بوابة الاغتيال: أمريكا في العراق
حرب العراق بدأت أولاً كحرب أفكار وايديولوجيا قادها منظرون مهتمون أرادوا فحص فاعلية أفكارهممنظرون هاربون من اليسار المتطرف عاشوا حرب فيتنام ولم يقاتلوا فيها.. مؤيدون لليكود وأمن اسرائيلبوابة الاغتيال: أمريكا في العراقعرض وتقديم: ابراهيم درويش ـمن بين الكتب الكثيرة التي صدرت عن العراق منذ احتلاله في 9 نيسان (ابريل) يظل كتاب جورج باكر، مراسل مجلة نيويوكر من احسن الكتب التي تصدت للبحث عن جذور التفكير الامريكي لضرب العراق، حيث يقدم الايديولوجيا والحماس الذي وصل حد الهوس عند بعض منظري اليمين للتخلص من نظام صدام حسين. ويجمع الكاتب هنا اطرافا من تقاريره عن العراق بعد الاحتلال، حيث يرصد حجم التغييرات والتردي الذي اصاب المشروع الامريكي في العراق، من غياب الخطة، وتصاعد المقاومة وانحدار العراق نحو هاوية الحرب الاهلية. ويلاحق باكر احد المنظرين العراقيين لحرب العراق، كنعان مكية، او سمير الخليل، حيث يضع طموحاته كمثقف عاش معظم حياته خارج العراق والواقع المر، المليء بالتناقضات، والتحارب السياسي، وهذه القراءة تركز فقط علي الفصول الاولي من كتابه.في الفترة ما بين حرب الخليج عام 1991 وحتي هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 لم يكن العراق في داخل الوعي العام والسياسي الامريكي، كانت مراكز البحث مشغولة في معركة اخري، تحديد مركز امريكا ووجهتها في العالم، فغزو العراق بدأ كحرب افكار، ومن اجل فهم الداعي الذي ادي بامريكا لغزو العراق لا بد من فهم الايديولوجية والافكار التي اسست للغزو ـ انها عقيدة المحافظين الجدد. وتعود جذور هذه العقيدة الي الثمانينات وافكار المنظر والفيلسوف ليفي شتراوس ولكن تحديد وجهة امريكا نحو العراق جاءت عندما نشرت نيويورك تايمز في عام 1992 مقتطفات من وثيقة سربها احد المسؤولين في ادارة جورج بوش الاب، وحملت الوثيقة التي جاءت في 46 صفحة دليل خطة الدفاع وهي الوثيقة التي حددت استراتيجية امريكا السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. الشخصان اللذان اعدا الوثيقة هما زلماي خليل زاد (سفير امريكا في العراق) وابرام شولسكي. الشخص الذي طلب اعداد الوثيقة هو ديك تشيني، وزير الدفاع في ادارة بوش الاب ونائب جورج بوش الابن، واشرف عليها بول وولفويتز. واكدت الوثيقة علي اهمية منع قيام اي منافس للهيمنة الامريكية، والطريقة الوحيدة للحفاظ علي دور امريكا في العالم هي الابقاء علي معدلات الانفاق في اعلي درجاتها. وتحدثت الوثيقة علي اهمية بقاء امريكا الدولة العظمي الوحيدة في العالم من اجل امنها وامن العالم. الوثيقة اختفت في عهد الادارة الامريكية بزعامة بيل كلينتون مع ان العناصر الداعية للهيمنة الامريكية، الحروب الاستباقية وبناء التحالفات الدولية طويلة المدي، والحديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان ستشكل ملامح ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، مما سيعرف لاحقا عقيدة جورج بوش . في عهد كلينتون عاد الجمهوريون الي خنادقهم، واصبحت تعبيرات حقوق الانسان والحرية مصطلحات تمت الي زمن اخر، الاتجاه نحو العزلة هو ما طبع عقيدة الجمهوريين، حيث رأوا ان ما تقوم به الانظمة الديكتاتورية في بلادها وضمن حدودها شأن داخلي لا علاقة لامريكا به. التخندق الامريكي اعاد الي الاذهان عزلة امريكا قبل هجمات اليابان علي بيل هاربر. ولكن وبعيدا عن الانظار وعن التيار الرسمي للسياسة الامريكية كانت خطوط وملامح تيار جديد تتبلور، انه التيار الذي عرف باسم المحافظين الجدد. وحرب العراق ارتبطت في كل ملامحها وتشكلها الفكري بالعقيدة التي عبر عنها هذا الفريق. فكر المحافظين الجدد موجود في السياق الامريكي منذ الستينات، وهو يرتبط بمجموعة من المثقفين الليبراليين الذين جاء معظهم من اليسار الامريكي في الثلاثينات، احداث فيتنام، صعود القوة السوداء وجماعات الحقوق المدنية، وانتفاضات الطلاب في فرنسا. الجيل الاول من المحافظين الجدد من امثال السيناتور هنري سكوب جاكسون، ونورمان بودهوريتز وايرفينغ كريستول ودانيال باتريك مونيهان كانوا قلقين من خطر الشيوعية، وفي اتجاه اخر كانوا حالمين ومثاليين بدور امريكا كقوة للخيرـ فهزيمة امريكا في فيتنام لم تعلمهم ان قوة امريكا لها حدود، علي العكس، قالوا ان امريكا تلكأت عن دورها وفي كل مرة تتخلي عن دورها فانها تشجع الاتحاد السوفييتي السابق، وراقب هذا الجيل بخوف، خروج امريكا المهين من فيتنام، الثورة الاسلامية في ايران، الاجتياح السوفييتي لافغانستان. عبر هذا الجيل عن مخاوفه من تراجع امريكا ودورها في العالم عبر صفحات مجلة كومنتري حيث لاحظوا ان امريكا اصبحت ضعيفة، والواقعية في السياسة الخارجية والتعايش مع الاتحاد السوفييتي هي صورة عن الانهزامية وليس الواقعية. ومنذ بداية الثمانينات بدأ روبرت كاغان، المحاضر في التاريخ اليوناني في جامعة ييل، بنشر مقالات في المجلة المحافظة هذه، حيث اخذ يوجه مقالاته للحزب الجمهوري الذي يري انه عاد لسباته وعزلته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقبل هذه كان جنديا في ثورة ريغان.لم يكن هذا الجيل داعما لسياسات جيمي كارتر الذي وضع حقوق الانسان في قلب اهتمامات سياساته الخارجية حيث رأوا انها تؤثر علي انظمة تخدم مصالح امريكا ضد العدو الاكبر الشيوعية، مثل نيكاراغوا وجنوب افريقيا وايران. في عام 1979 نشرت جين كيركباتريك مقالا في مجلة كومنتري بعنوان الديكتاتورية والمعايير المزدوجة الذي انتقدت فيه سياسة كارتر مناقشة ان اصدقاءنا ربما كانوا سيئيين لكن اعداءنا اسوأ، المقال لفت اليه انتباه الرئيس ريغان وامن لها موقعا كسفيرة لواشنطن في الامم المتحدة. اول امتحان لافكار المحافظين الجدد كانت عندما انتخب ريغان للرئاسة حيث اظهرت نتائج الانتخابات ان الافكار قد تقود الي السلطة. اعطي ريغان الذي كان يحب التعامل مع الافكار البسيطة وفي داخله فكرة التفاؤل الامريكي وجها باسما لافكار تدعو للمواجهة، فقد قال ريغان ان امريكا هي من اجل الخير العام.جورج باكر يقدم في الفصل الاول من بوابة الاغتيال عرضا شاملا لتطور فكر اليمين الجديد او المحافظين الجدد، منذ ان كانوا علي هامش الادارات الامريكية ويبشرون بنموذجهم في مجلة كومنتري المعروفة بنبرتها الصهيونية العالية. ومع ان ما كتب عن هذا التيار في التفكير السياسي الامريكي كثير، الا ان عرض باكر يحاول ربط فكر الجماعة او العصابة التي تسنمت الامور في عهد بوش الاب بالحرب علي العراق، فهذا البلد الذي لم يكن في تفكير المحافظين الجدد اصبح مركز تفكيرهم باعتباره الميدان الذي يمكن من خلاله فحص منظومتهم الفكرية. واللافت للانتباه ان هذه العصابة مترابطة فيما بينها، عبر الصداقات، الزيجات، الدراسة الجامعية، وفوق هذا جاءت من خلفيات يسارية بعضها تروتسكية متشددة، واكثر من هذا فهي مجموعة من الحالمين تبحث عن دور امريكا في العالم. ويوضح باكر في تحليل سلس التحول الذي طرأ علي فكر الجماعة التي لم تكن في الماضي تبشر بحقوق الانسان او الديمقراطية، ففي حرب الخليج الاولي يقول الكاتب ان تشيني الذي كان وزيرا للدفاع رفض دعوات بعض من دعاة هذه العصابة لكي يتقدم نحو بغداد وتغيير النظام فيها، فكان رده ان السعوديين سيعترضون علي هذا الامر وان اهداف العملية قد تحققت وهي اخراج صدام من العراق. وينقل الكاتب عن ريتشارد بيرل احد اعضاء المجموعة قوله ان بول وولفويتز كان من الداعين لانهاء صدام ولهذا السبب كان العراق مركزيا في تفكير وحياة وولفويتز السياسية، فهذا الذي ينتمي الي عائلة علمية، والده كان محاضرا في علم الرياضيات واحد الذين فروا من معسكرات الاعتقال في بولندا معروف عنه انه ينحني للعاصفة في الوقت المناسب، ويصف باكر مناخ العائلة التي ولد فيها وولفويتز في اوريل بالجدية في الاخلاق والطموح العلمي والالتزام بالفكر الليبرالي. ولكن وولفويتز الذي درس في جامعة كورنيل، انجذب لحلقة ألان بلوم، والاخير كان موضوع رواية اليهودي الامريكي سول بيلو رافلستاين (2000) وظهر بول وولفويتز في الرواية ولكن بشكل عابر، وقد وجد وولفويتز الشاب الطالب في حلقات بلوم خاصة التي كانت تعقد في اخر الليل جديدا وعمقا اجاب علي الكثير من الاسئلة الكبري عن حياة وهدف الانسان في الحياة، ومع ذلك ظل بعيدا عن الانخراط وبعمق في حلقة المفكر هذا، ويلاحظ هنا ان وولفويتز وطوال حياته العملية كان يعرف كيف يتعامل مع المؤثرين ومعروف بلباقته ودبلوماسيته فهو كان يمكن ان يكون تابعا لهم ولكن من دون ان يشكل اي تهديد عليهم. وما يجمع وولفويتز واعضاء العصابة انهم لم يخدموا في الجيش، بعضهم تهرب او حاول البحث عن اعذار وبعضهم اعتذر صراحة مثل جون بولتون، سفير بوش الان في الامم المتحدة الذي قال علي الاعتراف بأنني لم اكن ارغب بالموت في حقل الارز في جنوب شرق اسيا . اما ديك تشيني فقد قال كان لدي اهتمامات اكثر اهمية في الستينات من الحرب في فيتنام . ما يطبع تفكير وولفويتز في الشأن العراقي، حيث اصبح فيما بعد احد اهم مهندسي الغزو انه كان يعود الي موضوع المهمة التي لم تكمل في العراق، حتي بعد هزيمة جورج بوش الاب وصعود بيل كلينتون وبعد ان اصبح وولفويتز خارج الادارة الامريكية، ورئيسا لجامعة جون هوبكنز. وفي احدي الجلسات ناقض وزير الخارجية جيمس بيكر، الذي برر عدم انهاء المهمة بمعارضة السعوديين، حيث قال ان هذا كلام لا قيمة له كنت في تلك الرحلة مع ديك تشيني وهذا هراء ، وكان يري ان امريكا ضيعت فرصة ذهبية في اثناء حرب الخليج الاولي لمساعدة العراقيين علي تحرير انفسهم. وهنا مفتاح شخصية بول وولفويتز الذي يتراجع عن موقفه في اللحظة المناسبة فهو كان راغبا بالتخلص من صدام حسين ولكنه تقبل المنطق الامريكي في ذلك الوقت الذي ناقش ضد الفكرة. كان وولفويتز عضوا في السبعينات من القرن الماضي في فريق (ب) الذي انشأه جورج بوش الاب عندما كان مديرا للمخابرات الامريكية سي اي ايه كما ان دليل التخطيط الدفاعي الذي اعده زلماي خليل زاد عام 1992 تم تحت اشرافه. وولفويتز وهندسة الحربيري جورج باكر ان وولفويتز رغم ايمانه بضرورة الاطاحة بنظام صدام حسين الا انه لم يكن يعرف كيف؟الاجابة جاءت من أحد المنظرين الذين دعوا للاطاحة بصدام وأحد المرتبطين بفكر الليكود الاسرائيلي ريتشارد بيرل، ولعب بيرل دورا في اعداد وثيقة القرن الامريكي الجديد عام 1997، وكان احد الموقعين علي الرسالة التي قدمها المحافظون الجدد لادارة كلينتون والتي دعت الي الاطاحة بصدام حسين، وكانت احد العوامل التي ساعدت في توقيع كلينتون عام 1998 علي قانون تحرير العراق الذي اقره الكونغرس.. وجد بيرل ان احسن طريقة للتخلص من صدام هي دعم احمد الجلبي، ووضعه علي رأس مسلحين تدعمهم امريكا بالمال والعتاد. وظهر هذا الحل من خلال جلسة نقاش ضمت ثمانية من المؤيدين المتحمسين لليكود بمن فيهم دوغلاس فيث، الذي تسلم ملف التخطيط في العراق بعد الحرب في وزارة الدفاع الامريكية، وديفيد وورزمر، معد الورقة، ويقول باكر ان بيرل كان من الموقعين عليها مع انه لم يكلف خاطره بقراءتها الورقة معروفة فصل واضح: استراتيجية جديدة لتأمين المجال وقدمت الي بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي في حينه، ناقشت المجموعة ان اي تغيير في العراق سيكون في صالح اسرائيل، وحلمت الورقة باعادة العرش الهاشمي علي العراق. وورزمر كاتب الورقة بالتحديد كان يري ان الاطاحة بصدام حسين ستحرك كل الملفات وقد ناقش هذه النظرية في كتابه الصادر عن مركز البحث اليميني امريكان انتربرايز حليف الطغيان: فشل امريكا في هزيمة صدام حسين والذي ناقش فيه ان الاطاحة بصدام حسين سيؤدي الي زعزعة استقرار سورية، وعزل حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله، وتعيد تشكيل الشرق الاوسط. ويصف باكر الكتاب الذي شمل علي شكر لبيرل ولويس سكوتر ليبي واحمد الجلبي بقوله انه كتاب يكشف عن رؤية اليمين ويتسم بالغرابة. يتحدث باكر عن هذه المجموعة التي ارتبطت بالليكود الاسرائيلي، ومعظم افرادها من اليهود الامريكيين قائلا انها كانت في مجموعها تدعو لاعادة تشكيل الشرق الاوسط، ولكن طروحاتهم تشبه طروحات طلاب المرحلة الجامعية الاولي الذين يحاولون بحماس تطبيق اصول النظرية التي تعلموها من اساتذتهم، فهو اي هذا الجيل من المحافظين كانوا يشكون في الحداثة لانها اعطتنا الانظمة الشمولية، وورزمر مثلا كان يدعو الي اعادة العراق لما اسماه التقاليد الشيعية التي لم يكن يعرف عنها اي شيء. ويقول باكر انه قبل الحرب باسابيع كان عدد من مسؤولي اليمين المحافظ يتحدثون في وزارة الخارجية الامريكية ان اسرائيل ستقوم بضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين الي الاردن، وعودة العرش الهاشمي للعراق، في هذه الفترة كان معظم اعضاء الفريق في البيت الابيض. وهنا يتساءل الكاتب هل قام هذا الفريق المؤيد لليكود بالوصول الي اعلي المراكز في البيت الابيض والسيطرة علي السياسة الخارجية لخدمة اهداف اسرائيل، وهل المحافظون الجدد تعني يهود ، ويجيب هنا قائلا انه بالنسبة لفيث وورزمر فان امن اسرائيل اولوية تتقدم علي كل الاولويات اما بالنسبة لوولفويتز وغيره فالعراق يعني الديكتاتورية العربية، اسلحة الدمار، ضعف امريكا. وينقل باكر هنا عن احد الصحافيين الاسرائيليين، افي شافيت الذي قال ان اليهود دائما ما ينجذبون للافكار وفكرة اعادة تشكيل الشرق الاوسط والاطاحة بصدام حسين، اقترحتها اولا مجموعة من المثقفين اليهود وصناع السياسة المقربين من الليكود وفي فترة ما بعد هجمات ايلول (سبتمبر) عندما بحث جورج بوش عن فكرة للتصدي لهذه المرحلة الجديدة وجد واحدة جاهزة.هل احتاج بوش الي كبش فداء للانتقام من هجمات ايلول (سبتمبر) 2001؟ كان علي بوش ان يضرب ايران او القاعدة. حرب العراق كما يقول جورج باكر بدأت بالعديد من الاهتمامات، وخداع للنفس قاد الي عقم شديد. ما اعجبني كثيرا في هذا الكتاب هو الفصل الاول عقول تعاني من الحمي حيث يقدم لنا باكر ملامح العصابة التي قادت وخططت لضرب العراق، ديك تشيني ودونالد رامسفيلد البيروقراطيان المؤثران وبول وولفويتز المثقف الرئيسي في مرحلة ما بعد ايلول (سبتمبر)، وقد خدع هذا المثقف كل شخص، ولم يبق من المطبلين له الا كريستوفر هيتشينز، اليساري السابق الذي انضم للعصابة. لقد آمنت هذه العصابة بانها تستطيع تغيير الشرق الاوسط من خلال فوهة البندقية. وما يخرج القارئ من الكتاب ان امريكا قامت بفتح صندوق المتاعب في العراق، واسست لولادة دولة ارهابية زعمت انها جاءت للتصدي لها، وبذرت بذور العنف الطائفي والعرقي في البلاد، واعطي الرئيس الامريكي الفرصة لزعيم القاعدة اسامة بن لادن لكي يصبح رمزا عالميا وفتح له جبهة قتال جديدة في العراق. يوضح باكر التخبط الامريكي في العراق وغياب الخطة منذ اللحظة الاولي لدرجة ان احد شيوخ القبائل عندما قال له هل جاء الامريكيون للزيارة ام للبحث عن الطاقة؟ ينظر باكر الي الوضع بشكل عار، حيث يتحدث عن امكانية وقوع الحرب الاهلية، وهو يعتقد ان شروط الحرب الاهلية موجودة في التاريخ العراقي الحديث منذ ان قرر البريطانيون مع القوي العظمي انشاء العراق الحديث. بول وولفويتز سيصبح في مرحلة ما بعد هجمات ايلول (سبتمبر) المنظر الذي سيعمل علي اخراج المهمة من حيز الوجود، ويرصد الكاتب هنا تحولات الرئيس بوش، الذي اصبح تدريجيا يعبر عن فكر المحافظين الجدد، وصارت جريدتهم ويكلي ستاندرد وسيلته الاعلامية المفضلة. في الوقت الذي كان فيه وولفويتز، ناشطا في عملية انجاز المهمة التي لم ينجزها جورج بوش الاب، كان الابن يحاول الخروج من عقدة اوديب والانجذاب تدريجيا لاغراء ضرب العراق، وفي احدي الجلسات كان وولفويتز يناقش ضرورة التخلص من صدام فأوقفه بوش قائلا: اولا افغانستان وبعدها العراق. وهنا يشير باكر الي ان الفترة ما بين ضرب افغانستان والعراق، عام ونصف تقريبا كانت حبلي بالافكار والنقاشات والاحاديث، حيث ظلت الشائعات تتردد، كما تتردد الان في الملف الايراني، وفي احدي اجتماعات كوندوليزا رايس التي كانت مسؤولة الامن القومي، مع ريتشارد هاس الذي اعد وثيقة مسؤول مكتب التخطيط في وزارة الخارجية، حيث كان يحاول وولفويتز اقناعه بفكرة ضرب صدام وعندها تدخلت رايس قائلة احبس انفاسك، لقد اتخذ الرئيس قراره بشأن ضرب العراق، وكان تعليق هاس هذا خبر جديد اي انه لم يكن يعرف به. ويشير باكر الي مناسبة اخري، كيف دخل بوش بدون ترتيب علي اجتماع لمجلس الامن القومي، وقال بصوت عال دعنا نطيح بابن الحرام صدام . العام الذي سبق الحرب كان مليئا بالاحاديث والنقاشات حول العراق، سيضرب ام لا يضرب، ويبدو ان اعضاء ادارة بوش شاركوا الحلم والرؤية التي يدعو اليها مثقفو الحرب، الذين يلاحظ ان معظمهم جاؤوا من اليسار، خاصة المرتد اليساري هيتتشنس الذي تعامل مع جماعة احمد الجلبي وكأنها حركة اشتراكية ثورية، وكان يتطلع لاندلاع الحرب لاعادة امجاد الشباب في ستينات القرن الماضي، وذلك بعد ان تخلي عن رفيقيه، ادوارد سعيد، ونعوم تشومسكي، وتوقف عن كتابة عموده في مجلة نيشين ، واصبح من المطبلين والمزمرين في جوقة الرئيس جورج بوش. يتساءل باكر عن السبب الذي حدا بامريكا إلي ضرب العراق، فهذا البلد لم يكن علي الاجندة بعد حرب الخليج، ومع انه لا توجد اجابة واضحة عن الدافع او سبب الحرب ، الا ان هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 كان العامل الذي دفع بان يخرج ملف العراق من ملفات المحافظين الجدد، ودورياتهم ومجلاتهم التي لا يقرأها الا عدد قليل منهم، ولهذا اصبح وولفويتز، المثقف الاول الذي حمل فكرة ضرب العراق، ومنح الكثير من الاوقات علي شبكات التلفزة لكي يدافع عن فكرة ضرب العراق، اكثر من وزير الخارجية السابق كولن باول. ما يميز هذا الجيل من المثقفين انهم خدموا في اكثر من ادارة، وعاشوا حرب فيتنام وكانوا يحملون في داخلهم خوفا من الضعف الامريكي ، ومن هنا بدأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بالتفكير بطرق لادامة قوة امريكا. ويبدو ان هجمات القاعدة علي التراب الامريكي كانت بمثابة الحافز الذي اعطي هذه العصابة مبررها لضرب العراق واعادة تشكيل صورة الشرق الاوسط. ويشير باكر الي ان ديك تشيني، الذي يظل من اكثر الشخصيات الملغزة في هذه المجموعة وبشكل اقل دونالد رامسفيلد، تشي تصريحاته بنوع من الارتياح بظهور عدو كبير لامريكا علي قاعدة تشبه المعسكر الشيوعي سابقا، اي القاعدة. وفي تحليله لشخصية ديك تشيني، يقول انه لا يتكلم كثيرا في الاجتماعات، ويحب الاستماع، ولكنه يظل ضمير بوش، وله حضور واضح في الاجتماعات، في فترة ما بعد الهجمات بدأ يدعو الاكاديميين والمثقفين المتخصصين بشؤون الشرق الاوسط الي مكتبه للاستماع لنقاشاتهم وآرائهم، كان من بينهم فؤاد عجمي، وبرنارد لويس. عجمي كان يؤمن ان العرب لن يخرجوا من تخلفهم بدون تدخل اجنبي، وهم يحتاجون كما يقول الي هزة ، وضرب العراق سيكون بمثابة الحافز. وكتب عام 2003 قائلا ان الدافع الاكبر للمغامرة الامريكية في العراق والدول العربية المجاورة يجب ان يكون من اجل تحديث العالم العربي .مكية المنزوع عن الواقعفي فصل عن المنفيين العراقيين يلاحق الكاتب التحولات في حياة احد الذين دفعوا باتجاه التدخل الامريكي في العراق وهو كنعان مكية، الذي جاء كغيره من اليسار، ويشير الي انه كان عضوا في احدي المنظمات الفلسطينية، قبل ان يغير افكاره باتجاه رؤية اكثر انسانية تركز علي نشر الديمقراطية وحقوق الانسان. ويشير الي كتابي مكية جمهورية الخوف و القسوة والصمت اللذين يتحدثان عن وضع العراق في ظل قمع صدام، حيث اشتهر كتابه الاول بعد حرب الخليج الاولي، وبدأ مكية يظهر مع ظهور وصعود اليمين المحافظ، وهو يقول هنا ان مكية في تحولاته اصبح يري ان تغيير العالم العربي، لا يتركز بحل قضية فلسطين، فلم يعد لفلسطين اي ضرورة اخلاقية، بالكفاح او بالسلم ويجب التركيز علي حقوق الانسان والديمقراطية. مكية بدأ في بداية عام 2000 بزيارات متكررة للاعضاء المدنيين في البنتاغون، حيث التقي وولفويتز، وديك تشيني نفسه، والذي سيستخدم بعضا من المعلومات التي ناقشها مع مكية لتبرير ضرب العراق، وقابل مكية ايضا كوندوليزا رايس، ولاحقا بوش. مكية وجد نفسه في نفس الفراش مع احمد الجلبي، الذي لم يثر ماضيه ادني قلق له. وكان الجلبي قد وصل الي الابواب المغلقة في البنتاغون عبر ريتشارد بيرل، الذي قدمه لعدد من المسؤولين في البنتاغون، واعضاء في اليمين المحافظ، كما قدم الي مستمعين يهود في المعهد اليهودي لشؤون الامن القومي، حيث قال عام 1997 ان الاطاحة بصدام حسين ستؤدي لولادة نظام ديمقراطي سيصبح صديقا لاسرائيل. يصور باكر، طموحات مكية الذي لم يكن مهتما اكثر من اهتمامه بمشروع الديمقراطية بالرجل المثالي الذي لا يعرف شيئا عن الواقع، فهو لم يطأ العراق منذ ثلاثة عقود، فهو كغيره من الذين عاشوا في خارج العراق سيكتشف واقعا مختلفا عن الواقع الذي تخيلوه، وسيظل بالنسبة للعراقيين الذين عاشوا سنوات صدام خارجا، لم يعان ما عانوه، وسيكتشف بأم عينيه خطأ ما كان يفكر به، حيث كتب لاحقا يقول كل يوم خلال الاسابيع الخمسة الماضية، تعرفت علي الدمار، وجراح الناس، ناس يتنفسون الطائفية والقومية دون ان يعرفوا ذلك، والناس الشوفينيين.. هذه حقائق حياة للجيل القادم في هذا البلد المسكين.. لا تفكر بالعودة اليه بعد التحرير اذا لم تكن مهيأ لهذا . ولكن مكية سيقول قبل ذلك ان اصوات القنابل وهي تسقط علي بغداد هي مثل الموسيقي.. بعد ثلاثة اسابيع في 9 نيسان (ابريل) 2003 جلس مع الرئيس بوش في البيت الابيض وشاهد تمثال صدام يسقط علي الارض في ساحة الفردوس.. وبكي.. ولكن بعد ذلك بدأت المشاكل . مكية سيكتشف خداع الحلم علي الواقع، والامريكيون الذي وجدوا انفسهم في العراق سيواجهون مقاومة حادة، وشيئا فشيئا سيكتشف جورج باكر انه لم يعد بالامكان السير في شوارع بغداد او زيارة بيوت عراقيين يعرفهم او التحرك من مكان لآخر، حتي الفندق الذي تمترس به الصحافيون لم يعد مانعا لهم من القنابل والتفجيرات. يكتب باكر عن اخطاء الخطة، عن سوء تقدير الامريكيين، وعن البعد الايديولوجي في علاقات المسؤولين عن التخطيط لحرب العراق مع هذا الطرف العراقي او ذاك، ويشير الي ان المسؤولين في البنتاغون كانوا مدفوعين بحس اعادة تصحيح التاريخ، ولكن العراق الذي ولد من خلال اخطاء الحلفاء بعد الحرب العالمية الاولي، سيقع في نفس الاخطاء، هنا في هذا السياق يشير الي ان ادارة بوش حاولت محاباة الشيعة والاكراد وتهميش السنة، بسبب ما رأته الظلم التاريخي الذي وقع عليهم، بل ذهب بعض المسؤولين الي المقاربة بين الشيعة كأقلية واليهود واضطهادهم التاريخي. تحليل باكر، وتقاريره الصحافية تكشف عن وجه آخر للعراق، عراق، تتنازعه القوي العسكرية والطائفية والنزعات الشوفينية، خاصة من اجيال لا تري في عروبة العراق اطارا حاميا، كما تحدث احد الاكراد الذين رافقهم باكر مع مكية في رحلة عبر الشمال عندما اشار الي احتفالات النوروز، التي قال انها تعود للديانة الفارسية القديمة والتي انتهت مع مجيء الاسلام، ويتمني هذا الكردي لو لم يحضر الاسلام لهذه البقاع. يختم باكر كتابه بحوار مع مكية الذي لا يزال منشغلا بتوثيق فترة صدام، والذي لم يتخل عن فكرة اجثتاث البعث او حل الجيش العراقي، مع انه انتقد بعض التطبيقات، ويقول ان احمد الجلبي وصفه قائلا بانه يجسد انتصار الامل علي التجربة، ولكن اين الامل في العراق الجديد الذي لم يعد عراقا الا علي الخارطة، واصبح كانتونات ودول طوائف وحرابات. بقي ان نقول ان عنوان الكتاب بوابة الاغتيال يشير الي بوابة احد قصور صدام الذي احتله الامريكيون، وحوله كان يقف عراقيون باحثون عن عمل مع قوات الاحتلال قبل ان يتردي الوضع الامني، ويقول الكاتب ان اسم بوابة الاغتيال لصق بالامريكيين ولكن الطريق الي البوابة كان طويلا، فقصة الحرب في العراق هي عن دور امريكا في العالم، والافراد الذين فكروا فيها…عنوان الكتابThe Aains’ Gate America in IraqGeorge Packer, Faber & Faber, London/20067