صباح زوين
لم اتخذ لنفسي يوماً معلماً، ولم اجعل من اي كان، مهما عظم شأنه، مثالاً لي، هكذا كنتُ منذ ان كنتُ، ولا ازال وهكذا سأظلّ الي يوم الزوال. لست ادري ان كان هذا تعبيراً عن استقلاليةٍ ما، أم هو أمرٌ عادي لدي المرأة عامة، خلافاً للرجل، لكني في اي حال لم أعلّق علي جدران غرفتي يوماً اي صورة لأي شاعر أو روائي أجنبي أو عربي من أولئك المشهورين، ولم أحفظ أي بيت من أي قصيدة لأي منهم، باستثناء حالتين. في حالة مبكّرة جداً، أيام المدرسة حيث كنّا مضطرين الي حفظ قصائد الجاهلية وما بعدها من الكلاسيكية العربية. فمن تلك الفترة لم يبقَ في ذهني، أو بالأحري في تلك الفترة لم أحب أن أحفظ وأن أبقي في ذهني سوي بيتين، واحد لامرئ القيس وآخر لإبن زيدون ولا أري ضرورة لنقلهما علي هذه الورقة الآن، لكني حفظتهما لتطابقهما آنذاك وحالتي النفسية وكانا غاية في الجمال، وكنتُ دائماً ولا أزال معجبة بالتركيبة أو بالصياغة الشعرية في القصيدة العربية القديمة. اني اقف بإعجاب ودهشة أمام هذا الإقتصاد في التعبير وهذه الأناقة في التصوير، أي وفي كلام آخر، أمام هذا الاختزال البديع.
وفي حالتي الثانية، أي المتأخرة إلي حدّ ما، علّقتُ مرّة ولفترة قصيرة جداً لا تتعدّي الأشهر، علي حائط غرفتي صورة ريمبو الشهيرة، وذلك أيضاً، كما في الحالة الأولي، كان سببه حالة خاصة كنت أعيشها بطريقة خاصة.
وهذا كل شيء. فتغييبي “للمعلّم” في كل معانيه عن حياتي الشعرية أو الفنية أو حتي العقائدية، هو من بديهيات عيشي ولم أفعل هذا يوماً من باب التفلسف أو لنقل لم أفكّر يوماً بأن اتخذ لنفسي، عقلانياً، هذه الطريق أو تلك أسلوباً أو تصرّفاً. ولستُ أعرف، كما قلت أعلاه، إن كان يعود هذا الي كوني امرأة ولست حتي اعرف ان كنّ معظمهن مثلي، لكن ما أعرفه هو أن لدي الذكور هذه العادة، الأمر الذي لاحظته في مناسبات عدّة. قد يعود سبب ذلك الي تلقائية انتماء الذكور الي مجتمعهم، اي إلي المجتمع، ما يجعلهم خاضعين لتبعية أو لتراتبية ما عليهم احترامها واعين ذلك أم غير واعين. أو أيضاً قد يكون سبب ذلك، إضافة الي التراتبية، أو خارجاً عنها، تاريخية واستمرارية الانتماء وتجذره ومساواته في ما بينهم، الأمر الذي يجعلهم يميلون الي هذا النوع من التصرف، الي هذا المنحي الأبوي، وفي تعبير أكثر دقةً، الي هذه العلاقة الأدبية-الروحية، ولو أحياناً العدائية، بين الأب الروحي وابنه، بين المعلّم-المرشد وتلميذه، والاثنان علاقتهما عميقة ووثيقة بالمجتمع القائم. بينما المرأة، وخلافاً لهم، ربما ليس لديها آباء روحيون لأنها، وهذا سهل استخلاصه، تري نفسها علي هامش تلك العلاقة الذكورية الضاربة أسسها في أعماق التاريخ، وبالتالي، تري نفسها حرّة من أي التزام أو استزلام، لذا تظلّ تطير في فضاءات خاصة بها. وفي أي حال، الاستزلام كلمة خاصة بالذكور، والزلمة لم يكن يوماً سوي رجل، وليس هذا النعت سوي نعته، اذا المرأة التي “تستزلم” معلِّماً أو مرشداً أو ما شابه من احياء “الآباء”، لا تُسمّي “زلمة” فلان إنما أشياء أخري ما عدا هذا. أما من أمواتهم، كما لاحظتُ وقد أكون مخطئة، فليس لديها “معلّم”! في أحسن الأحوال، واذا كانت المرأة تابعة لأب روحي ما، لا تفعل ذلك سوي من باب الوصولية من ناحية، ومن باب الفراغ الفكري – الثقافي – الابداعي من ناحية ثانية فتكون بالتالي بحاجة الي دعمه. في هذا المجال، لا يختلف الرجل الوصولي عنها في التصرّف كما في الغاية. فهكذا نوع من الوصوليين لدي الذكور، لا يكون في بحث عن معلّم، إنما عن جسر يخوّله القفز من خلاله لبلوغ أطماعه وأهدافه من شهرة وعزّ، الأمر الذي يحثّه علي المديح والإطراء إرغاماً وإكراهاً وغصباً، ويصبح كل يوم وكل لحظة يلعن لحظة باع نفسه فيها للشيطان، ويرغب رغبة عارمة في أن يموت هذا “المعلّم” لكي يعود الي حرّيته، لكي يسترجع بعضاً من كرامته، مهما صغرت هذه الكرامة. أعود إلي ذاتي لأقول اني لن احسم ان كنت مستقلّة وحرّة أم شبيهة ببنات جنسي في ما يتعلّق بعدم شعوري يوماً بالحاجة الي تبنّي أب شعريّ وأدبيّ وثقافيّ وفنّي. لكني أدرك شيئاً أكيداً، وهو أني لا أقبل سوي أن أطير وحيدة في فضاء لانهائي أو أن أعدو بمفردي مثل خيل برّية في السهول والتلال والمروج.
لا أري نفسي، وهكذا الأمر دائماً، سوي رافضة لكل ما ينتشر ومتمرّدة عليه. بالأحري لا أراني سوي متجاوزة نفسي متخطية اياها، وذلك بسبب أمر أساسي واحد ليس إلاّ: لا أستطيع الإيمان بشيء سوي لفترة وجيزة حيث أتحمّس وأرغب وأقع في الشغف وأركض وأهرول، ثم لا ألبث أن أري لا جدوي كل ما اقوم به، لا البث ان اراه رتيباً، باهتاً، غير مهمّ، وغير مثير. فكيف لي إذن، والحال هذه، أن أتبنّي أباً روحياً وأن أعتنق فكرة أو أن أقع في شغف بيت شعريّ أو قصيدة؟! قصائد عالمية وعربية كثيرة أحبّها أو تنال إعجابي، لكن أن أعشقها أو أن أصنع منها شعاري وأيقونتي، فهذا لم يخطر يوماً في بالي. أخاف من الجمود، وأخاف من التكرار، لذا لا أحبّذ صورة واحدة دائمة معلقة علي الحائط أو موضوعة علي طاولتي، كما لا أحبذ حفظ أبيات شعر إذ من الأفضل لهذه الأبيات أن تتناثر حرّة ذهبية في فضاء الكون.
وهكذا أري اليوم قصائدك كما أري روحك يا هناء الأمين خاتون، أراها تتناثر الآن حرّة ذهبية جميلة في سمائنا الشعرية، أنت التي لم احفظ من قصائدك أي بيت، كما لم أحفظ أياً من أبياتي يوماً، لكني حفظت وجهك النقي، ولقاءاتنا ولو القليلة، ونبلك. رحتُ الي اولادك وعائلتك وعزّيتهم، ورأيتُ وجهك في الشَبَه والدمعة في عيونهم. هل تذكرين يا هناء عندما اقترحت عليك، ضمن ملفّ لبناني، ترجمة قصائدك، لكن المشروع توقّف، ولم تُحفظ قصائدك، لم تحفظ، لكنها تتناثر اليوم جميلة في فضاء أرواحنا. ذهبت مع الماغوط يا هناء الجميلة، وكتبوا عنك وطبعا عنه. بل لا شك عنه اكثر، وهو ابونا الشعري الرائع، وانت راضية عن كلامي. هكذا شاء القدر، وفي اي حال نعلم انا وانت كم كانوا جميلين وصادقين اولئك من كتبوا عنك. لكن من ناحية اخري لم تخل الساحة من الكذابين حول الماغوط، إذ من خلاله يعتقدون انهم سيمغطون شهرتهم، وهم لم يسمعوا به قبل مماته. وأحزن علي الشعر وعلي موت شاعر كبير عندما يصبحان اداة بين ايادي من لا علاقة لهم لا بالشعر ولا بالأدب عامة، ويوقّعون مقالات لا تشبههم حول موت الشعراء (يوقّعون فحسب، إذ قد يكون كتب المقال، عوضاً عنهم، ” زنوج الكتابة ” ويعرفون انفسهم)، هم القابعين في فراغ الداخل.
شاعرة من لبنان