هل تعيش تركيا مأزقا كرديا؟
زيور العمرهل تعيش تركيا مأزقا كرديا؟ يبدو جلياً، مع تصاعد الاحتجاجات الكردية في تركيا وما يسفر عنها، يومياً، من سقوط ضحايا في صفوف الكرد الساخطين، أن الساسة الأتراك لم يفهموا بعد، كما يبدو من تطورات الحدث الراهن في تركيا، حقيقة المسألة الكردية وخطورة الوضع الراهن علي مستقبل تركيا في المدي المنظور.بل أن أكثر ما يثير الاستغراب من موقف المؤسسة السياسية والعسكرية، علي السواء، في تركيا، هو عدم اداركهما لواقع الصراع المرير بين الكرد، وكافة النظم والتشكيلات التي حكمت تركيا سواء ابان الحكم العثماني أو بعد تأسيس الجمهورية التركية الي حد الوقت الراهن. الصراع الذي كلف ثمنه أرواح الالاف من الضحايا ـ معظمهم من الكرد ـ واستنزف من ميزانية الدولة التركية المليارات من الدولارات في دعم المجهود العسكري ضد الانتفاضات والحركات القومية الكردية التي اندلعت وتشكلت علي امتداده. والأنكي من كل هذا وذاك هو، أن الساسة الأتراك لا يقرون بأن، كل محاولات محو القضية الكردية من الوجود، من منطلق عنصري وقومي، باءت بالفشل الذريع، وتحطمت علي صخرة المقاومة البطولية التي جسدها الكرد، علي امتداد عصور التاريخ.كنت دأئماً أقول، ان بقاء الشعب الكردي علي مسرح التاريخ وحفاظه علي مقومات وجوده واستمراره، في منطقة تعرضت الي أبشع وأشرس عمليات الازاحة الاثنية والعرقية، سببه يعود الي قدرتهم علي تنمية غريزة المقاومة والحفاظ علي الذات القومية، بالرغم من كل سياسات وممارسات التنكيل التي تعرضوا لها علي أيدي الشعوب الأخري. فكلما واجه الشعب الكردي مخطط ما يستهدف وجوده ومقوماته، انتفض في وجه أعدائه، مسطراً ملاحم بطولية من الشجاعة والتفاني، استحق عليها، اعجاب كتاب التاريخ. و لعل من المفيد، في هذا السياق، التذكير بسياسة الكيل بمكيالين، والتي تجد صداها في سياسات وممارسات الحكومة التركية. فمن جهة، يصرح رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، بضرورة حل المسألة الكردية بشكل ديمقراطي، في حين أن اجراءات الدولة التركية، والحديث عن قانون مكافحة ارهاب حزب العمال الكردستاني، يؤكد من جهة أخري علي استمرار النظام التركي في معالجة المسألة الكردية من منطلق أمني محض. فحزب العمال الكردستاني، وان اختلف العديد من المتابعين مع سياساته، يشكل الحركة السياسية والعسكرية الرئيسية في المجتمع الكردي في تركيا، وقاد صراعاً دامياً مع قوات الأمن والجيش التركيين علي امتداد عقدين من الزمن، من أجل اقامة دولة كردية مستقلة للشعب الكردستاني في جنوب شرق تركيا . فضلاً عن أن حزب العمال نفسه، لم يتنصل في مسيرة صراعه مع الدولة التركية، من سبل حل المسألة الكردية عبر الحوار والتفاوض السلمي، وأعلن في سبيل توفير فرص نجاح حل المسألة سلمياً، وقف واطلاق النار من طرف واحد، ولعدة مرات. ولكن الدولة التركية رفضت كل العروض، وافشلت كل المساعي السلمية، وما تزال تتعامل بمنطق العصا مع الشعب الكردي، الذي تجلي في ممارسات قوات الأمن التركية مع الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت كافة المناطق الكردية في تركيا، من خلال ممارسة العنف ضد المواطنين الكرد، الأمر الذي أسفر عن سقوط العديد من القتلي والجرحي واعتقال المئات. لهذا، ليس من قبيل المبالغة في شيء، أن نشير الي أن النظام التركي يواجه مأزقاً حقيقياً في التعامل مع المسألة الكردية، من زاوية تنصلها وتجاهلها لجوهر القضية. فتركيا التي فعلت المستحيل من أجل قبول أوروبا ببدء المفاوضات معها للانضمام الي الاتحاد الأوروبي، ستواجه، من الآن، فصاعداً، تشديداً اوروبيا، غير مسبوق، في مسألة تعاملها مع الشعب الكردي وحقوقه القومية والثقافية المشروعة، وفق القوانين الدولية، ومعايير كوبنهاغن، وستجد نفسها، علاوة علي ذلك، في مواجهة العديد من المطالب الأوروبية ذات الصلة، بالحريات العامة وحقوق الأقليات، في التعبير عن نفسها، ثقافياً وحضارياً. تركيا التي وقفت ضد المشروع الأمريكي في العراق، ومنعت استخدام أراضيها، لدخول القوات الأمريكية والبريطانية الي العراق، سوف تجد نفسها ، من جهة أخري، معرضة أكثر لاستغلال ملفاتها الداخلية، ولعل تغاضي الادارة الأمريكية في العراق عن تواجد قوات حزب العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراق، بمحاذاة الحدود التركية، ما هو الا دليل علي تبعات ونتائج الرفض التركي لسياسة القوة الأعظم في العالم. وعليه، فان من واجب النظام التركي، الذي يضطهد الكرد، ويهضم حقوقهم، أن يتعظ من عبر التاريخ ومدلولاته، من خلال فتح صفحة جديدة في ماهية وكيفية التعامل مع المسألة الكردية. فحل القضية، اليوم، عبر الحوار والتفاوض السلمي مع ممثلي الشعب الكردستاني في تركيا، للوصول الي صيغة شراكة عادلة، تضمن الاعتراف بالهوية القومية الكردية، وتقر بحق الكرد في ممارسة تمايزهم القومي والثقافي في اطار الدولة الواحدة التي تجمع كل مكونات المجتمع التركي، انما يشكل السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة، والانطلاق الي مرحلة من الاستقرار والأمن في تركيا.ہ كاتب كردي من سورية8