الذي جعل من اليأس معرفة!

حجم الخط
0

الذي جعل من اليأس معرفة!

حسن نجميالذي جعل من اليأس معرفة!لم تمر إلا أسابيع قليلة علي فوزه بإحدي أرفع الجوائز العربية (جائزة سلطان العويس التي فاز بها قبله شعراء كبار من أمثال أودنيس، نزار قباني، محمود درويش، سعدي يوسف) حتي أسلم الشاعر العربي السوري الكبير محمد الماغوط الروح لباريها متأثرا، في العمق، بداء اليأس والفجيعة والحزن والوحدة.ومنذ أن فُجع في فقدان زوجته الشاعرة الرائعة سنية صالح (وهي بالمناسبة شقيقة الناقدة خالدة سعيد زوجة الشاعر أدونيس)، لم يعد الماغوط هو هو. كأن قطعة من جسده وروحه قد بترت أو كأن شيئا تهدم في أعماقه وكيانه. ورغم صمته الشعري العميق خلال السنوات الأخيرة، عاد ليكتب أجمل قصائد حياته في رثاء رفيقة العمر والشعر وضمنها ديوانه الأخير سياف الزهور (دار المدي، دمشق).كان الماغوط الشاعر العربي الأكثر يأسا، والأكثر عدمية، والأكثر سخرية في مواجهة واقع السلطة والخيبة والعجز والقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولفتت كتاباته الشعرية والنثرية، الإبداعية والصحفية، انتباه الملاحظين والنقاد حتي أن صحفا بريطانية وأمريكية كانت تواكب أخباره وتستشهد بخطابه الأدبي النفاذ المتفكه المر.في نهاية الخمسينات الماضية، وفي إحدي أمسيات جماعة شعر ببيروت، قرأ أدونيس بعضا من المقاطع الشعرية المثيرة والمدهشة علي من كان حاضرا، وطلب من زملائه أن يخمنوا لمن يكون هذا الشعر، فسارعوا الي القول بأنها للشاعر الفرنسي رامبو أو للفرنسي الآخر بودلير. وفاجأهم أدونيس بأنها لهذا الشاب الأشعت الخجول الذي كان مندسا بينهم، والذي كان قد وصل لتوه هاربا من الملاحقة وأسباب الخوف.وقتئذ، كانت حركة شعر في لبنان برئاسة الشاعر الراحل يوسف الخال قد فتحت الأفق من جديد لجرأة التجريب الشعري والبحث عن مكان لما سمي خطأ بقصيدة النثر (الشعر الحر) علي مساحات خريطة الشعر العربي الجديد. فانطلقت أصوات خلاقة تكتب حرية الفكر واللغة والذات بحرية الشكل الشعري والجمالي، أصوات كان من أبرزها الراحل محمد الماغوط بلا شك، لكن كان بينها شعراء آخرون كبار كأنسي الحاج، فؤاد رفقة وشوقي أبي شقرا. وطبعا، أدونيس الذي نشر عندئذ أول نص عن قصيدة النثر أصبحت له لاحقا قيمة تاريخية توثيقية أساسية الي جانب نص أنسي الحاج الذي وضعه كمقدمة لديوانه الشعري الأول لن .ومنذ مجموعته الشعرية الأولي حزن في ضوء القمر (1959)، ثم عمله الثاني غرفة بملايين الجدران (1960)، وصولا الي عمله الثالث الأكثر شهرة الفرح ليس مهنتي (1970)، رسخ الماغوط أسلوبا جديدا وفذا في الكتابة الشعرية المعاصرة. بل تخطي أسلوبه الشعري فضاء الكتابة كسواد علي بياض الصفحات، ليصبح – تقريبا – أسلوب حياة. وأصبح الواقع الشعري المتخيل، إعادة ترتيب مفارق للواقع المادي والذهني اليومي. وفيما كان الشاعر يبادل أصدقاءه البسمة والفرح العام، كان يحتفظ ببلور حزنه للقصيدة. ولعل الماغوط برؤيته الشعرية الأسيانة كان أحد أهم شعراء الإنسانية احتفاء بالحزن، وبالاخفاق والخيبة، وانكسارات النفس العزلاء، بل كان في الكثير من الأحيان ينتصر للهزيمة ويتفهم جروح المهزومين. فقد كان شاعرا طفلا لا يعرف كيف يزور الأسماء، ولم تكن له دبلوماسية الكلام التي تفضل الصمت أو تختار العبارة التي تقول الواقع وضده في نفس الآن.وبالنسبة إلينا في المغرب، في المغرب الثقافي والأدبي، لم ننجح في استضافة المرحوم محمد الماغوط. كان يعتذر لأسباب صحية، وحين قبل مرة بفرح، دعوة من اتحاد كتاب المغرب، ومن إدارة المهرجان الدولي بالرباط، فوجئنا بكونه فضل في آخر لحظة دعوة أخري من هولندا، وعلمنا أن وضعه الصحي لم يكن يحتمل أكثر من سفرين بعيدين، وأنه اختار أن يسافر ليقرأ شعرا وليعرض نفسه علي أطباء اوروبيين. ولم نيأس من أن يحضر بيننا في إحدي المناسبات، لكن حالته الصحية كانت قد بدأت تزداد سوءا، خصوصا حين آثر العزلة والشراب المسرف الفادح وترك جسده يتضخم بصورة مقلقة. وأصبحت العكازة ترافق رجفة يده.ومع ذلك، أحببناه كمرجع شعري عميق صادق، بالمعني الجمالي والأخلاقي، وككاتب مسرحي ودرامي مدهش، سواء في أعماله المسرحية: شقائق النعمان، العصفور الأحدب، المهرج، ضيعة تشرين، كأسك ياوطن، غربة، أو في أعماله السينمائية والتلفزية مثل: الحدود، التقرير والدغري، والتي ساعد بعضها الفنان دريد لحام علي الانتشار والتألق والشهرة الواسعة، قبل أن تتصدع العلاقة بين الرجلين.شاعر من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية