قصيدة شابة دائما وطازجة
صالح ديابقصيدة شابة دائما وطازجةتطرح تجربة الشاعر محمد الماغوط الشعرية والحياتية عددا من الأسئلة الجوهرية التي يمكن أن يكون الجواب عليها أفقا حقيقيا لتجربة عدة أجيال ليس من الشعراء فحسب بل من الأفراد العرب العاديين.فمعه لا يمكننا أبدا أن نفصل شعر الشاعر عن حياته ومحيطه، علي ما درج عليه دجالو الحداثة الشعرية العربية ومسوقو شعاراتها الذين مازال بعضهم يتشدق بها حتي الآن، تلك الشعارات التي قذفتها الأجيال الشعرية العربية الجديدة بعيدا وانتصرت للشعر الذي يذهب إلي الحياتي واليومي في لبنان ومصر وسورية والمغرب. هذه الأجيال برأيي انتصرت للماغوط شاعرا وانسانا. الحديث الذي كان يساق دائما عن أجداد قصيدة النثر العربية ومؤسسيها الأوائل كان دائما ضبابيا ويطغي عليه التكريم والمحاباة أكثر من الواقعي وقراءة التجارب الشعرية قراءة موضوعية. في هذا العالم العربي حيث تتداخل الحمية الطائفية وسائر الانتماءات الضيقة متغلغلة في عصب (النقد) والقراءات الصحفية التكريمية لاسماء كثيرة معومة صحفيا فحسب، فيما لا أحد يقرأها. أسماء موجودة بفعل الصحافة لا الشعر. شخصيا رافقني شعر الماغوط طيلة تجربتي وتنقلاتي. أذكر بعت كل مكتبتي الشعرية كي اذهب إلي بيروت، واستثنيت ديوان الماغوط. كنت أرتعد من مجرد التفكير بذلك. كأنما فعل ذلك سيجرح الجوهري فيّ كإنسان. دائما كان في نظري كقاريء شاعرا شابا، عصيا علي التصنيف الزمني، وقصيدته لم تكن يوما زمنية علي الاطلاق.كنا مشردين وكنا نردد قصائده وترافقنا في برد تشردنا.كنا مؤمنين وكانوا يثقبون آذاننا بالحديث عن كتاب الكتب وعن الترجمة الفريدة لبطرس البستاني، لكننا كنا نعود إلي جمل الماغوط غير المعقدة والتي لا تتوسل امالا وانزياحات مقصودة، وعقلانية، فوحده من كان يأخذنا من أعماقنا البعيدة.كنا شيوعيين،وكانوا يثقبون آذاننا بالحديث عن شعراء المقاومة، لكن ديوان الماغوط كان وحده في حقائبنا أو فوق الرفوف الصغيرة لغرفنا، كنا لا منتمين وكانوا يثقبون آذاننا عبر مقالات تضج برائحة الحقد الشخصي واشباع الانانيات بالحط من قيمة أدونيس الشعرية والشخصية والاعلاء من قيمة أنسي الحاج ومقدمته وشوقي أبو شقرا والحديث عن الاكتشافات الهائلة التي حققاها.ثم يدرجون اسم الماغوط كشاعر ثالث كتحصيل حاصل لا أكثر ولا أقل.لكننا كنا نلتهم كتب أدونيس ونختار من أنسي (الرسولة) متذكرين نشيد الانشاد دون ان نعير اهتماما إلي المقدمة. ولا يعلق الا القليل من شوقي في ذاكرتنا.كنا ننظر إليهما كشعراء كبار كبار فحسب. لكنهما كانا بعيدين عنا ولا يتجلي حضورهما في أي شيء نكتبه، اللهم الا اذا فكرنا بالتقنيات والقوالب الشعرية والهياكل والاساليب التي بدأت تتكرر في الشعر المترجم. بينما كان الماغوط هو الأقرب إلينا وهو الذي يقبض علي تفاصيلنا الروحية البعيدة، كان متفوقا عليهم جميعا في قصيدته، لكننا لم نكن نجرؤ علي الجهر بذلك، كانت هناك سلطة الصحافة والأسماء التي تردد أوتوماتيكيا أهمية أسماء أخري، أما واقعيا فكان الأمر بعكس كل الضجيج والتكريمات المجانية المجسمة لاسباب ليس الشعر وحده عمقها الحقيقي. واعتقد أن السبب في الاعراض واقعيا عن تجارب كثيرين من مجاوري الشاعر الماغوط هو علاقة شعرهم بالعالم وأشيائه العادية اليومية والتي حتي وان دخلت في القصيدة فإنها سرعان ما تتحول إلي مفاهيم مجردة تفتقر إلي حرارة الحياة ولا تعوض عن ذلك حرارة الكلمات وصياغاتها اللغوية. فلا تعود المرأة والحب والوطن والفقر والتشرد سوي مفاهيم جافة داخل اللغة ما ان تدخل المشغل اللغوي حتي تتحول إلي أوراق يابسة لا حياة فيها. وحتي عملية خرق المقدس تصبح عملية استعراضية فالكثير ممن كانوا ينادون بذلك هم من أشد المؤمنين واقعيا بالدين كنظرية وأسلوب عيش. هنا كتابة تعتمد علي اللغة لا الكلام.وهي علي أهميتها التأسيسية تدير ظهرها للحياة وحرارتها، فكل ما تسعي إليه من ثورة، هو تحقيق أكبر قدر من الخرق والانزياحات والاقتراحات داخل اللغة. وبرأيي أن هذه التجارب خسرت زمنيا وتحولت إلي تاريخ في الشعر العربي، بعكس نص الماغوط الذي يفلت من الزمن.كانت كتب الماغوط الثلاثة هي التي نتشربها وتنغرس في أرواحنا. وهي التي نقلدها في مسوداتنا الشعرية.كان مرآتنا السرية التي نخبئها ونري أنفسنا كما نحن عراة دون مكياج ولا ادعاءات ولا محاباة.كانت قصيدته تعبر عنا روحيا نحن الذين لا ننتمي لا إلي السلطة السياسية ولسنا أبناء في سلطة الصحافة، موهبته الفريدة التي لا تستمد قوتها لا من اللغات الاجنبية، ولا من الاطلاع علي شعراء العالم الكبار ولا من الجامعات والدراسات النقدية التي تدور حول الشعر شكلت سيرة روحية لاكثر من جيل عربي.كانت قصيدته شابة دائما، طازجة وحارة، كما لو أنها كتبت للتو. نقرؤها ونشعر بحرارة اللحم والدم ومأساة الفرد العربي المقهور الذي لا ينتمي إلا إلي انسانيته ولا يسعي الا الي ان يحقق هذه الانسانية ويعيش حياة بسيطة ويحقق متطلباته اليومية البسيطة من أكل وشرب وعمل وحب.كان يحتج فرديا علي محيطه الاجتماعي والسياسي، متمردا وحيدا،رافضا الوحدة والحرمان والغربة والاضطهاد والعبودية التي هي نظام مقنع في الزمان والمكان العربيين.ولكن من أين لقصيدته أن تبقي كل هذه السنين وتصمد بعكس الآخرين؟ ما الذي تميزت به ومن أين لها هذه المقدرة علي البقاء والاستمرار؟ هو الذي لا يهمه لا النظرية ولا التحطيم ولا خرق المقدس وتفكيكه ولا اختراق جدار اللغة ولا الكتابة عن المسكوت عنه وغير ذلك من الشعارات الاستعراضية التي ما زالت حتي الآن تجد من يروج لها دون ان نجد تجليا حقيقيا لها في النصوص.منذ البداية اختار الماغوط الكتابة عن أحاسيسه الذاتية والانطلاق منها إلي اللغة لا العكس، وقد استطاع رفع هذه الاحاسيس إلي مقامات شعرية عالية وجارحة. كان مجاوروه يتفلسفون متحدثين عن أهمية اللاوعي في الأدب والشعر وعن الامكانات الهائلة للنص الصوفي والهذيانات التي تتوسل السوريالية أفقا، والرومنتيكية، بينما كان هو منشغلا بما يعتمل في داخله من جوع. ما كان يهمه هو التعبير عما يلامسه مباشرة، حاجاته الملحة اليومية، والكتابة عنها بلغة ذهبت باتجاهين عميقين، عبر تحريرها للشكل الخارجي للقصيدة والداخلي أيضا.صوره الحارة، النضرة، المشرقة والحادة التي تسقط سقوطا وتذهب مباشرة إلي هدفها حزنا أو يأسا، رفضا وعدم قبول، وتوقا إلي حياة كريمة، وكشفا للاعدل واللاانسانية والبؤس الذي كان يصادفهم في يومياته. تلك الصور ما زالت تصدمنا بعذريتها ولا نستطيع أن نردها إلي مرجعية، وتظل ترسل سيلا من الايحاءات، وتنشر طيفا واسعا من روائح التمرد وعدم الرضا. الشعر هنا ليس سوي معبر للروحي الأعمق.لم يحتج لا إلي الاتكاء لا علي الاسطورة ولا علي النص الصوفي ولا التاريخ. معجمه الشعري ما زال حيا ويلامس ملامسة: الارصفة والحانات والبطالة والتشرد والمقاهي والحب والتبغ والسفر وباعة الخبز والعمل والمقاهي وفلسطين والاشارة إلي القضايا القومية التي كانت تمر أحيانا في بعض قصائده وتشكل جروحا في داخله. هذا المعجم صنع مناخات وعوالم حية لامست المشاعر المتكررة والأكثر عمقا لدي الفرد العربي، وقد أمسك بها نص الماغوط امساكا.كان هدف الشعر لديه القبض علي هذه المشاعر البسيطة والمباشرة التي يعيشها كفرد، في يومياته النافلة والتي تشكل حياة كاملة، والتي هي عميقا قضايا هذا الفرد وشعاراته الحقيقية. قصيدته التي تذهب بعيدا في الحياة وأشيائها الحسية لم تكن تهمل حياتها الروحية كقصيدة. من هنا نفهم الصوت الغنائي الحزين الذي يتولد من الحياة الروحية لكل قصيدة من قصائده. لعل ما يدهش في قصيدة الماغوط التي تعتمد علي الكلام وشفويته وبث طاقة شعورية حارة في تلافيفه، هو أن القماشة الشعرية التي نسج منها الماغوط شعريته لا تقع في المطبات المعروفة للنثر وأقصد التقرير والاخبار والوصف. فجمله القصيرة والمتفجرة، والتي تهدر في تدفقها لا تتميز بأي ارتخاء أو خلخلة وهشاشة، كما أنها ليست مشدودة شدا إلي الدرجة التي نشعر معها بتراكب هذه الجمل مع بعضها البعض، ونحس بالصنعة والتفكير العقلانيين. شحنات الاحتجاج الكبيرة التي تضمنتها قصيدته لم تدفعها أبدا إلي المباشرة والشعار. ضمير الأنا المكسور الذي يغلب علي القصائد والمحمولات الهائلة من الألم الذي نشعر به أثناء القراءة لا تحيل علي صدق التجربة الشعرية والحياتية فحسب بل وعلي حقيقتها أيضا. كلما قرأنا شعر الشاعر أوغلنا في حقيقتنا وبؤس تمركزنا خلف الصغائر، ودفعنا إلي أنه من العبث واللاجدوي تقنيع وطمس الحقيقي الصارخ، فالذهاب من الأحاسيس إلي اللغة هو الأعمق وهو ما يبقي وليس العكس، وأن حذف الألم الشخصي والافتتان بالتجريب اللغوي مروق علي الذات. وسيؤدي إلي صنع قصائد عابرة لن تصمد زمنيا، وأن هذا الأمر له حدوده، والا ستتحول التجربة إلي استعراض. حياته وآراؤه، وقوله رأيه بصراحة، دونما حسابات، وابتعاده عن الضجيج الاعلامي نحتاج إليها كي نتعلم منها دائما. سيبقي الكلام عن محمد الماغوط، دائما كلاما عن الفرد العربي المقهور، الذي لا يهمه واقعيا لا الأحزاب ولا النظريات بل تحقيق حاجاته اليومية الأساسية، كلاما عن الحقيقي الصارخ، عن اسمنا ووجهنا الجريحين. وستبقي قصيدته عبر ما تحمله من جماليات واقتراحات فنية لا نهائية حاضرة، دائما، في راهن الشعر العربي.شاعر من سورية يقيم في باريس0