حكايات عن الغرف المعلقة للكاتب العراقي زيد الشهيد: تمكن سردي في قصص قصيرة جداً

حجم الخط
0

حكايات عن الغرف المعلقة للكاتب العراقي زيد الشهيد: تمكن سردي في قصص قصيرة جداً

سليمان البكري حكايات عن الغرف المعلقة للكاتب العراقي زيد الشهيد: تمكن سردي في قصص قصيرة جداًتعتمد القصة القصيرة جداً اللقطة الفنية المكثفة، لتعبر المسافة من الخبر الاعتيادي إلي دائرة الإبداع التي تحتاج جهداً فنياً ذا معني، وبهذا فهي تحقق شكلاً أدبياً مستقلاً، لأنَّ حدثها وشخصيتها يتوهجان فنياً وإنسانياً بحساسية بالغة؛ ويرتبطان بالواقعية حيناً وبالتجريد حيناً آخر. ولهذا فان القصة القصيرة جداً ستكتب دائماً وفق بني لا تنتمي إلي ما هو سائد او متصور خطأ، لكونها اختزالاً للقصة القصيرة في عملية قيصيرية غير ناجحة لأنها تعكس حال تفجير ذاتية في أعماق القاص؛ يحتاج تجسيدها إلي طاقة فنية مضافة تتجاوز طاقته الاعتيادية وهو يكتب القصة القصيرة لان عبور المسافة بين الخبر المحكي نحو الإبداع الفني يحتاج تلك الطاقة المضافة (1)هذا النوع من الفن القصصي: أعني به ـ القصة القصيرة جدا ـ علي صلة دون شك بفن القصة القصيرة لأننا نتجاوز الواقع حين نقطع العلاقة بينهما هنا مجازي والصـلة بين الاثنين تتوضح في سرعة العرض عند كل منهما وفي حدود المساحة التي يصعب تجاوزها والحدث يجري في اختصار، يضاف إلي هذا اختزال الشخوص نحو الحد الأدني وميل شدي في المعالجة واعتماد التركيز والكثافة . ( 2) القاص زيد الشهيد مدرك بعمق لمفهومات القصة القصيرة جداً وقد تعامل بحذر شديد وحساسية مع هذا النمط الصعب من السرد فحقق نصوصاً قصصية لها خصوصيتها أوضحت قدرته وامكاناته السردية الفنية لهذا النوع الخاص من السرد بعد رحلة إبداع بدأت في مجموعته القصصية مدينة الحجر الصادرة عام 1994. حكايات عن الغرف المعلقة (3 ) في قصصها القصيرة جداً احتراق ذاتي عذب للقاص في طقوس كتابته الجديدة عبر زمكانية الأحداث اليومية وكثافتها في تشكيلها وانعكاسها في وعيه وخلق شفراتها والتعامل معها في آلية تدوينية جديدة للقصة القصيرة جدا، قسَّمها إلي ثمانية أقسام، حمل كل قسم منها عنواناً مستقلاً تبعه بعدد من القصص تعامل فيها السرد فنيا بثيمة واحدة حملت خصوصيتها واختلفت مع قصص الأقسام الأخر.في القسم الأول من المجموعة الذي يحمل عنوان مراثي الوجدان بين الشواهد نقرأ أربع قصص هي وصية / وفاء / مراثي الحزن / زيارة أخيرة تكشف عن آلية فنية سردية تعتمد بنية لغوية متماسكة تضيء علاقة ذاتية / داخلية لنماذج القصص مع أعزّاء رحلوا إلي العالم الآخر. السرد يتألق فنياً في تجسيد معاناة الشخوص الساردين / الزائرين لقبور أحبائهم في شعائر حزن ونزق داخلي / ذاتي وبحث عن خلاص في غرائبية فهم الشخصية وعلاقتها بالراحل وهو ما تجسده قصة وصية حين يطلب السارد أن يُدفن بعيداً عن قبر أمه لأنها ستموت كمداً عليه لو وجدته ميتاًُ. وفي قصة وفاء تردُّ الزوجة وهي تغادر المقبرة علي تساؤل زوجها المدفون في أرض خضراء: متي تعودين؟ فتجيبه: إنها مجرد أيام ولن يطول غيابي .في قصة مراثي الحزن رثاء الوالدة لأبنها والطلب منه أن يسامح زوجته التي لم تعد تلتقيه بين شواهد المقبرة لأن أفق عودته من القبر بات بعيداً في حين تتضح أمام الزوجة آفاق أخري تزخر ببريق القادمين .في القسم الثاني من المجموعة وعنوانه ( غوايات ) نقرأ سبع قصص قصيرة جداً حقق فيها السرد المعني القاموسي لمفردة غواية وجمعها غوايات التي تعني المحبة، التي تؤدي إلي الأذي والألم وربما الهلاك في سردية فنية طويلة النفس تعاملت مع العلاقات التي تفرض وجودها بين الشخصيات داخل النصوص القصصية في ممارسة لها وعبر تعامل فني مُحدث قائم علي أساس قانون الجدل الذي يري أن كل الأشياء في الحياة تحمل نقيضها دائماً. السرد يضيء النصوص في فضاءات الحدث محققا رؤي إنسانية في أبعادها المختلفة المتناقضة علي المستويين الخاص والعام، يتضح ذلك في مرأي الأطفال والصبية الذين غيَّر سخام المازوت الفاحم سحنةَ وجوههم في قصة غواية المازوت وهم الذين أحبوا الركض واللحاق بالسيارة التي تطلق مازوتها الذي ينثر السخام علي وجوههم.في قصة غواية المطر كشفٌ لعلاقةٍ غير منظورة بين إسماعيل والفضاء الخارجي ورواد الفضاء ومرض اسماعيل جراء ممارسته اللعب تحت المطر وعلاقته بكلبة الفضاء لايكا وأمنية عمره أن يكون رائدَ فضاء، هذه السردية تشير إلي زمن خاص من عمليات غزو الفضاء بين الاتحاد السوفيتي سابقا CCCP والولايات المتحدة الأمريكية USA والصراع القائم بينهما. وسط أزمة العلاقة بين العملاقين يطرح السارد رؤيا غريبة فإذا إسماعيل صديقه القديم قد تحول إلي نيل آرمسترونك الأمريكي أول إنسان تطأ قدمه أرض القمر؛ ويتساءل: لماذا؟ والجواب يتضح في مفهومات قانون الجدل العلمي الذي يحكم الأشياء في خضم الحياة التي تعج بالنقائض في وقت أو أوقات لم يدركها ويعرفها الإنسان لكنها تفرض وجودها عليه، هكذا حقق آرمسترونك غزو القمر قبل كاكارين رغم تفوق الثاني الكبير في هذا المجال، وهو الشخص الأول الذي حمل لقب رائد الفضاء بعد رحلته الشهيرة في الفضاء الخارجي. وتظل ذكري إسماعيل عائمة في صفحات الحياة اليومية تمر بين الأصدقاء كحدث ماض يستذكرونه بمحبة لكن بمرارة وأسي داخل النفس والروح. في قصة غواية الذباب صورة أخري لموضوعة قانون الجدل تتضح في تناقض موقف الصبية والأطفال الذين يحبون اللعب مع الذباب رغم سوءاته وقذارته وأوساخه، ويكرهون السيارة التي تكافحه بالغاز السام. بين عملية المكافحة وانقضاء أيام أخر يعود الذباب مرة ثانية للظهور فيقيم السرد مفارقته الفنية في التعامل مع نقائض الأشياء وعلاقتها ببعض والتحولات والتغيير الذي يحدث في جوهر العلاقات. في قصة غواية المرتفعات بنية فنية سردية توظف علاقة متوازية بين كاثي و هيثكلف بطلي رواية مرتفعات وذرنك للكاتبة أميلي برونتي وبين زيد وحبيبته التي يكلمها ليلاً من خلال الهاتف وسوء الفهم الذي تقع به قارئة مرتفعات وذرنك في فهمها للرواية عبر العلاقة السلبية لـ هيث مع كاتي وتصوراتها الخاطئة في تشابه موقف حبيبها زيد مع موقف هيث من كاتي فترد عليه بكلمات الخيانة والزيف والاحتقار.في قصة غواية الفلسفة فشل العلاقة العاطفية بين السارد وحبيبته رضية أشبه بفشل العلاقة بين كلارك كيبل وفيفيان لي في فلم ذهب مع الريح هذا التوازي والتشابه في البنية الفنية والعلاقة بين شخوص القصة يقود إلي قطيعة أبدية دائمة هي في حقيقتها شكل من أشكال المأساة بالنسبة للعاشق المحب الذي يبتعد عن حبيبته جراء واقع أخر يفرض وجوده عليه ولا يستطيع الوقوف بوجهه، وهذه صور حية وآلية فنية يحققها السرد من خلال فهم السارد لموضوعة قانون الجدل الذي يتحقق في أقامة علاقات تناقض بين الأشياء والأحداث والإنسان وهو ما تحقق بشكل فني في قصص الغوايات التي ختمها القاص غواية الدفلي مع هامش همسة إلي ابتسام في تعامل فني يلتقي بالأفكار والعلاقات والنهايات الحزينة لقصص الغوايات السابقة.في توهجات أطياف نائية عنوان القسم الثالث من قصص المجموعة ثلاث قصص قصيرة جداً هي بهاء أثيري و اكتشاف و إمرأة باكية . ثيمة القصص الثلاث تشترك بموضوع واحد هو الأمومة في سرد فني بنيته لغة شعرية حزينة تكشف عن حالات مأساوية يعيشها شخوص القصص وهم ثلاثة أطفال وثلاث أمهات في صور وأحوال مؤلمة تكشف عن عمق المأساة لعلاقة الابن والأم ومشاعر وعواطف الاثنين في أحوال خاصة / الفراق / الرحيل / الموت / تفصح عن مشاعر فياضة متدفقة العواطف من كلا الطرفين، إبدع في كشف أعماقها السارد بلغة شعرية عالية وبنية فنية سردية ارتقت بالقصص الثلاث إلي أفق مبدع في القصة القصيرة جداً.في القسم الرابع من المجموعة سوناتات في ظل الحصار ثلاث قصص هي: بطاقتان / طفلان / مصوغتان تكشف عن واقع مأساوي عاشه الشعب العراقي أيام الحصار ومفارقات الأحداث فيه. السارد وضع كلمة سوناتات جمع لمفردة سوناتا التي معناها لحن موسيقي ذو طابع حزين لآلة مفردة كالبيانو أو آلتين بيانو وكمان يكشف عن فهم المأساة. والسرد اقام بنيته الفنية وحقق حالاً موازاة بين الحدث في ثلاث قصص كشفت عن قدر الإنسان وهو يعاني آثار الحصار بحثا عن لقمة عيش وزمن آخر للحياة.في قصة وعاء الليل معاناة لأم مريضة مع طفلها المريض بفعل الفقر والجوع يداهمها الموت في عمق الليل لحظة يتبادلان ذكريات حياتهما المشتركة، صورة الموت تتري في القصة اللاحقة تنور للحياة.. تنانير الأسي في شخصية أم صابر وهي تواجه أيام الحصار القاسية، معاناتها ومعاناة ابنتها الصغيرة وعدم قدرتها علي مواجهة صعوبات الحصار تؤدي بها إلي المرض والموت.تعامل السرد مع موضوعة الحصار ومأساة نماذج القصص التي تنتهي بفجيعة الموت وحقق نصوصاً قصصية ذات قيمة فنية تعاملت مع المأساة بأبعادها الحقيقية وكشفت عن وعي، وآلية سردية ـ لبنية القصة القصيرة جداً في تعاملها مع موضوعة الحصار. في القسم الخامس من المجموعة ثلاث قصص أخذت عنوانا واحداً أمهات يقدّم فيها السارد ثلاث نماذج لأمهات عراقيات يجمعهن الحزن والإحساس بالوحدة في معاناة يومية دائمة . فنية السرد تتجلي في خصوصية كل أم عن غيرها في عمق معاناتها وإحساسها بالخيبة والمرارة جراء تقدم العمر وابتعاد الأبناء في زمن الحاجة لهم.في القسم السادس من المجموعة ثلاثية ثانية عنوانها وقائع قروية يوظف فيها السارد مفهومات الواقع والسحر والغياب والحضور توظيفا فنيا في تداخـــل المعقـول واللامعقول من خلال دمج الواقع بـ اللاواقع الذي يقترب من الأسطـــــورة في الواقعة الأولي وتتضـح سماته بجماليات الفراشـــــة وعذوبة رسمية في الواقعة الثانية ومفارقة استلام رسالة الحب التي تشبه العلك في الواقعة الثالثة .ختام قصص المجموعة عنوان قصصي سميت به هو حكايات عن الغرف المعلقة احتوي خمس قصص هي إحباط / خواء / حطام / اشراقات غاربة / مجاهيل . اعتمدت فيها البنية السردية وحدة المكان مندمجة بوحدة الشخصية وارتباطها بحدث مأساوي. والحدث هنا ينطلق من الإحساس بالخواء والوحدة كما في قصة إحباط ، وعبثية الحياة ومفردات الماضي الجميل وتصورات المرأة التي تعيش واقعا مأساوياً أنساها غرفتها الجميلة في قصة خواء ، وزمن المأساة الطويل وأثره في تحولات الفتاة العاشقة الجميلة المغرمة إلي امرأة عجوز عجفاء تمد يدها للآخرين طلباً للمساعدة في قصة حطام ، وزوجة تكتشف بالمصادفة أن زوجها بعد عمر طويل من حياتهما المشتركة قد تزوج امرأة أخري في الوقت الذي كانت تحمل بيدها قارورة عطر تروم تقديمها هدية له فتسقط القارورة من يدها وتتهشم علي أرضية الشارع، في صورة فنية دقيقة رمزية لتهشيم حياتهما في قصة اشراقات غاربة ، ومعاناة الشخص الغائب عن زوجته في بلاد الغربة حيث يعامل بقسوة وعنف في الجانب الآخر تبرز معاناة الزوجة جرّاء وحدتها وبطء زمنها في حركة الأيام التي تنتظر فيها عودة حبيبها الغائب في قصة مجاهيل . ناقد من العراق(1) سليمان البكري ( رأي آخر في القصة القصيرة جداً )، جريدة القادسية ـ بغداد 20/11/1987.(2) د. كمال عيد / فلسفة الأدب والفن / الدار العربية للكتاب ـ تونس 1978.(3) حكايات عن الغرف المعلقة / قصص قصيرة جداً للقاص زيد الشهيد / دار أزمنة للنشر والتوزيع ـ عمّان ـ الأردن 20040

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية