الغارة العالمية المنظمة علي العالم الإسلامي
د. عبدالوهاب الافنديالغارة العالمية المنظمة علي العالم الإسلاميفي مطلع التسعينات اعترضت وزارة الخارجية البريطانية علي مطالب تقدم بها عدد من نواب البرلمان البريطاني وبعض الجمعيات الطوعية لاتخاذ إجراءات عقابية ضد السودان عبر مجلس الأمن. وكان رد الوزير المسؤول علي من تقدم بهذه المطالب وقتها أن مجلس الأمن قد فرض خلال فترة وجيزة عقوبات ضد العراق وليبيا، وإن اتخاذ خطوة مماثلة في حق دولة عربية مسلمة ثالثة قد يعطي الانطباع بأن الغرب يشن حملة مبرمجة ضد العرب والمسلمين.هذا التمنع البريطاني لم يطل كثيراً، حيث قام مجلس الأمن في عام 1996 بفرض عقوبات ضد السودان علي خلفية عملية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في العام الذي سبق. وكانت الولايات المتحدة قد سبقت بإضافة السودان إلي قائمة الدول الداعمة للإرهاب (وهي في معظمها دول إسلامية) في عام 1994. وقد تطورت الأمور سريعاً بعد ذلك، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001، حيث لم تعد الدول الغربية تلقي بالاً لمثل هذه الاعتبارات. فقد بادرت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في تشرين الاول (أكتوبر) من عام 2001، بدعم دولي قوي، ثم أعقبت ذلك بغزو العراق عام 2003 بدعم دولي أقل. وهي مشغولة هذه الأيام بإجراءات تستهدف إيران والسودان وسورية، إضافة إلي قيامها وحلفائها الغربيين بفرض عقوبات ضد الفلسطينيين. يأتي هذا في وقت كثر الحديث فيه عن الإرهاب كأخطر تهديد يواجه الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، وكثر فيه أيضاً الربط بين الإسلام والإرهاب. وقد كثر أيضاً الجدل حول بواعث الإرهاب ومبرراته، وكان هناك ترجيح لكون بواعث الإرهاب ترتبط بغضب المسلمين من السياسات الغربية، وخاصة السياسات الظالمة تجاه الفلسطينيين. وقد قبلت الإدارة الأمريكية جزئياً بهذا المنطق حين قررت علي أعلي المستويات إطلاق حملات لكسب عقول وقلوب المسلمين وخطب ودهم كجزء من حملتها لمكافحة الإرهاب. ولعله من الطريف أن وزير الخارجية البريطاني الأسبق دوغلاس هيرد، الذي دار في عهده الجدل الذي أشرنا إليه أعلاه حول العقوبات علي السودان، كان أيضاً ممن قلل من عواقب السياسات الغربية الجائرة ضد المسلمين. وفي تصريح له مشهور عقب حرب تحرير الكويت ذكر هيرد من كانوا هددوا بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا وطئت أقدام القوات الأجنبية أرض الحرمين الشريفين وشنت منها الحرب علي العراق، ذكرهم بأن القوات وصلت وأقامت في الجزيرة العربية، وشنت الحرب علي العراق، ولم يحدث شيء مما خوف منه الناس، سواءً أكان ذلك مظاهر احتجاج شعبي أو إسقاط أنظمة صديقة أو ما إلي ذلك. ولكنني استمعت إلي نفس السيد هيرد وهو يعقب علي خطاب ألقاه رئيس الوزراء الحالي توني بلير، ويسفه مقولة بلير بألا علاقة لما تعرضت له بريطانيا من أعمال إرهابية وسياسة حكومة بلير المؤيدة لغزو العراق والمساهمة النشطة فيه. ولا أدري إن كانت مقولة هيرد تعبيرا عن صحوة ضمير وإدراكا لما كان لا يعترف به في السابق، أم مجرد كيد سياسي ضد حكومة حزب مناوئ.مهما يكن فإن التحركات الغربية الحالية تعطي الانطباع الذي كان هيرد يتخوف منه حول حملة منظمة تستهدف العالم الإسلامي، وأهم من ذلك فإن من يتولون كيد هذه الحملات لم يعودوا يحفلون بهذا الأمر أو يتخوفون منه. فلو كان هناك أدني اهتمام بمشاعر الأمة الإسلامية، أو بأي اعتبارات إنسانية، لكان في مضاعفة الحصار علي الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال أمر يحاذر منه كل عاقل. وفي الحديث أن إمرأة دخلت النار لأنها حبست قطة فجوعتها حتي الموت. وإذا كان في تجويع القطة الواحدة ما يورد مورد التهلكة، فما بالك بتجويع شعب بكامله كما حدث في العراق من قبل، ويحدث في فلسطين اليوم، وينتظر أن يحدث في إيران قريباً؟ هذا الاستهداف يذكر بأسوأ عهود الاستعمار، حيث تكالبت الدول علي العالم الإسلامي، واستباحت حماة، حيث دخلت العلاقة بين الطرفين الآن في حلقة مفرغة، تقوم علي الإخضاع والابتزاز، ثم الاعتبار رفض الخضوع جريمة تستحق العقوبة. فالفلسطينيون مطالبون اليوم بإعطاء المشروعية لسلب حقوقهم، وإذا رفضوا اعتبروا مارقين. وبالمثل فإن تملك التقنيات التي تسهل الدفاع عن النفس ضد الغزو، أو مجرد شبهة تملكها، تعتبر جريمة يعاقب صاحبها، وهو تعبير آخر عن عدم الثقة في المسلمين. بل ان كثيرا من المسلمين والعرب استبطنوا هذه المواقف التي تضعهم في مكانة من تجب الوصاية عليه كونه دون مستوي بقية البشر. فالاعتراض علي غزو العراق استند علي حجة أن الدعوي بتملك أسلحة دمار شامل كانت كذبة، كأنه لو صح تملك العراق لهذه الأسلحة أو أي أسلحة أخري، وهو حق مشروع لكل دولة ذات سيادة، وعلي أساسه تم اختيار الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فإن هذا يبرر الغزو. وبالمثل فإن إيران تحتج اليوم بأنها لا تريد تملك أسلحة نووية، كأن امتلاك هذه الأسلحة جريمة. في حين أن الجريمة الحقيقية هي عجز هذه الدول عن الدفاع عن نفسها ضد الهيمنة والغطرسة، وقابليتها للابتزاز والاستعمار.لماذا إذن كل هذا التجرؤ علي اضطهاد المسلمين والاستخفاف بمشاعرهم، وعدم مراعاة الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع قضاياهم؟ والإجابة بسيطة، وهي أن المسلمين هم أول من ينكر إنسانيته ولا يضع لها اعتباراً. حصار العراق مثلاً كان مطلباً عربياً إسلامياً قبل أن يكون مطلباً أمريكياً غربياً. وحصار العراق ما كان يمكن أن يتم وكل الدول المجاورة له دول مسلمة بدون تواطؤ كامل من هذه الدول، وبالمثل الحصار ضد ليبيا في السابق وسورية وفلسطين اليوم وإيران والسودان وغيرها غداً. بل إنه كان هناك كثير من العراقيين، إن لم تكن هناك أكثرية، تؤيد حصار العراق وتجويع أهله وتجد له المبررات. وبالمثل فإن الحصار العسكري علي العراق وقصفه ثم غزوه فيما بعد تم بمباركة عربية ودعم عربي إسلامي، وعبر أراض وأجواء عربية. بل إن إيران التي تشكو اليوم من استهداف غربي محتمل لا تجد غضاضة في التفاوض مع الأمريكيين حول أفضل السبل لتثبيت احتلالهم للعراق وجني ثمار ذلك الاحتلال. يمكن إذن أن يقال ببساطة ان الأمة الإسلامية هي التي تحاصر نفسها عبر وكلاء أجانب.هناك من يقول ان المسؤول عن كل هذا هم الحكام المستبدون. فكل الدول التي واجهت الحصار أو الغزو أو وضعت علي لائحة من يدعم الإرهاب (العراق، السودان، ليبيا، سورية) هي دول تحكمها أنظمة غير ديمقراطية ارتكبت الكبائر في حق شعوبها قبل أن تستهدف مصالح الغرب. بل إن زعماء هذه الدول صرحوا بالقول والفعل عن استعدادهم لخدمة مصالح الأجنبي والتخلي عن كل مالا يرضي عنه (من برامج تسلح أو دعم لثورات وغير ذلك) مقابل أن يرضي عنهم السادة الأجانب ويتركوهم ليمارسوا استبدادهم في حق شعوبهم. ولا شك أن هذا اتهام صحيح في مجمله. ففي أضعف الإيمان فإن هذه الأنظمة هي التي بررت للاستهداف الأجنبي ووفرت له الذرائع بممارساتها المخجلة في حق شعوبها. ولكن يبقي عجز هذه الشعوب عن اقتلاع هذه الأنظمة في حد ذاته مدعاة للتأمل.صحيح أن هذه الأنظمة أنظمة قهر واستبداد، يستبد بأمرها حاكم فرد أوحد، وهي تقمع الرأي الآخر وتحظر الأحزاب وتحجم مؤسسات المجتمع المدني ولا تسمح بأي نشاط لا ترضي عنه في أي مجال، حتي في مجال الاقتصاد. ولكن هذا الحاكم الفرد يكون في غالب الأمر قابع في قصره، بعيد عن الناس. والذي يمارس القمع فعلاً علي الأرض، ومن يبرر له وينظر له ويزينه، هم الآلاف من الجلاوزة، والإداريين والقضاة والمحامين والصحافيين والجامعيين والكتاب والعلماء ورجال الدين وكوادر أخري لا حصر لها. وكل واحد من هؤلاء يؤدي دوره المرسوم الذي لا تكتمل الحلقة إلا به بهمة ونشاط، وبالطبع كل له مبرراته من وجهة نظره.الساسة الغربيون إذن لهم أيضاً مبرراتهم، فهذه أمة ميتة استهدافها مبرر ومشروع كما كان استعمارها في الماضي جائزاً ومطلوباً. ولا لوم علي إنسان وجد صيداً فاصطاده، بل يكون اللوم عليه لو لم يفعل.9