إيران النووية: حاضنة التأزّم ومفتاح الحلول
صبحي حديديإيران النووية: حاضنة التأزّم ومفتاح الحلوللعلّ البعض يتجاهل عن عمد، أو ببساطة يجهل تماماً، أنّ البرنامج النووي الإيراني لم ينطلق في عهد الثورة الإسلامية الإيرانية (1979)، بل قبل اندلاعها بما يقارب ربع قرن، في أيام الشاه رضا بهلوي، وأنها كانت جزءاً من ألعاب الشدّ والجذب بين واشنطن وموسكو، خلال عقود الحرب الباردة، ولهذا فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت الجهة التي رعت واشرفت علي تنفيذ البرنامج. كذلك كانت أمريكا هي التي زوّدت إيران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط، وزوّدت المفاعل بالوقود اللازم، أي اليورانيوم المخصّب (نعم: اليورانيوم المخصّب ذاته الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها اليوم)، كما قبلت إقامة منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران.وفي عام 1975 وقّع وزير الخارجية آنذاك، هنري كيسنجر، ما يُعرف باسم مذكرة القرار الأمني 292 ، التي أرست دعائم التعاون النووي الأمريكي ـ الإيراني، بقيمة استثمارية صافية تبلغ ستة مليارات. وبعد سنة فقط، وقّع الرئيس الأمريكي جيرالد فوراً أمراً إدارياً بتمكين إيران من شراء وتشغيل منشأة تتيح فصل البلوتونيوم (أي المرحلة الأعلي علي صعيد تصنيع القنبلة النووية!)، بذريعة أنّ هذه التكنولوجيا سوف تحرّر ما تبقي من احتياطيّ نفطي، وتضعه في التصدير . كلّ هذا تمّ بمباركة وحميّة ودعم أمثال كيسنجر، ونائب الرئيس الحالي ديك شيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وأحد شيوخ المحافظين الجدد ومدير البنك الدولي بول ولفوفيتز.وأخيراً، في السياق ذاته، لم تكن حكومات ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإسبانيا والسويد بعيدة عن المساهمة في هذا البرنامج النووي، علي نحو أو آخر، وحصلت علي استثمارات بمليارات الدولارات من خلال مؤسسة Eurodif الإيرانية. الشركة الألمانية Kraftwerk-Union حصلت علي عقد بقيمة 4 ـ 6 مليارات لإقامة مفاعل نووي للمياه الثقيلة في إيران، والشركة الفرنسية شبه الحكومية Cog‚ma دخلت في شراكة مع إيران لتأسيس شركة الـ Sofidif لتخصيب اليورانيوم…استذكار هذه الحقائق يخدم في فهم معادلة بسيطة، رهيبة النتائج مع ذلك، تسود هذه الأيام في ما يخصّ الملفّ النووي الإيراني (خصوصاً بعد إعلان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أنّ بلاده انضمت إلي النادي النووي!): التكنولوجية النووية، حتي إذا كانت سلمية بريئة وديعة، ممنوعة إلا علي الحلفاء، والمقرّبين منهم حصراً، ومشروطة بأن تتمّ بأيدي الأخوة الكبار في الغرب عموماً، والأخ الكبير الأمريكي خصوصاً وأوّلاً. وحين كانت إيران هي البلد الصديق الحليف، وكذلك البلد النفطيّ الغنيّ واسع الاستثمار في الغرب ومع الغرب، فإنّ التكنولوجيا النووية لم تكن مشروعة طبيعية مطلوبة فحسب، بل كانت في الآن ذاته عربون صداقة بين إيران وأمريكا كدولة مقابل دولة، وبين كوجيما الفرنسية و بوشهر الإيرانية كشركة مقابل شركة. وحين صارت إيران خصماً، بعد 1979 تحديداً، انقلب الحال رأساً علي عقب في ما يخصّ هذا التعاون، وبات رجيماً شريراً عسكرياً غير سلميّ ولا يسمح به المجتمع الدولي !وبمعزل عن حقّ إيران، وربما كلّ دولة شرق ـ أوسطية، في امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض مدنية، وحقّها، كذلك، في وضع خيار التكنولوجيا النووية العسكرية نصب أعينها، ما دامت الدولة العبرية ليست نووية فحسب، بل نووية دون حسيب أو رقيب أيضاً، فإنّ إعلان أحمدي نجاد الأخير لا يبدو وكأنه يأتي بجديد حقاً، خارج الخطاب الرسمي الذي يغذّي حسّ الديماغوجيا ويدغدغ العصبية القومية. وهذا لا يعني، البتة، أنّ الخطوة ليست مفيدة في تحريك المياه الراكدة هنا وهناك في مستنقعات الشرق الأوسط، وفي إعادة خلط بعض الأوراق، علي مستوي حروب تحسين المواقع في أقلّ تقدير، عند بعض الأطراف (وبينها النظام السوري، مثلاً) التي تري أنّ إيران بأسنان شبه نووية حتي في مستوي الأقوال، أفضل خدمة لهوامش مناوراتهم من إيران واقعة تحت العدسة المكبّرة لوكالة الطاقة النووية.والحال أنّ الإنتساب إلي هذا النادي النخبوي الجذّاب، نادي السلاح النووي، يبدو ضرورياً بالمعني الإستراتيجي في حالات محدّدة، وفي تطويق نزاعات لا يفلح في تطويقها إلا خيار درجة الصفر حين يهيمن توازن الرعب علي شروط النزاع، وحين يفرض حال التساوي في الحدّ الأدني من الخسائر الكارثية. وليس لأحد أن يتكئ علي اعتبارات أخلاقية أو سياسية أو اقتصادية، عقلانية تارة و بيئية طوراً، صادقة مرّة أو زائفة معظم المرّات، لتوجيه اللوم إلي الهند أو الباكستان أو إيران بذريعة أنها أحوج إلي التنمية الإنسانية من التنمية النووية، وإلي تطوير الحياة الفعلية في الشوارع بدل تطوير الكابوس النووي في الترسانة. وحتي يأتي اليوم الذي يُجمع فيه النظام الدولي علي تنظيم ديمقراطي متكافيء لشروط الإنتساب إلي النادي النووي، فإنّ من حقّ الجميع الإنتساب إليه دون الحصول علي أذن مسبق من الكبار الذين يحتكرون مجلــــس إدارته.لكنّ توازن الرعب هذا ليس له دين أو هوية ثقافية، كما يحلو للبعض أن يفلسف بين حين وآخر، وفي هذه الأيام الإيرانية النووية خصوصاً. ليست الرياضة جديدة، مع ذلك، فقد شهدنا أمثلة صارخة عليها كلما تعالي لغط حول اقتراب دولة إسلامية من امتلاك التكنولوجيا النووية. وقبل ثمانية أعوام وفي غمرة حماس شديد بدا أحياناً أشبه بعودة الروح إلي جثّة تحتضر، سارع عدد كبير من المعلّقين العرب إلي إطراء التجارب النووية التي أجرتها الباكستان آنذاك، من منطلق مركزي ـ شبه وحيد تقريباً ـ يضع هذه التجارب في خدمة القنبلة الإسلامية . البعض ذكّرنا بأن هنري كيسنجر هو الذي أطلق هذا التعبير في وصف البرنامج النووي الباكستاني، وأن كيسنجر قسّم نوويات العالم علي أديان العالم… بالقسطاط: قنبلة مسيحية في الولايات المتحدة وأوروبا، بوذية في الصين، يهودية في اسرائيل، سيخية في الهند، مسلمة في الباكستان، و… ملحدة في الإتحاد السوفييتي!فريق آخر من هؤلاء المعلّقين العرب ذهب أبعد في تفسير العصبية الأمريكية إزاء التجارب النووية الباكستانية تحديداً، معتبراً أن هذه العصبية ليست أقلّ من ذعر أمريكي علي مستقبل الدولة العبرية. وفي السياق هذا تبرّع البعض بإحاطتنا علماً أنّ الدولة العبرية خطّطت بالفعل لقصف المفاعل النووي الباكستاني عام 1988، بل وأرسلت طاقم مقاتلات إلي قاعدة عسكرية هندية لهذا الغرض، حتي لقد لاح آنذاك أنّ الهدف الإستراتيجي الأوّل من تنفيذ التجارب النووية الباكستانية لم يكن بلوغ توازن رعب من نوع ما مع الهند، بل مع الدولة العبرية!غير أن القنبلة الباكستانية لم تكن، وليست اليوم أيضاً، مسلمة إلا بمعني محدد وحيد هو أنها أُنتجت في بلد إسلامي الديانة، تماماً كما أن القنبلة الصينية ليست بوذية، والهندية ليست سيخية، والأرو ـ أمريكية ليست مسيحية. والقنبلة الباكستانية محلية في الجوهر، إقليمية ضمن نطاق ضيّق يكاد لا يتجاوز معادلات القوّة الثنائية الهندية ـ الباكستانية، أو يتسع قليلاً فقط ليشمل معادلات أخري ذات صلة بما تبقّي من تراث التحالفات القديمة التي سادت في نظام العلاقات الدولية أثناء الحرب الباردة وسياسات الاستقطاب. وغنيّ عن القول ـ استطراداً ـ إنّ التهليل العربي لهذه القنبلة علي أساس هويّتها الدينية ليس ساذجاً أو تضليلياً فحسب، بل هو مضحكٌ مبكٍ أيضاً، مثير للشفقة، ساطع الدليل علي حال فاضحة من التردّي والعجز والتعكّز علي الآخرين. ونعرف الآن أنّ كشمير أولاً، وكشمير ثانياً وثالثاً وعاشراً، كانت في أعلي لائحة أغراض تلك التجارب، ولم يكن هناك أي بند إسلامي علي جدول أعمال الجيش الباكستاني لكي يبتهج العرب باختبار القنبلة الاسلامية . ومنطقة الشرق الأوسط، ضمن هذا التعليل، هي الوحيدة التي تحتاج إلي قنبلة نووية من النوع الذي يحقّق توازن الرعب، ويعدّل انفراد الدولة العبرية بهذا السلاح، ويضع النزاعات العسكرية تحت سقف ثقيل أدعي إلي تأمّل طويل قبل الإنخراط في الحروب. وإذا كان ثمة قنبلة اسلامية علي غرار القنابل الأخري ذات الهويّات الدينية، فإنّ هذه القنبلة ينبغي أن تُبني في الدولة الأنسب سياسياً وحضارياً واستراتيجياً، أي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكان في وسعنا، نحن العرب، أن نحلم بأن تكون مصر أو العراق أو سورية هي التي تمتلك هذه القنبلة أوّلاً. بيد أن التجربة العملية برهنت أن هذا الهدف أكثر من خطّ أحمر ملتهب متفجّر، وأنه استدعي ويستدعي كامل إجراءات الردع والمنع والقمع، بما في ذلك القصف المباشر. فكيف إذا كانت الانظمة تابعة راكعة مستبدّة وراثية!وليس بجديد ـ قبل كوارث العراق، ولكن بعدها خصوصاً ـ أنّ إيران أخذت تحتلّ موقع الحاضنة الدبلوماسية لمعظم التبدلات ذات المعني في علاقة الشرق الأوسط بالعالم من جانب أوّل، وبالغرب والقوي العظمي من جانب ثانٍ، وللزلازل القائمة والزلازل القادمة، ولأعراض الإستقرار وأعراض انعدامه، ولوفاق الحدّ الأدني الذي يميل إلي المهادنة والتصالح، مثلما شقاق الحدّ الأعلي الذي قد يذهب بالتصعيد إلي حدود المواجهة العسكرية الشاملة. كذلك لا يخفي أن حاضنة إيران هذه هي من النوع الجيو ـ سياسي والجيو ـ عقائدي، النشط والديناميكي، الذي يتكئ علي امتيازات الموقع الحيوي ضمن المجموعة الإسلامية الشرق أوسطية والآسيوية، والذي يُحْسن المناورة علي موقع ليس أقلّ حيوية في المدارات الأصغر: الإثنية والمذهبية بصفة خاصة. ذلك يجعلها حاضنة التأزّم والتأزيم، وفي الآن ذاته حاضنة الحلحلة والحل.وإذا توجّب أن يستعيد المرء تنظيرات أمريكية عالية المستوي حول الإسلام والقنبلة النووية، فإن الأجدر بالاستعادة ليس هنري كيسنجر بل زبغنيو بريجنسكي، خصوصاً في سنوات عمله مستشاراً للأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر (أي عهد اتفاقيات كامب دافيد، لمن ينسي!). يومها طرح بريجنسكي نظرية قوس الأزمات الإسلامي الذي يقطع شبه القارّة الهندية ويمرّ بالشرق الأوسط العربي، فإيران وتركيا وأفغانستان والجمهوريات الإسلامية السوفييتية (آنذاك)، لكي يرتد علي نفسه في خطّ عودة يتقاطع علي هذا النحو أو ذاك مع تخوم البلقان. في سنوات لاحقة، حين تحرّر من ربقة الخطاب الرسمي، حاول بريجنسكي تفكيك أعراض القرن القادم، وتوقّف عند محطات القوس ذاته، ثمّ عاد القهقري إلي أقواس أخري سابقة، قديمة أو حديثة العهد.ولقد وجد أنّ التاريخ لم ينتهِ علي طريقة فرنسيس فوكوياما، بل (ربما علي طريقة بسمارك هذه المرة) انضغط في أقطاب، وتكثّف في أقليات، تتبادل الهيمنة والضغوط السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية ـ الحضارية. وفي كتابه الكلاسيكي إنفلات من العقال: الاهتياج الكوني عشية القرن الواحد والعشرين اعتبر الرجل أنّ عجز الولايات المتحدة عن ممارسة السلطة الكونية الفعلية (لأسباب غير اقتصادية في الواقع، بل سياسية وعسكرية)، سوف ينتج حالة من الإحتقان العالمي بدل الإستقرار. هذه، في قناعته، هي معضلة الإله زيوس وقد استوحد وطغي وتجبّر: ماذا يفعل هذا الإله المشبع بالأساطير وجبروت الأساطير إذا كانت الديمقراطية وعاء مرعباً يتوجب تعبئته بالمضمون الملموس، اجتماعياً وسياسياً ؟و… تعبئته ثقافياً أيضاً! ألم يكن الفخار القومي هو الذي جعل قلوب الإيرانيين تعمر بالسعادة، والإنكسار القومي هو الذي دفع بعض العرب إلي الإنخراط في… الفخار الإيراني؟9