عبد القادر الجنابي
كلما أعود إلي شعر الماغوط، تتأكد لي هذه الملاحظة التي أريدها أن تكون خلاصة مساهمتي في هذا الملف عن شاعر أصيل محترم لنقائه وطفولته الشعريتين:
لم يكتب محمد الماغوط أشعاره وفق مصطلح “قصيدة النثر” الذي لم يتم طرحه إلا بعد عام علي ظهور “حزن في ضوء القمر”، وسنوات علي معظم قصائده التي وفقا لسنية صالح أنها كانت مكتوبة كلها في شتاء 1956 وبقيت “مخبأة في الأدراج”… مصطلح أطلق عشوائيا علي محاولات كانت تريد إحداث ثورة إيقاعية داخل شعر التفعيلة (صايغ، الماغوط، جبرا).. ناهيك بأن أدونيس الذي اطلق المصطلح انتظر عرضا نقديا لأطروحة دكتوراه لطالبة فرنسية اسمها سوزان برنار في أسبوعية لويس أراغون “الأخبار الأدبية”، حتي يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير لهذا الجنس الأدبي غير المشطّر… والأنكي أن مجلة “شعر” لم تبادر أبدا بنشر ملف يشرح قصيدة النثر الفرنسية نموذجا وتنظيرا، لكي يطلع الشاعر العربي الجديد علي آفاق شعرية لم يعهدها من قبل. في نظري أن الماغوط القارئ النهم، الذي عاين عن كثب لغة الواقع البوهيمية بكل تشردها ومتاهتها في شوارع العيش الخلفية، مأخوذا بتدفق الصور وتدفق المعاني بأوزانها الخاصة، دون أن يستذكر العروض والتفعيلات أو يلبي التزاماتها.. كان يكتب شعرا حرا وليس قصيدة نثر. كما أن أي مقطع من شعر الماغوط، حتي الذي نشر بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، يدلل علي أنه مكتوب من داخل إطار التفعيلة لكن علي نحو طلق وحر: لأجلكَ أيّها الطائشأيّها الرخيمُ كالعصفورأمسك الملعقة من ذيلهاأمرِّرُها بين نهديّ كالزنبقةمنذ شهور وهو راقد بجوارنامتلألئا كالسّيف تحت المياهيكتب ويدخن ويبكيولا ينظر إلينا ( غرفة بملايين الجدران ص 121)ہأبيات مصدرها أوزان عربية وفق جوازات شعر التفعيلة، وهذا ما لانراه لا في شعر شوقي أبو شقرا، ولا في شعر أنسي الحاج الذي كان واعيا للمصطلح، ربما ليس علي مستوي النموذج الفرنسي، إلا في عدد صغير من القصائد… لكن بالتأكيد علي صعيد البيت – الجملة حيث الوقفة / التقطيع أشبه ببداية فقرة جديدة في عمل نثري طويل مقطع إلي فقرات. ومما يؤسف له أن معظم شعراء الشعر الحر اللاحر (قصيدة النثر العربية) وجد أسلوب التشطير كمحاولة توفيقية مع التراث. الشعر الحر مشتق من المصطلح الفرنسي Vers Libre “الشعر (والمقصود النظم) الحر”، الذي وضعه شاعر الرمزية غوستاف كان عام 1886 أي بعد مرور مايقارب ثلاثين عاما علي ظهور قصيدة النثر الفرنسية… ويرتكز علي وحدات مقطعية syllabes دون الالتزام بعدد ثابت لها. أي الانتقال من التفعيلة الثابتة إلي الإيقاع النبري المنفتح. وشعر التفعيلة العربي لايختلف كثيرا عن المبدأ فمرتكزه الوزني هو أيضا وحدة التفعيلة دون الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات. علي أن ما حصل من تطور أساسي للشعر الحر الفرنسي خلصته نهائيا مع ظهور السوريالية، من وحدة التفعيلة. الشيء نفسه حصلَ عندنا لكنه لم يؤخذ كتكملة لشعر التفعيلة، ولا كتطور منطقي للإيقاع الموسيقي يمليه روح العصر… وما ديوان “ثلاثون قصيدة” (انظر أنه لم يلحقها بـ”نثر”) لتوفيق صايغ، المطلع علي تطورات الشعر الحر الأمريكي، سوي علامة من علامات هذا التطور (أُجهِضَ في مهده) الذي كان يجب أن يُفهم علي هذا النحو وليس علي النحو الخاطئ الذي حد من ديناميكة مشروع الشعر الحر وحجب كل الآفاق التي كانت ممكن احتضانها كما حصل في العالم، وبالتالي شوّه حقيقة قصيدة النثر علي أنها تصد لشعر التفعيلة، وليس كجنس أدبي مستقل. وتجدر الملاحظة هنا إلي أن توفيق صايغ كان واعيا إلي أن شعره ليس قصيدة نثر وإنما شعر حر، وذلك بمحاولته التمييز بين ما سمي خطأ قصيدة النثر العربية كتمرد علي شعراء التفعيلة، وبين قصيدة النثر الحقيقية كنمط أدبي جديد، فنشر في مجلته “حوار” عددا من النصوص الشعرية (لتيريز عواد، أسعد عاصي، يوسف غصوب الخ وهي أقرب النماذج الشعرية المكتوبة بالعربية آنذاك إلي نموذج قصيدة النثر الأوروبية)، تحت عنوان “شعر بالنثر” وهي ترجمة للمصطلح الأمريكي: Poetry in Prose الذي بدأ بالانتشار في أمريكا اعتبارا من منتصف خمسينات القرن العشرين ويطلق علي نتاج قصيدة النثر الأمريكية.
كما أن الأعمدة الثلاثة لقصيدة النثر الحقيقية (إيجاز/ توتر/ جُزاف)، فقلما تتجلي في شعر الماغوط… ذلك أن الماغوط في قصائد كثيرة، يبقي يلهث دون توقف… بل ما إن يتجلي التوتر في شعره حتي يضيع في اللوذعية والضحك والسخرية الواقعية من العالم. وهذا بسبب ميله إلي مسرح شعري عابث ينطوي علي خطة ملفقة في ذهن المؤلف… وهذا تهديم للعمود الثالث “جزاف” أي أن تكون مادة القصيدة حادث لا معني له ولا غرضية شخصية.
باختصار: محمد الماغوط شاعر بكل ما تحمله هذه الصفة من تأويلات، إمكانيات وأضغاث أحلام… فمكانه ساطع في شمس الشعر الحر التي حجبها شعراء التفعيلة ورهط من جهلة النقاد.
شاعر من العراق يقيم في باريسانظر اطروحة جان كرمة عن قصيدة النثر العربية، باريس 1981