سر الشاعر

حجم الخط
0

سر الشاعر

حسام الدين محمدسر الشاعرفي سقيفة بيت جدي، وبين مجلات وكتب قديمة وحديثة وجدت مجلة اسمها الشرطة .كنت في التاسعة من العمر وكنت لخلل فيّ، لعلّه خجلي المفرط، مولعا بالقراءة.ورغم ان معرفتي بالواقع الحقيقي كانت واهية فقد تلمّست فطريّا نوعا من المفارقة في سبب وجود هذه المجلة، فقد كنت أعرف من الخوف الذي يتلبّس الناس في سورية ان الشرطي كائن مرعب فكيف يقوم هذا الموكل بترويع البشر واعتقالهم باصدار مجلة تشبه الحوليّات وتتضمن مواضيع قانونية وثقافية مفيدة؟لسبب غامض تثبّت في ذاكرتي الطرية اسم رئيس تحرير تلك المجلة.وستمر سنين طويلة قبل ان ادرك الحجم الهائل للمفارقة بعد اكتشافي ان رئيس التحرير ذاك لم يكن غير اكبر هجّاءي الشرطة والقمع في تاريخ الشعر العربي الحديث: محمد الماغوط.وظنّي ان اسناد تحرير الشرطة لمحمد الماغوط خلال اواخر الستينات من القرن المنصرم كان احد مساخر القدر التي نتجت عن احلام (أو اوهام) حكام تلك الفترة الايديولوجية (اتكلم عن مرحلة صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وعبدالكريم الجندي) التي تمثلت بفكرة الانقلاب والتغيير من فوق، فقد كان كافيا في اعتقادهم وضع اشخاص ثوريين علي رأس السلطة حتي ينقلب التخلف حداثة و النمليّة برّادا والشرطيّ غيفارا!لا أدري ما كان رأي الماغوط في تلك المرحلة لكن رفيقه في هجاء الأنظمة والقمع زكريا تامر تحدث عن هذه الفترة قائلا ان الماغوط كان يرتعش خوفا خلف مكتبه برئاسة تحرير الشرطة كلّما دخل عليه شرطيّ بسيط بورقة لتوقيعها او بمادة لنشرها.ولعلّ الماغوط كان يحكي عن حالة شبيهة عندما تساءل في قصيدة له: من أورثني هذا الهلعهذا الدم المذعور كالفهد الجبليما أن أري ورقة رسمية علي عتبةاو قبعة من فرجة بابحتي تصطك عظامي ودموعي ببعضهاويفر دمي في كل اتجاهكأن مفرزة أبدية من شرطة السلالاتتطارده من شريان الي شريان ہ ہ ہعام 8491، دخل الريفي البسيط ابن الـ41 عاما مدينة دمشق قادما من السلمية، معقل الاسماعيليين علي اطراف بادية الشام.كان أقصي ما يطمح اليه آنذاك (علي حدّ قوله) ان يتزوج ابنة عمه او ابنة جيرانه ويعيش بسلام، لكن دخوله السجن ( متحف الرعب كما يسميه) كان صدمة زلزالية غيّرت شخصيته للأبد وثبّتت في داخله خوفا وحزنا خالدين.لكن هذه الصدمة أطلقت، من جهة أخري، طاقة الشعر والابداع الهائلة في الانسان المقهور المزروع في جينات الشاعر منذ ما قبل ولادته.من السجن يخرج الماغوط عام 5591 بمسرحية المهرّج (التي قام السجناء بتمثيل بعض منها في سجن المزة وسيستخدم الرحابنة مادتها في تأليف مغناتهم ناس من ورق كما سيستعينون بالشاعر لتأليف المحطة ) وبقصيدة القتل التي سيفاجيء بها مجموعة مجلة شعر في بيروت وسيكون نشرها بداية حرث ثور الماغوط في صالة مرايا الشعر العربي تاركا، منذ ذلك الحين، تأثيرا لا يمحي علي الشعر العربي.في بيروت التي انتقل اليها سيلتقي الماغوط بالشاعرة سنية صالح (أخت خالدة سعيد زوجة ادونيس) التي ستكون رفيقة دربه وسببا اضافيا آخر لآلامه لاحقا بموتها المبكر (توفيت عام 5891 عن ابنتين: شام وسلافة، وثلاث مجموعات شعر الزمان الضيق و حبر الاعدام و قصائد )، وسيسجن هناك (عام 0691) مرة أخري للسبب نفسه (علاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يقول في مقابلة مع قناة فضائية انه لم ينضم اليه لقناعة مبدئية او ايديولوجية ولكن لأن مقرّه في السلمية كان قريبا من بيته وكانت فيه مدفأة علي عكس مقرّ حزب البعث!).عيش الماغوط الدائم هذا في قلب المفارقة سيتبدي واضحا في شعره القائم علي المفارقات والصور المتنافرة، والأمر نفسه ينطبق علي اختياره لقصيدة النثر التي أحبها ـ كما يقول ـ حبا من اول نظرة واول كرباج .يعزو الماغوط اختياره لهذا الشكل الشعري الي انه كان شخصا ملولا ولجوجا وانه كان هاربا وجائعا ومتشردا يبحث عن مخبأ او ملجأ يؤويه ولم يكن لديه وقت للقافية، وبذلك يعطي سببه الشخصي الأصيل لمعاصرة هذه القصيدة وعلاقتها بأحوال الحاضر.ہ ہ ہكان الشعر هو صرخة الماغوط الأعلي علي سفالات وبشاعات العالم لكن ذلك ينطبق بالقدر نفسه علي اعماله المسرحية والتلفزيونية ومقالاته الصحافية.من مقالاته التي اتذكّرها دائما واحدة يتحدّث فيها عن انشغاله بالبحث عن هدية يهديها لأمّه في عيد الأم فلا يجد بعد طول تفكّر الا أن يأخذها لأحد فروع المخابرات ليقوموا برفعها فلقة لأنها أنجبته في بلد عربي!ہ ہ ہعلي عكس انقلابيي وثوريي السياسة الذين عيّنوه رئيسا لتحرير مجلة الشرطة والذين سخر الواقع من أحلامهم الطوباوية بطرق مأساوية ( انتحر عبد الكريم الجندي وقضي جديد والأتاسي حياتيهما في السجن وتفرق الباقون نفيا وموتا وسجنا) أنجز الماغوط انقلابه الشعري الكبير وطبع الذائقة الشعرية العربية بمعالم صوته.لو حللنا هذه اللحظة وافترضنا ان الشاعر والحكام جاءوا من ارض الحلم الواحدة، فأين كان الخطأ الكبير الذي ادي لعصر اسود من الظلم والكوارث والهزائم!لعل الحالم الحاكم افترق عن الحالم الشاعر حين قرر ان الشعار اهم من الناس، وهو ما فعله ايضا كثير من الشعراء. وهنا، ربما، يكمن سر الماغوط وقيمته الكبيرة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية