شاعر التبدد اليومي

حجم الخط
0

شاعر التبدد اليومي

محمود نسيمشاعر التبدد اليوميافكر دائما، وانا اقرأ شعر الماغوط متمثلا صوره ومجازاته المرسلة، مفارقاته الضدية ولغته التي تبدو اعتيادية وشفوية، افكر في صورة الذوبان والتبدد التي اشار اليها (مارشال بيرمان) مستعيرا اياها من احدي فقرات البيان الشيوعي، تلك التي يجسد فيها ماركس واحدة من اعمق صور الحداثة واكثرها امتداداً وكثافة: الاشياء تتهاوي، المركز لم يعد صامدا، المقدس ينقلب الي دنس، الصلب يتبدد ويتحول الي اثير.هذه الصورة هي الدراما المركزية للحداثة الشعريه،بمداها الكوني وجلال رؤيتها، بقوتها المكثفة، تلميحاتها الكارثية الغامضة، وهي ايضا ـ في تصوري ـ الصورة المركزية في شعر الماغوط، حيث انكسار النماذج والتبدد اليومي في مدن شائهة وانتفاء المرجع سواء كان ذاتا او تاريخا، لغه او واقعا، وشيوع نموذج جمالي مداره الاساسي هو الذات المستلبة، الرافضة والمتمردة، المحاصرة في نهارات ضيقة ومكان محتجز.ان اول ما يمكن ان نلاحظه في شعرية الماغوط، هو ان العقيدة، نقيضا لما يظن كثيرون، صادرة عن ارادة بناء وتنظيم واعية، ما يشكل القصيدة هو حركة النظام لا حركة الكلمات والصور، داخل هذا النظام لعب فردي حر بالتشكيلات اللغوية والبصرية والايقاعية، وهنا اولي المفارقات واكثفها: نظام وارادة تنظيم للشكل، ولعبة تبدو مرسلة وعضوية واعتيادية.ورغم امتلاك الشاعر طاقة اكتشاف الكلمات ودلالاتها المتعددة الا انه غالبا ما يحصرها في معان احادية، كأنه يريد لعبة اخري: كلمات متعددة تحمل تناغما صوتيا مركبا ودلالات محددة محصورة احيانا في مجالها المعجمي المتواتر، كأنه بغني الكلمات وثرائها الصوتي يود التخلص من زوائد المعني، او كأنه يرد الصورة بالكلمات الي اصولها الاولي حينما كانت طقوسا او حينما كانت تدل علي اشيائها دون معان اصطلاحية تكونت تدريجيا لها.الكلمات هنا ـ في رهان مستحيل ـ هي الاشياء ذاتها، او هكذا يريد لها شاعرها ان تكون.لقد كان شيلر كما نعرف، هو اول مفكر يعزو الي اللعبة قوة تفسيرية، وذلك في اطار محاولته تحديد وظيفة الفن ولكنها لدي الشاعر، هنا، لا تقتصر علي وظيفتها بوصفها ما يشكل العلاقة التوليدية بين الكلمات، بل تتعدي ذلك لتصبح المبدأ المولد للعمل الشعري، اي بوصفها ممارسة تفضي الي انتاج النص، ويمكن هنا اجراء تحوير معين علي جملة شيلر الخاصة بالانسان اللاعب، فنستبدل الشاعر بالانسان في عبارته لتصبح الشاعر لا يلعب بالمعني الكامل لهذه الكلمة الا حينما يكون شاعرا، والشاعر لا يكون شاعراً تماماً الا حينما يلعب، هذا الاستبدال لا تفرضه القصيدة لدي الماغوط فقط وانما تبرره كذلك، فاللعبة لدي الشاعر ليست ضرورة فنية قدر ما هي ضرورة وجودية، لقد واجه الماغوط العالم، من زاويته المحتجزة، بلعبة لغوية، حادة، حرة وعضوية ومرسلة، ولكنها، كما وشت، لعبة منظمة صادرة عن ارادة بناء وقصدية تنظيم.وبشكل عام، يمكن اعتبار الماغوط شاعر مدينة بالمعني العميق، رغم أن عمالة المرئي لا تتجسد في مدينه ما.هناك بالضرورة أشياء المدن وعلامتها، المقاهي والأرصفة والحوانيت، المصابيح والممرات والبيوت، لكن هذه الأشياء توجد مستقلة عن إطار مكاني يجمعهما، رغم ذلك فهناك مدينه غير مسماة وغائمة التفاصيل، عابرة ولها أسرارها، مطلقة متحولة تتخذ أشكالاً ومواصفات، ولكنها لا تحل كاملة في أي من صورها، وتظل نائية، مستقلة بذاتها ومنطوية علي نفسها، وهي تمثل نقيضاً لتجارب المدينة التي ألفناها في الشعر.لقد كانت مدينة الستينيات، فيما يري محمود الربيعي، نقطة ارتكاز أبعد من كيانها المادي، حيث ارتبطت بالقلق الفردي والاستلاب الوجودي، مدينة البناء والسياج والبناء والسياج بلغة حجازي، المربعات والمثلثات والزجاج، المدينة الساكنة المصمتة، الجليدية، لقد توقف حجازي، الشاعر القروي، أمام المدينة بمعالمها المادية الترام والسيارة والمجنحة واللافتات المضاءة ومعالمها المعنوية السرعة والزحام واللامبالاة واستغرق في تجربة هجائية، ضدية، في حين يظل مغزاها العام ممتداً في الوصول إلي السيدة.ولكن مدينه الماغوط ليست موضــوعاً يــقابل ذات الشـاعر، هي ـ بتعبير مختلف ـ ليست جزءاً من ثنائية تهميش الشاعر وتفضي إلي التغرب والانسحاق، ربما يكون النقيض إذا إعتمدنا الثنائية مدخلاً لقراءة العلاقة بين الماغوط ومدينته، فهي موضع إغوائه، كامرأة، تسعي إلي ملامسته والامتزاج به في لحظة وجد، وفي حالة ثانية، يري فيها شيئاً يولد، فيحتويها ويبغي تثبيتها، عصية علي الزوال والمحو، وفي تلك الحالة تكون المدينة نازفة، ويحملها الماغوط بداخله متوحدة به.ولا يلجأ الماغوط عادة إلي المونولوجات الداخلية والتداعيات المرسلة، ولا يسعي إلي خلق معادلات للذات أو أقنعة، ولا توجد لديه استلهامات ما للتراث أو الأسطورة، وإن عالمه هو عالم السطح، عالم الموجودات المرئية، عالم الأشياء اليومية، الظاهرة، عالم السطوح والقيعان الموجودة والماثلة أمام الرؤية المباشرة بدلالات حدية، قاطعة، وأحادية، لا التباسات أو تأويلات.وفي تعامله مع أشياء العالم وظواهره الجزئية تلك، يفتقد الماغوط أحياناً إدراك الكلية التي تنتظم بها الظواهر والمرئيات، فينقل الأشياء ولا يكتشفها، يرصد العالم ولا يراه، فضلا عن أن بناءه للصورة يتم أحيانا وفق منطق شكلي يراه، فتبدو الصورة حلية أو زينة مضافة، ومزدحمة ومختلطة، وربما يضيق عالمه ليصبح صيغا محدودة لها نمطيتها الخاصة، فتقف القصيدة عندئذ وقفة مرتبكة بين أرضين. لكن الماغوط، وفي جميع حالاته، لا يتشابه أو يتكرر.إنه نسيج واحد.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية