة إلي قرار من مجلس الأمن الدولي أو من دونه.عقد قمة لرؤساء دول منظمة المؤتمر الإسلامي لإعلان موقف صارم ضد إستعمال القوة من طرف أية دولة عضو في الأمم المتحدة ضد أية دولة عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي والتهديد بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية معها في حال تجاهلها هذا الإعلان واللجوء إلي إستعمال القوة.إن من شأن إقرار هذا النهج السياسي غير التقليدي والفاعل تعبئة الشعوب الإسلامية وقوي المقاومة فيها علي مدي العالم الإسلامي كله، بل علي مدي العالم الأوسع، فلا تعود الولايات المتحدة ولا المجتمع الدولي قادرين علي ركوب متن مغامرة خطيرة ومكلفة، تتضرر منها البشرية برمتها وتقذف بكوكبنا إلي مهاوي المجهول.9