العراق: التورط الامريكي يتفاقم.. وأنصاف الحلول لا تنفع
هارون محمدالعراق: التورط الامريكي يتفاقم.. وأنصاف الحلول لا تنفععندما قلنا في مقالة سابقة ان الائتلاف الشيعي هش وقام علي أسس طائفية وليست وطنية، إضافة الي انه جمع بين أطراف متناقضة واخري مختلفة، وان سمات قادتها هو التنافس للاستحواذ علي المناصب والامتيازات والتسهيلات والصفقات، كنا ننطلق من جملة اعتبارات في المقدمة منها ان الحركات الدينية وخصوصاً تلك التي تقوم علي المذهبية والطائفية لا تمتلك برامج سياسية تؤهلها للقيادة والادارة في بلد مثل العراق، كان الحكم فيه مدنياً وعصرياً، وهذه حقيقة لا يستطيع الادعياء والمغرضون القفز عليها أو تزييفها، هذه واحدة، أما الاخري فان من مواصفات الكتل والائتلافات والتحالفات الانتخابية في الدول المتقدمة والنامية علي حد سواء، ان تتفق منذ بداية تشكيلها علي احد اعضائها ليكون مرشحها لتسلم الموقع الرسمي الاول.فلأول مرة نلاحظ ان كتلة انتخابية (موحدة) تضطر الي التصويت علي مرشحين اثنين كل واحد منهما ينتسب الي حزب ضمن الائتلاف، ويفوز احدهما علي الآخر بفارق صوت واحد، مما يعطي مؤشراً لا لبس فيه بان الائتلاف غير متجانس.وقد لاحظ المراقبون والمتابعون للشأن العراقي كيف ان الفائز في تصويت الائتلاف ابراهيم الجعفري صار اسيراً لدي اكثر من ارادة وطرف سياسيين وهذه نتيجة منطقية لخلل اختياره وترشيحه لمنصب رئيس الوزراء، فهو يخضع لقياديي حزبه (الدعوة) الذين لا يريدون تفويت الفرصة المتاحة لحزبهم في تسلم الموقع الاول هذه المرة بعد ان كان في المرة الماضية تابعاً لرئيس المجلس الاعلي الذي فرض ولايته علي الحكومة الانتقالية السابقة، وهو مضطر لتلبية مطاليب التيار الصدري الذي كان له الفضل في ترجيح كفته علي منافسه عادل عبدالمهدي، واخيراً فإن الجعفري مفروض عليه الاستجابة لما يريده رئيس الائتلاف عبدالعزيز الحكيم ادراكاً منه بانه لا يستطيع الحصول علي تزكية الجمعية الوطنية لحكومته المقبلة الا باصوات المجلسيين والمستقلين من جماعتي الحكيم وشهرستاني.ومما فاقم في ازمة الجعفري ومسألة رئاسته للحكومة المقبلة، ان الكتل الاخري وتحديداً التحالف الكردي والتوافق السنية وجبهة الحوار الوطني، اعلنت مسبقاً انها ترفضه جملة وتفصيلاً، ولا تقبل به رئيساً لحكومة يقال ان فترتها ستكون اربع سنوات، وهذا يعني ببساطة ان الجعفري سيفشل في الحصول علي ثقة الجمعية الوطنية حتي لو صوت له جميع اعضاء الائتلاف (130) صوتاً، وهذا امر مستبعد تماماً وقد حاول الجعفري لتلافي هذه المشكلة الاتفاق مسبقاً مع جبهة الحوار الوطني 11مقعداً والجبهة التركمانية مقعد واحد والحزب المسيحي مقعد واحد، لتأمين النصاب القانوني لتمرير حكومته، ملوحاً لرئيس جبهة الحوار الوطني الدكتور صالح المطلك برئاسة الجمهورية وللجبهة التركمانية بنيابة رئاسة الحكومة، ولكن المطلك كان حاسماً في رده بانه يرفض أنصاف الحلول.وازاء المأزق الذي يعيشه الائتلاف الشيعي وهو يواجه التشرذم وفقدان منصب رئيس الوزراء، دعا الي عقد اجتماع للجنته القيادية السباعية الاحد الماضي لايجاد مخرج للمشكلة بعد ان رفض الجعفري التنازل عن ترشحيه، وكان الحكيم وشهرستاني قد اتفقا كما يبدو علي ترشيح اسمين اضافة الي الجعفري وترك الجمعية الوطنية تختار واحداً منهم، ولكن خلال الجدال في الاجتماع تبين ان هذا الامر يتعارض مع الدستور الذي ينص في احد بنوده بان ثقة اعضاء الجمعية تكون للحكومة ورئيسها وليس اختيار شخص معين علي اعتبار ان الدستور ذاته يعطي هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية الذي يكلف مرشح اكبر القوائم والكتل لتشكيل الحكومة، وفشل الاجتماع في احراز اي تقدم لحلحلة المشكلة، وأصر الجعفري علي موقفه وتضامن معه ممثلو التيار الصدري وصدرعن الاجتماع شبه بيان هزيل يتضمن اعطاء فترة مناسبة او مهلة للجعفري ليجرب مرة اخري في محاولة يائسة لاقناع الكتل الاخري لدعم ترشيحه.وقد رد التحالف الكردي مباشرة علي هذه المحاولة واكد انه مازال علي موقفه الرافض وكذلك الامر بالنسبة لكتلتي التوافق والحوار، وهذا يعني ان الجعفري يدور في حلقة مفرغة وان الازمة السياسية باقية علي حالها.ولمواجهة الازمة التي طال أمدها وممارسة ضغوط علي الجعفري لعزله واحداث انشقاق علني في كتلة الائتلاف، فقد تحرك عدنان الباجةجي حليف اياد علاوي وباعتباره كبير السن في الجمعية الوطنية لدعوتها الي الاجتماع خلال الايام القليلة المقبلة بحجة قانونية تخليه عن رئاستها، لان الدستور الذي يعملون بموجبه يقضي بأن كبير السن يرأس جلسة الافتتاح فقط، ويشرف عليها لانتخاب رئيس للجمعية ونائبيه ثم يعود الي مقعده النيابي في الجمعية.والمعلومات خلف الكواليس تشير الي اتفاقات خفية تمت بين التحالف الكردي وجبهتي التوافق والحوار وجزء من الائتلاف الشيعي وتحديداً جماعتي الحكيم وشهرستاني خلال الايام القليلة الماضية، تقضي بانتخاب جلال طالباني رئيساً للجمهورية وخلف العليان من التوافق بعد اعتذار عدنان الدليمي، وحسين شهرستاني من الائتلاف نائبين للرئيس، فيما ينتخب طارق الهاشمي زعيم الحزب الاسلامي من التوافق ايضاً رئيساً للجمعية الوطنية وانتخاب همام حمودي من الائتلاف وهو قيادي في المجلس الاعلي وعارف طيفور الكردي من جزب بارزاني نائبين له، وبعد ذلك وحسب دستورهم، يكلف مجلس الرئاسة المتكون من رئيس الجمهورية ونائبيه، عضواً في الائتلاف الشيعي يعتقد المجلس بانه مؤهل لتشكيل حكومة تحوز علي الاغلبية البسيطة (139) نائباً في الجمعية لتزكيتها.وواضح ان الصفقة لو مضت في طريقها دون حدوث مفاجآت فانها تعني ابعاد الجعفري وعزله، واختيار شخص آخر قد يكون عادل عبدالمهدي او غيره مكانه، وتنتهي اللعبة ولو مؤقتاً مع ما تتركه من آثار وتداعيات علي الائتلاف الشيعي الذي سيتحول الي ائتلافين او ثلاثة علي الاقل وتنفرط وحدته الصورية. والسيناريو الاخر المطروح في حال فشل هذه الصفقة هو حل الجمعية الوطنية الحالية والغاء الانتخابات الاخيرة واقالة حكومة ابراهيم الجعفري المنتهية ولايتها وتشكيل هيئتين للرئاسة والحكومة مؤقتتين علي غرار صيغة (غازي الياور واياد علاوي) التي طبقت ابتداء من نهاية حزيران (يوينو) 2004، وتتولي الحكومة الجديدة المؤقتة التحضير لانتخابات جديدة خلال فترة عام.ووفق مصادر حزبية وسياسية في بغداد، فان هذه الصيغة نوقشت خلال زيارة وزير الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس ونظيرها البريطاني جاك سترو الي بغداد نهاية الشهر الماضي، ويعتقد ان السفير الامريكي زلماي خليل زاد هو صاحبها، بدليل انه ناقش فكرتها مع قيادات كتل واطراف تشارك فيما يسمي بالعملية السياسية في فترة سابقة وحظيت بالقبول من بعض الاطراف وتحفظ من بعضها الآخر.ويبدو ان زلماي زاد اراد ان يبتعد عن صيغة الحكومة المؤقتة السابقة حتي لا يقال انها عودة الي الماضي القريب، وتقليد لحالة سابقة، فقد اطلق علي فكرته هذه تسمية حكومة انقاذ وطني مؤقتة، وحظيت هذه الصيغة ـ حسب ما يتردد ـ بموافقة التحالف الكردي والتوافق والحوار الوطني والمجلس الاعلي ومجموعة شهرستاني، ويقال بهذا الصدد ان عبدالعزيز الحكيم كان متردداً عندما طرحت الفكرة عليه اول الامر، ولكنه وافق عليها بحرارة عندما ابلغ بان نائبه عادل عبدالمهدي سيكون رئيساً للوزراء وليس اياد علاوي كما كان يتصور، ويبقي حليفه جلال طالباني رئيساً للجمهورية مع نائبين سني من التوافق وشيعي يرشحه الحكيم نفسه وتكون الحكومة مختلطة من الاطراف السياسية كافة.ورغم ان الحكيم قبل بهذه الصيغة واعطي موافقته عليها لانها تضمن له ولاتباعه امتيازات ومكاسب سياسية، الا انه ابدي مخاوف من انقلاب عليه يقوده الصدريون وحزب الدعوة بشقيه وحزب الفضيلة ومجموعة من المستقلين المناوئين له، لتجريده من رئاسة الائتلاف الشيعي واستيلائهم عليه واعتباره خارجاً او منشقاً عنه، وهو امر سيرفع عنه الولاية الشيعية التي يحرص علي التغطي بها وتقديم نفسه كقائد او زعيم للشيعة في العراق، وهو يخشي من غريمه اللدود مقتدي الصدر الذي سيستغل هذه الحالة ويوظفها لمصلحته ويطرح نفسه زعيماً للحركة الشيعية السياسية في العراق، ويتمكن من ازاحة الحكيم واقصائه عن المشهد الشعبي الشيعي واتهامه بالتعاون والتخادم مع الاحتلال وتفريطه بالمظلومية اياها التي باتت عنواناً للمزايدات من جميع الاطراف الشيعية.ان الفراغ الحكومي والسياسي والاداري والامني الحاصل في العراق الآن، مع ما يرافقه من غياب للدولة ومؤسساتها وتغييب القانون وتأزم الأوضاع الامنية واشتداد الاحتقان الطائفي واستشراء الفساد والاختلاسات والسرقات من المال العام في جميع الوزارات والهيئات الرسمية، وضع الامريكان اصحاب القرار الاول في البلاد في موقف ضعيف وحرج بعد ان ضاقت الخيارات امامهم واخفقت سيناريوهاتهم وفقدوا المبادرة وفشلت جميع جهودهم وحملاتهم في وقف المقاومة ضدهم، هذا الفراغ الرهيب كشف عن تورط امريكي لا يمكن انكاره في المستنقع العراقي، وواضح ان الادارة الامريكية بدأت تشعر جدياً بتخبطها ومأزقها واعترافات كوندوليزا رايس بآلاف الاخطاء التي ارتكبتها بلادها في احتلال العراق اقرار بهذا التخبط والمأزق، ولا يستبعد ان يتخذ بوش قراراً بسحب قواته بعد تشكيل حكومة الانقاذ الوطني المؤقتة.9