القاصة الأردنية بسمة النسور: الكتابة فعل خلاص ومحاولة الوصول إلي الصندوق الأسود للروح!
أصدرت مؤخرا مجموعتها القصصية الخامسة مزيدا من الوحشة القاصة الأردنية بسمة النسور: الكتابة فعل خلاص ومحاولة الوصول إلي الصندوق الأسود للروح!عمان ـ القدس العربي من يحيي القيسي: تنتمي بسمة النسور إلي الجيل الأدبي الذي برز في بداية التسعينيات في الأردن، وقد حظيت منذ انطلاقتها علي انحياز مجموعة من كبار النقاد والأدباء إلي كتابتها، مثل د. إحسان عباس، جبرا إبراهيم جبرا، مؤنس الرزاز وغيرهم. تقول في وصفها لكتابتها .. أحب البساطة في التعبير، ولا أقع بسهولة تحت إغراء اللغة، وأعتبر أن النص الأفضل هو النص الممسوك والخالي من الثرثرة الفائضة التي تعمل علي ترهل القصة كما تأسرني القصة القائمة علي المفارقة شهادتها هذه ما يمكن أن يكثف ملامح قصصها، ولكنها أيضا دائمة التجديد في أسلوبها ولغتها في كل مجموعة جديدة تصدر لها، وهي تلتقط الخفي والمهمش في النفس الإنسانية لتظهره إلي العلن، وخصوصا ما يتعلق بمشاعر الحزن والألم وهكذا تبدو الكتابة عندها نوعا من التطهير، وفعل خلاص كما أشارت في الحوار هنا، أما سيرتها الإبداعية فتشير إلي أنها أنجزت خمس مجموعات قصصية هي: نحو الوراء 1991، اعتياد الأشياء 1994، قبل الأوان بكثير 1998، النجوم لا تسرد الحكايات 2002، وأخيرا مزيدا من الوحشة 2006 التي من المتوقع ان تنال الكثير من الكتابات حولها لتميزها، والنسور حاصلة علي بكالوريس في الحقوق، وتتولي حاليا رئاسة تحرير مجلة تايكي المتخصصة بالإبداع النسوي، والتي تصدر مرة كل شهرين عن أمانة عمان الكبري.هنا حوار مع القاصة بسمة النسور حول قصصها الجديدة وهواجس الإبداع والثقافة: مزيدا من الوحشة مجموعتك القصصية الجديدة: عنوان قاتم مع غلاف أشد قتامة، هل ترين أن الأدب يشير إلي السواد الذي يعتمل في أعماقنا ومن حولنا أم يدل علي قبسات النور؟ الغلاف ليس قاتما علي الإطلاق، سيما وان صورتي تحتل حيزا منه!!! من هنا أنصحك بالتراجع عن تصريحك غير المسؤول!! للمرة الاولي منذ تورطت في فعل النشر يحوز الغلاف علي إعجابي و بالمناسبة هو، هديه رائعة من الصديق الياس فركوح الذي قام بتصميمه بعد إن اطلع علي المخطوط، فجاء منسجما مع أجواء القصص، والآن أنت تصف العنوان بالقتامة.! (مزيدا من الوحشة) هو عنوان إحدي قصص المجموعة التي تتناول نموذجا تقليديا لنساء الظل اللواتي يقدمن أرواحهن علي طبق من وجع من اجل حفنة من الأوهام!! يغذيها الرجل بأنانية مطلقه ويقصيها عن تفاصيل حياته باعتبارها حبيبه بدوام جزئي..! فتحيا طويلا في العتمة، وقد صادر حقها في الوضوح والتجربة والأمومة والحياة بتفاصيلها العادية متواطئة ضد ذاتها كي لا تهتز صورته الملفقة أساسا، ولتكتشف هشاشة الحالة برمتها عند أول امتحان، و لتري بأم وعيها السهولة التي تتم التضحية بها، علي اعتبار أنها اقل الخسائر!! يعود العاشق متخففا من وعثاء الحالة، معتمدا علي بلاهة الزوجة متوهما إن كل شي عاد إلي مساره الصحيح محاولا تجاهل انه غير جدير حتي بالزوجة المضللة المعتدي عليها بشكل أكثر انتهازية، مستفيدا من المزايا العديدة التي تؤمنها الوظيفة!! والآن قل لي بربك! ضمن أجواء كهذه:شديدة القسوة فادحة الواقعية ممعنة القبح، ألن يبدو صفيقا لو أطلقت علي تلك القصة عنوانا أخر؟!! وبالمناسبة هذا النموذج حاضر بقوه في السينما العالمية قدمته الممثلة لانا تيرنير ببراعة لافتة، كما قدمت السينما المصرية هذا النموذج في فيلم الخيط الرفيع من بطولة فاتن حمامه ومحمود ياسين، علي اية حال تظل اوجاع نساء الظل متشابه سواء كن في نيويورك او في كوالا لامبور!! الحالة الإنسانية واحدة حتي وإن اختلفت طرق التعبير عنها، يظل جذر الألم هو ذاته. أما حديثك عن السواد، دعنا نتفق ان السواد هو أقصي درجات الوضوح والانكشاف، أحاول في قصصي الوصول إلي الصندوق الأسود للروح حيث الحقيقة بكامل عريها وخشونتها ذلك الصندوق هو لعبتي المفضلة: الرعب والكوابيس والهواجس، وهي التي تستنفر مخيلتي لنبش عمق العتمة الذي تتسم به شخصياتي في كل مجموعاتي. اكرر دائما أن الكتابة هي فعل خلاص وتداوي من هذه الزاوية قد يلوح في نهاية النفق نور ما يحررنا من شوائب كثيرة. دعيني ألح أيضا هنا علي ثيمة الموت الطاغية في القصص والتي جعلت القارئ ربما يفكر عميقا بهذا القلق الوجودي الذي لا راد له… هل كان هذا التركيز مقصودا فنيا أم نتاج حالة تمرين بها انعكست علي كتابتك..؟ أولا لا بد من الإشارة إلي ان الموت ليس شأنا داخليا او مسألة شخصيه ليس من اللائق الخوض في تفصيلاتها!! انت وصفت القلق الوجودي بأن لا راد له اوافقك تماما وأضيف بأنه احد ابرز ملامح الإنسانية القائمة أصلا علي ثنائية الولادة والموت،أظن أن ثيمة الموت هي القاسم المشترك لكل أشكال الإبداع، وعلي مر العصور،تناولتها الأساطير والديانات السماوية والقصائد والموسيقي والمنحوتات إلي آخره، ألا تمتلئ رهبه إزاء آية مثل (ألهاكم التكاثر حتي زرتم المقابر) او عبارة (من التراب وإلي التراب).فيما يتعلق بتجربتي القصصية أؤكد أني لا أتقصد شيئا اكره الافتعال في الحياة وفي الكتابة لا املك جوابا محددا لتوصيف مبررات الكتابة ، لدي الموت من حقائق الحياة التي أتعامل معها بحساسية عالية، عليك ان تعرف انك تحاور امرأة رأت الموت من مسافة شديدة القصر، وفي مرحله مبكره جدا، كنت في السابعة او الثامنة حين غافلت امي واندسست بجسدي الصغير بين النساء النائحات، كي أحدق في وجه الموت، الذي استقر علي وجه (فادي التلاوي) قبل ان يمضي بعيدا في نعش بالغ الصغر. تعين علي أمي ولوقت طويــل ان تسقيني الماء من طاسة الرعبة كلما نهضت من نومي مفزوعة كمن اكتشف خديعة حين أتذكر ان الصغار معرضين للموت أيضا، كتبت القصة بعنوان (الذي تخلف) في أولي مجموعاتي القصصية (نحو الوراء) ليتهمني أحد النقاد المستنيرين!! بأني كتبت تلك القصة متأثرة بأغنية فيروز أنا وشادي!! هل تلاحظ مدي الترف؟! احمل الفضول نفسه تجاه الولادة اتاح لي فضولي المدمر ان استرق النظر الي عمليات ولاده كانت تحدث في حارتنا بصفة دوريه والأصل ان جميع نساء الحارة في حالة حبل!: تلد إحداهن، فيجتمعن لديها لحين قدوم (الداية) ستي ام طلال، نقبل يدها وتنهرنا لنلعب بعيدا، يركض الأولاد مذعورين حين تشق صرخة ألم فضاء الحارة، فيما أتسلل بخفة لص وأشاهد تفاصيل الحدث برهبة قصوي ولتسقط بعد ذلك أسطورة حقيبة ستي ام طلال السوداء المهترئة التي تحضر اخوتنا الصغار الي أمهاتنا، أحيانا أوشك ان اصدق انني مسكونة بأكثر من شخصيه واكثر من حاله ولا أدافع كثيرا عن اتهامي بغرابة الأطوار، تخيل أنني ما زلت استمع إلي أغنية ساكن قصادي وأبكي تأثرا !! لاحظت أنك خصصت نصف المجموعة تقريبا للقصص القصيرة جدا أو البرقية كما تسمي، فهل تلك الاختزالات السردية قادرة برأيك علي تقديم فكرة ما أو رسالة مشبعة للقاريء مثل القصص الأخري؟ القصة القصيرة جدا فضاء ساحر إذا تحلي كاتبها باللؤم الكافي ليحدث صدمه لدي المتلقي، ولابد لمن يكتب هذا الشكل من القصص ان يكون سليطا ولماحا وحاضر البديهه وإلا تحولت الي نكته رتيبة عاطلة عن الدهشة!! كما لا بد ان تتضمن مفارقه ما، سواء علي مستوي الحدث او الحالة او اللغة. يقولون انها تتقاطع مع قصيدة النثر ربما كان ذلك صحيحا علي اية حال ثمة تفاوت في الموقف النقدي منها، هناك من ينظر لها كجنس ادبي قائم بذاته وهناك من لا يعترف بها من حيث المبدأ، بالنسبة لي وبعيدا عن التنظير انا من أنصار معسكر التكثيف او هات من الآخر وكلما تمكنت من التعبير بأقل الكلمات أكون اكثر رضا عن نفسي، وفي جميع الأحوال الفكرة نفسها تحدد الشكل الأمثل لاحتوائها. نعم انها قادرة وملائمة لاستيعاب اكثر الحالات تركيبا اذا كان المايسترو متمكنا من أدواته. في هذا الاتجاه هل ما زلت مخلصة للقصة القصيرة في وقت انتقل فيه الكثير من كتابها وكاتباتها إلي عالم الرواية، وهل أنت مع مقولة أن القصة القصيرة عبارة عن تمرين أولي لكتابة الرواية؟ نعم أنا شديدة الإخلاص للقصة القصيرة، إنها هويتي الإبداعية التي انتمي إليها وأتعصب لها وأدرك جمالياتها ومدي صعوبة إنجاز نص قصصي مقنع ومكتمل الملامح وصادم وذكي، كما أنني لست شديدة الإعجاب بمعظم تجارب كتاب القصة في حقل الرواية انهم يمارسون نوعا من التحايل فيكتبون قصصا ممطوطة ويسمونها تجاوزا رواية او يلجئون الي ما يسمي النص المفتوح المنفلت من أسر التجنيس تحت ذريعة الحداثة وما بعدها فيما نجد النص أشبه باليوميات المشوشة التي يكتبها مراهقون بفعل تخبط الهرمونات في أجسادهم والتي تدفعهم للوقوع في الحب بمعدل مرتين في الأسبوع!! أتيح لي قراءة عدة نصوص من هذا القبيل، في كل الحالات كنت اخفق او بالأحري يخفق صاحب النص في استدراجي الي لعبة الوهم لأن النص منزوع الدهشة ابتداء ومكشوف وشديد الافتعال كل ذلك من اجل إحراز لقب روائي مع مرتبة الشرف!!! فيخلعون رداء القصة ويخفقون بشكل ذريع في الرواية لن أتطرق الي أسماء حرصا علي سلامتي العامة وحرصا علي العلاقات غير الدبلوماسية لكن سأقول وأمري إلي الله ان هذا الكم الهائل وغير النوعي من الروايات الذي طمر المشهد الإبداعي في العالم العربي مثير للخيبة وهو في احسن الأحوال صف حكي او سواليف حصيده كما يقول الفلاحون في وصف الكلام الخالي من المعني الجوهري والذي يمارسه الحصادون من باب تزجية الوقت. كتابة القصة بالنسبة لي تمرين علي التنفس بالمعني الحر للكلمة وهي بهذا السياق ليست الا نهائية ومصيرية وتامة كما انها ليست عتبة لدخول بيت الكتابة بل هي البيت بأرضيته وسقفه وجدرانه ونوافذه المشرعة باتجاه الجمال هل ترين أن النقد قد منح تجربتك الإبداعية ما تستحقه من الإضاءة واكتشاف مكنوناتها أم أنك تشكين مثل أغلب الكتاب الأردنيين من غياب النقد أو تجاهله؟ علي الرغم من وجود الكثير من الأسماء ء النقدية والمؤثرة عربيا ومحليا لكن: يمكن القول ان الحركة النقدية في الأردن غير حيوية ولم تنجح في تحقيق حالة تراكم تمكننا من تحديد ملامح او توصيف مزايا معينه لذا يظل المنجز النقدي الأردني مبعثرا هنا وهناك رغم وجود جمعيه للنقاد الأردنيين كما اعلم ولكن يبدو انها ليست مفعلة. فيما يتعلق بتجربتي مع النقد، ليس لدي ما أتذمر بصدده في هذا الشأن فمنذ اولي مجموعاتي نحو الوراء وأنا اتلقي اهتماما كبيرا من معظم الأسماء النقدية الجادة وهذا ما اسعدني دائما وأثار حفيظة البعض ممن رأي ان هذه الحفاوة مبالغ بها وذهبوا بعيدا في تأويل ا سبابها. انت من الوسط وتعرف كم يضيق بعض المبدعين بمنجز زملائهم ويحاولون إلغاءهم بشتي الوسائل فيما يفرطون في الاحتفاء بأي كاتب يحل ضيفا علينا مهما كان مستواه ضعيفا ومغمورا في بلد المنشأ! وبالطبع تتفاقم الحالة مع الكاتبات غير المعترف بهن في بلادهن لشدة ركاكة ما يكتبن ليتحولن في غضون مهرجان الي مفكرات ومبدعات يشق من اجلهن الغبار!!! ولتلفق من اجلهن المدائح النقديه. هذه الظواهر كانت تثير غيظي لشدة فجاجتها لكني تماثلت الي الصحو ولم تعد تلك القضايا تفاجئني بسبب مدي شيوعها. 0