الرجل الذي تحدي الانتداب؟
شمس الدين العجلانيالرجل الذي تحدي الانتداب؟ تحتفل سورية العربية في السابع عشر من نيسان (ابريل) بذكري جلاء المستعمر الفرنسي، وبهذه المناسبة نستذكر معا تاريخ رجل من رجال بلادي كان من صانعي الاستقلال. جميل مردم بك، تذكروا هذا الاسم جيدا، انه رجل من رجالات سورية ناضل ضد المستعمر الفرنسي وكان كبقية الرجال الذين صنعوا استقلال سورية، كان يناضل بالدم والعرق والمال في سبيل اعلاء كلمه سورية، ولتبقي راية الوطن هي الراية الخفاقة في الافق. جميل مردم بك هو الرجل الذي قال لمندوب فرنسا السامي اخرج من مكتبي. فمن هو هذا الرجل: جميل مردم بك: ينتسب هذا الرجل الي اسرة دمشقية عريقة، ولد في دمشق عام 1893 وبدا دراسته فيها، وبعد ان انهي تحصيله الثانوي قصد فرنسا لاستكمال تعليمه، كان همه الاول ان يتقن العلوم الزراعية من اجل تحسين استثمار ممتلكات العائلة من الاراضي الزراعية، وانتسب في الوقت نفسه الي معهد العلوم السياسية في باريس، وفي العام 1911 اسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف جمعية سرية سميت الجمعية العربية الفتاة في باريس، لتحرير الارض العربية من الهيمنة العثمانية والاجنبية. في العام 1913 انضمت بعض الجمعيات السرية الي الفتاة في الدعوة الي مؤتمر للعرب يعقد في باريس، وانعقد المؤتمر فعلاً وعرف باسم المؤتمر العربي وشارك فيه ممثلون عن جميع الاقاليم العربية، وكان جميل مردم بك واحداً من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر وشغل فيه وظيفة امين السر العام المساعد، وكانت مهمته تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية للعرب، وصدرت عن المؤتمر قرارات تم تبليغها للدول العظمي ولسفير الامبراطورية العثمانية في باريس، ومنذ ذلك التاريخ فرضت القضية العربية نفسها علي الراي العام بصورة متعاظمة. وعندما صدرت موجات الحكم بالاعدام من قبل محكمة عليا علي رواد القضية العربية، كان مردم بك لا يزال في فرنسا، وعلي الرغم من ذلك صدر الحكم عليه بالاعدام غيابياً، وبعد ان نجحت الثورة العربية واعلنت الهدنة، قصد الشريف فيصل بن الحسين اوروبا من اجل الدفاع عن التطلعات العربية بعد انسلاخ الاقاليم العربية عن الامبراطورية العثمانية، وقد انضم جميل مردم بك الذي كان لا يزال في فرنسا الي الشريف، واستطاع في شهر شباط (فبراير) 1919 ان يُسمع صوت سورية في خطاب القاه اثناء مؤتمر الصلح في فرساي، وكان الشعار السوري المطروح امام المؤتمر هو ان سورية، كما استطاعت ان تسهم في حدود امكانياتها في المجهود الحربي للحلفاء، فانها لا ترفض المساعدة الفنية من الغرب، ولكنها حريصة علي ممارسة سيادتها الكاملة، وان تكون هذه السيادة محترمة ومعترفاً بها علناً. واحسنت اوروبا استقبال الشريف فيصل، ولكن مهمته اصطدمت بعقبات عديدة، وعاد مردم بك الي ارض الوطن برفقة الشريف فيصل عام 1919، واصبح من مستشاريه. انضم جميل مردم بك الي حزب الشعب، الذي اعلن في العام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، واسهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية التي كان لواؤها معقوداً لسلطان باشا الاطرش، وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وامرت باعتقال زعماء الثورة استطاع جميل مردم بك، والدكتور عبد الرحمن شهبندر الفرار والوصول الي مدينة حيفا في فلسطين، واصدرت سلطات الانتداب الفرنسي الحكم عليهما بالاعدام غيابياً. وفي عام 1928 انتخب نائبا في البرلمان عن مدينة دمشق، وفي شهر كانون الاول (ديسمبر) من عام 1946 شكل الحكومة السورية واعاد تشكيل الحكومة في تشرين الاول (اكتوبر) من عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدات العمليات الحربية في ايار (مايو)، 1948 وادخل اصلاحات جذرية في جهاز الجيش، وفي شهر كانون الاول (ديسمبر) 1948 قدم مردم بك استقالة الحكومة، وكان السبب الحقيقي فشل الجيوش العربية في فلسطين. وكان الرجل عارض بشدة الموافقة علي الهدنة الاولي والثانية اثناء الحرب، والتي كانت الموافقة عليهما سبباً مباشراً للهزيمة، ولكنه اضطر في المرتين للموافقة تحت ضغط المصريين والعراقيين والاردنيين الذين كانوا لا يزالون يعانون من الاحتلال البريطاني، وكانت الحكومة الوحيدة التي تساند سورية هي الحكومة المستقلة التي يراسها رياض الصلح في لبنان. وبالاضافة الي ذلك رفض مردم بك التوقيع علي اتفاقية التابلاين حيث وجد ان نصوصها ليست في صالح سورية، كما رفض قبل ذلك التوقيع علي الاتفاقية النقدية مع فرنسا لانها ترهن الاقتصاد السوري للاقتصاد الفرنسي، وبعدها رفض اتفاقية الهدنة التي دعيت سورية لتوقيعها في رودس.غادر مردم بك سورية في كانون الثاني (يناير) 1949 واقام في القاهرة، حيث نشر في شهر ايلول (سبتمبر) من عام 1954 تصريحاً اعلن فيه رسمياً اعتزاله الحياة السياسية، ولم يكن قد تجاوز الواحدة والستين من العمر، وفي التاريخ المعاصر كان المثال الفريد للزعيم السياسي الذي يعتزل الحياة السياسية وهو في اوج نشاطه، وفي الاول من شباط (فبراير) 1958 دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس القوتلي عند التوقيع علي الاعلان عن الوحدة بين سورية ومصر. وافاه الاجل في عام 1960حين قال اخرج لمندوب فرنسا:بتاريخ 26 ايار (مايو) من عام 1945 شهدت شوارع دمشق موكبا عسكريا حافلا، تزار سياراته بصفاراتها الحادة، عربات جيب عسكريه. ضباط وشرطه. سيارات مدرعة ومصفحة. الموكب يخترق شوارع دمشق محيطا بسيارة فاخره تحمل العلم الفرنسي، ويصل الموكب بسلام الي وزاره الخارجية، وتقف السيارة الفاخرة، ويقفز الجنود حولها ويتقدم احدهم ليفتح الباب للجنرال الفرنسي (بينيه) مندوب فرنسا السامي. يتمختر الجنرال (بينيه) بكل عظمة هو وكل الاوسمة والنياشين التي علقها علي صدره، ويدخل مع شلة من ضباطه الي مبني الوزارة قاصدا مكتب الوزير. ولم يكن يدري هذا الجنرال ان وزير الخارجية آنذاك جميل مردم بك قد عجن بالوطنية، وتلقي اول درس في حب الوطن من صدر امه ولم يكن عمره آنذاك الا اياما قليلة. لم يفاجا الوزير بدخول الجنرال الفرنسي لان الضوضاء التي احدثها هو وموكبه العسكري الحافل، لفتت انتباه الوزير فاتجه الي النافذة ليري ثكنة عسكريه قد انتقلت الي امام وزارته. دخل الجنرال وكل نياشينه الي مكتب الوزير بدون موعد او استئذان، والقي تحيه الصباح علي الوزير مردم بك، الذي رد عليه بكل بروده الاعصاب وهو يشغل نفسه ببعض الاوراق التي كانت علي مكتبه، فتقدم الجنرال للوزير بمذكرة تتضمن مطالب فرنسيه من الحكومة السورية، فتناولها مردم بك واخذ يقراها بكل هدوء بعد ان طلب فنجان قهوة لنفسه دون ان يطلب للجنرال اي شيء. وبعد مرور قرابة الربع ساعة قال الوزير ان سورية لا تستطيع قبول ما جاء في المذكرة، فرد عليه الجنرال وهل تستطيع سورية عدم القبول وابتسم بسخرية قائلا هل تعتقد سورية انها دوله مستقلة لكي ترفض طلبات فرنسا؟ فابتسم مردم بك هو الآخر بسخرية ووقف وكل عنفوان رجالات سورية معه قائلا: وهل تعتقد فرنسا انها دولة عظمي لكي توجه هذه المذكرة الي سورية؟ واشار الي باب مكتبه قائلا اخرج من مكتبي. عقدت الدهشة لسان الجنرال وتراقصت كل النياشين علي صدره، ولم ينطق بكلمة واحدة، انما لملم نفسه وجرته قدماه الي باب المكتب، وخرج من وزارة الخارجية السورية مهزوما منكسرا. وادرك الوزير مردم بك ان هذه الحادثة ستكون لها ذيولها، ولا بد من وضع رئيس الجمهورية بصورة هذه الواقعة، فتناول سماعه الهاتف يطلب رئيس الجمهورية والذي كان آنذاك الوطني الكبير شكري القوتلي، وقص الوزير علي الرئيس ما حدث فقال القوتلي للوزير: انت غلطان لانك لم تقطع رقبته، او علي الاقل ان تأمر بالقائه من اعلي درج الوزارة. هذه هي سورية وهؤلاء هم رجال سورية وصانعو استقلالها، فهل عرفتم هذا الرجل الذي قال لمندوب فرنسا السامي اخرج من مكتبي لانه تطاول علي الوطن علي سورية؟ انه جميل مردم بك واحد من عشرات بل مئات رجالات سورية المجبولين بالكبرياء وحب الوطن الذين صنعوا استقلال سورية، لا تنسوا هذا الرجل انه واحد من رجالات سورية والامة التي لا تقرأ تاريخ رجالاتها لا تستطيع بناء مستقبلها. ہ صحافي وكاتب من سورية[email protected]