المراهنة علي المحتل في العراق خاسرة لا محالة

حجم الخط
0

المراهنة علي المحتل في العراق خاسرة لا محالة

د. بشير موسي نافعالمراهنة علي المحتل في العراق خاسرة لا محالةبين يوم وآخر، ترتفع وتيرة الأصوات الشيعية المنددة بالسياسة الأمريكية والسفير الأمريكي في العراق، زلماي خليل زاد. بل أن زاد اتهم علناً بالطائفية، في إشارة إلي أصوله الأفغانية السنية. وقد تناسي من وجهوا اتهاماتهم للسفير الأمريكي ان زاد، الذي ارتبط دائماً بدوائر المحافظين الجدد في واشنطن، كان الحليف الأوثق للقوي الشيعية قبل الغزو الأمريكي للعراق، وأنه لعب الدور الأهم في مؤتمر لندن الذي أسس للتحالف بين مجموعات المعارضة العراقية في المنفي (آنذاك) والإدارة الأمريكية. ولكن هذا الانقلاب، الجزئي علي الأقل، في المناخ السياسي السائد في المنطقة الخضراء يستحق بالفعل الانتباه، فبعد ثلاث سنوات فقط من الاحتلال، يبدو ان كثيراً من التحالفات التي أريد لعراق ما بعد الغزو ان يقوم عليها في طريقها للانهيار. وربما كانت الطريقة المهينة التي تعامل بها الأمريكيون مع أحمد الجلبي، أقدم وأقرب حلفائهم العراقيين، نموذجاً مصغراً لما يمكن أن تؤول إليه العلاقة مع حلفاء آخرين عندما تفترق المصالح والسياسات. علي أن ما يشهده العراق علي صعيد علاقات الاحتلال بحلفائه ليس أكثر من درس متكرر في تاريخ الأنظمة الاستعمارية.الأمريكيون، وبدرجة ثانية شركاؤهم البريطانيون، هم السلطة الفعلية في النظام العراقي الجديد. لا ادعاءات الاستقلال الصوري، ولا كتابة الدستور وتمريره علي هذا النحو أو ذاك، ولا عقد انتخابات برلمانية، أمور تغير من هذه الحقيقة. ومنذ شهور علي الأقل، لم يخف الأمريكيون امتعاضهم من رئيس الوزراء المؤقت إبراهيم الجعفري وعدم رضائهم عن أدائه وأداء حكومته. الأسباب الرئيسية خلف هذا الموقف لا تتعلق بضعف الجعفري، كما أشيع وقتها، إذ أن كل الشخصيات السياسية العراقية الحالية ضعيفة إن قورن اداؤها بنفوذ المسؤولين الأمريكيين في بغداد. الأسباب الحقيقية هي شيء آخر مختلف. فقد عقد الجعفري وحزبه، حزب الدعوة، تحالفاً استراتيجياً مع جماعة الصدر، أسس له حاجة حزب الدعوة، الصغير والهامشي إلي حد كبير، لقوة شيعية ذات قواعد شعبية، كما أسست له بدرجة أقل أصول فكرية مشتركة بين الطرفين. في مقابل التوجه الطائفي الصارخ للمجلس الأعلي، حاول الجعفري وحزبه في البداية تقديم نفسيهما كقوة وطنية غير طائفية. ولكن هذه المحاولة لم تصمد طويلاً أمام أجواء الابتزاز الطائفي في أوساط الشيعة العراقيين وأمام القواعد الطائفية والإثنية التي أقيم عليها نظام الحكم الجديد. ولم يبق من طريق لتأمين موقع لقادة الدعوة، المصاب أكثرهم بعقدة الأهمية، إلا بالتحالف مع التيار الصدري.بيد ان الأمريكيين في العراق وواشنطن يحملون شكوكاً بالغة تجاه الصدر، ليس فقط لخطابه المناهض للاحتلال وصدام جماعته المبكر مع القوات الأمريكية (فهذا كله يمكن التغاضي عنه عند تغيير المواقف) ولكن لعلاقته التي تزداد وثوقاً بطهران. الصدر، بالطبع، ليس الحليف العراقي الوحيد لإيران، فعلاقة جماعة الحكيم بالجمهورية الإسلامية تسبق علاقة الصدر بعقود. بل ان المجلس الأعلي هو في الحقيقة وليد قرار إيراني بحت، أريد به لعب دور ما في الصراع الدموي الطويل الذي صاحب الحرب العراقية ـ الإيرانية. ولكن التباين في علاقات قيادات المجلس بالأمريكيين، وحرص بعض هذه القيادات علي الظهور بمظهر من يقدم علاقته بواشنطن علي العلاقة مع طهران، وتقدير الأمريكيين بأن أولوية الحكم والسلطة لدي المجلس تجعله أسير التحالف معهم أكثر من ولائه للإيرانيين، يخفف من القلق الأمريكي تجاه المجلس. بينما يبدو الصدر، من ناحية أخري، وكأنه ذهب بعيداً في ارتباطه مع الجمهورية الإسلامية، تمويلاً وتسليحاً وتدريباً وأمناً. ولأن الأجندة الأمريكية ـ الإسرائيلية وضعت إيران وبرنامجها النووي في مقدمة الأهداف التي ينبغي التعامل معها في المشرق، فإن الصدر يشكل مصدر القلق الأكبر للأمريكيين في المعسكر الشيعي العراقي. ولا شك ان هذا القلق يزداد حدة عندما يكون رئيس الوزراء العراق للسنوات الأربع القادمة الحليف الاستراتيجي للصدر. علي من يرغب في حكم العراق في ظل الاحتلال ان يختار ولاءاته.هناك بالطبع سبب آخر خلف الرفض الأمريكي ـ البريطاني للجعفري. فبعد محاولات قصيرة للتقدم بوجه وطني، أظهر الجعفري وحلفاؤه في التيار الصدري توجهات طائفية لا تقل حدة عن توجهات المجلس الأعلي. لا تقتصر هذه التوجهات علي سياسة الحكومة المؤقتة وتطهير مؤسساتها ودوائرها من السنة العرب، أو علي احتلال الميليشيات وزارة الداخلية وتحويل مواقع هذه الوزارة إلي مراكز تعذيب، بل وتتعلق أيضاً بفرق الموت التي تجوب أنحاء بغداد ومدن عراقية أخري. الحرص علي حياة العراقيين، والسنة العرب منهم علي وجه الخصوص، ليس هماً أمريكياً ملحاً، ما يهم الأمريكيين في هذه المرحلة هو إنقاذ ما تبقي من مشروع الاحتلال علي أمل الخروج بمكاسب أمريكية داخل العراق بعد ان انهارت تماماً استراتيجية الانطلاق من العراق لتغيير وجه المنطقة والعالم. وقد أدرك الأمريكيون أخيراً ان إنقاذ مشروع الاحتلال غير ممكن بدون شراكة سنية فعلية، ويأخذ هدف الأنقاذ في تجلياته الحالية صورة حكومة توافق وطني يأمل مخططو السياسة الأمريكية ان تساعد علي إضعاف المقاومة وتقويض الكثير من مبرراتها. ولم يكن غريباً أن يصبح الجعفري، والتحالف الشيعي ككل، هدف السياسة الأمريكية الجديدة، ورفضها المتأخر للانقسام الطائفي.لا الحكيم ولا العدد الأكبر من قادة التحالف الشيعي يرغبون في الجعفري. وقد كان تفوق الأخير بصوت واحد في التنافس علي الترشيح لرئاسة الوزراء، وبعد صفقات ووعود قدمت لهذا الطرف وذاك، مؤشراً علي هشاشة وضعه في صفوف التحالف الشيعي، ومفاجأة للحكيم وجماعة المجلس. ولكن الاعتراض الأمريكي علي الجعفري لم يأت في صورة مباشرة، بل من خلال القوي السياسية الأخري في البرلمان الجديد: القوي السنية العربية، الأكراد، وقائمة علاوي. وهو ما رؤي في أوساط التحالف الشيعي باعتباره صراع إرادات حول من هو صاحب القرار في النظام الجديد، ومن له اليد العليا. حاول الحكيم تدارك الموقف بطرح مشروع المباحثات الإيرانية ـ الأمريكية حول العراق، إذ لم يغب عنه ابتداء ان أحد أهم جوانب التوتر المتصاعد بين القائمة الشيعية والقوتين المحتلتين هو التوتر المتصاعد بين هاتين القوتين وإيران. ولكن ما أن أظهر الأمريكيون والبريطانيون تصميمهم علي إزاحة الجعفري حتي بدأت المواقف في الافتراق داخل التحالف الشيعي، وسرعان ما أظهر المجلس وحلفاؤه في التحالف رغبة في إرضاء الأمريكيين ومحاولة التوصل إلي مرشح جديد. هذا الافتراق في الموقف من الجعفري بات مصدر تهديد لوجود التحالف واستمراره، لا سيما والجعفري، وخلفه التيار الصدري، ما يزال مصمماً علي عدم الانسحاب. ولعل تفكك التحالف، وفرز القوي التي ربطت وضعها بطهران عن تلك التي تقدم علاقتها مع واشنطن علي علاقتها بطهران، أصبح هدفاً رئيسياً للسياسة الأمريكية في العراق. ليس فقط لأن المحتل عادة، وتقليدياً، لا يرغب في التعامل مع قوي تستشعر قوتها الذاتية، ولكن أيضاً لأن الإدارة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين يتوقعون تصاعداً مطرداً في الصراع مع إيران.الولايات المتحدة هي دولة كبري بلا شك، بل هي الدولة الأكبر والأكثر قوة ونفوذاً في منتدي العالم الأول. وقد أظهرت الولايات المتحدة في العراق قدرة كبيرة علي المناورة وتحمل الخسائر. ولكن هذا لا يمكن ان يخفي حقائق أزمة القوي المحتلة بعد مرور ثلاث سنوات فقط علي الاحتلال. بإطاحتها النظام الحاكم وتقويض الأسس الوطنية التي بني عليها العراق الحديث، أخلت الولايات المتحدة بتوازن القوي في المنطقة وفتحت صندوق بندورا علي مصراعيه للتطاحن الطائفي والإثني. وليس هناك من شك في ان الحسابات الأمريكية الأولية بنيت علي ان احتلال العراق وبناء نظام ديمقراطي ـ ليبرالي فيه، موالٍ لواشنطن، سيضع ضغوطاً هائلة علي طهران ويدفعها إلي في موقع الدفاع، وربما يؤدي إلي إطاحة النظام الإسلامي الإيراني او يجبره علي إجراء متغيرات جوهرية في سياسته الخارجية. نظام عراقي مزدهر، حليف للولايات المتحدة، يلعب فيه الشيعة العراقيون دوراً بارزاً ورئيسياً، كان من المتوقع ان يقوض شرعية النظام الإسلامي ويعزز من القوي المعارضة له. ولكن رياح العراق لم تجر كما اشتهت سفن واشنطن. وسرعان ما انفجر العراق بمقاومة صلبة، أطاحت بالآمال الكبري للمشروع الأمريكي. وكما أخطأت الإدارة الأمريكية تقدير ما يمكن ان يقدم لها العراق علي مستوي استراتيجيتها في المشرق والعالم ككل، وعلي مستوي تعزيز المصالح الإسرائيلية في المجال العربي ـ الإسلامي، أخطأت أيضاً في تقديرها مستقبل المقاومة. ما تصوره الأمريكيون ان مقاومة لا تتلقي دعماً خارجياً، لا سيما من جوار ساحة نشاطها، لا يمكن ان تصمد طويلاً. ولكن المقاومة العراقية، التي لا تربطها أية صلة ملموسة بدول الجوار العراقي، أو أية دولة أخري، تبدو في عامها الرابع أشد فعالية وقدرة علي الاستمرار مما كانت عليه في 2003. العراق، كما يؤكد كثيرون، ليس فيتنام، وقد لا يؤدي النشاط العسكري المباشر لقوي المقاومة إلي إيقاع هزيمة عسكرية مباشرة بالاحتلال. ولكن حتي في فيتنام لم تكن الهزيمة الأمريكية هزيمة عسكرية بالمفهوم التقليدي، بل هزيمة سياسية وهزيمة إرادة الاستمرار في الحرب والاحتلال. وتبدو المقاومة العراقية وكأنها في طريقها لتحقيق نجاح شبيه، فبالرغم من الدفع الأمريكي المستمر للعملية السياسية، يبدو الوضع السياسي للنظام الجديد وكأنه في طريقه إلي الانهيار، لا تسنده إلا القوة العسكرية المحتلة. كما ان الدعم الشعبي الأمريكي للاحتلال يكاد ان يتلاشي، مهدداً علي مدي المتوسط والبعيد إرادة الاحتلال. بهذا الفشل، انقلبت السياسة الأمريكية تجاه إيران وحلفائها في العراق. فبعد ان كان بعض هؤلاء الحلفاء وسيلة الإدارة الأمريكية المعول عليها لتقويض شرعية الحكم الإيراني، أصبح هذا البعض مصدر تهديد للوجود الأمريكي في العراق بعد ان بات علي الولايات المتحدة مواجهة إيران في شكل مباشر. في لحظة واحدة تلاشت أطروحات وولفوفيتز الشهيرة بإقامة تحالف أمريكي شيعي ديمقراطي في المنطقة بأسرها، يواجه التطرف والراديكالية السنية ويساعد علي العودة بإيران إلي المعسكر الغربي. القوي الشيعية العراقية التي وضعت بيضها كله، حتي منــذ ما قبل الغزو، في السلة الأمريكية، ينظر إليها اليوم في واشنطن بمنظار الشك، وترتفع من صفوفها عبارات التنديد بالضغوط الأمريكية و طائفية المحافظ الجديد زلماي خليل زاده.بيد ان وراء هذا كله درسا بالغا لم يكن قصار النظر في المعسكر الشيعي العراقي يرغبون حتي في رؤية أسطره الأولي. الصعود علي أكتاف الغزاة، تسويغ الاحتلال والترحيب به، اعتبار الاحتلال مناسبة لانتصار طائفة علي الأخري، وفرض نظام طائفي تقسيمي علي العراق في ظل القوة الأمريكية ـ البريطانية، ما كان له أن يوصل إلا إلي الوضع الحالي. الارتكاز علي ميزان قوي صنعه الوجود الأجنبي يتطلب الخضوع لميزان القوي هذا. وقد كان وزير الخارجية البريطاني جاك سترو صريحاً بما يكفي عندما ذكر حلفاءه العراقيين ان قوي الاحتلال لم تدفع من أموالها وأرواح جنودها للتفرج علي العملية السياسية. وهو درس أيضاً للقوي السنية الغارقة اليوم في لعبة المناورات الدائرة في المنطقة الخضراء. في ظل الأنظمة الاستعمارية، ليس هناك ما هو أسهل وأرخص تكلفة من الارتماء في أحضان المحتل والمزايدة علي اولئك الذين سبقوا في الارتماء. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية