ليس دفاعا عن الشيعة… ولكن ردا علي الرئيس مبارك

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

من المؤاخذات المهمة علي الغربيين محاولاتهم ربط الاسلام بالارهاب بسبب ارتكاب بعض المسلمين المتطرفين اعمالا ارهابية. هذه المؤاخذة يطرحها السياسيون كما يطرحها علماء الدين، وينبري لها ايضا اعلاميون وسياسيون غربيون، لان المنطق السوي يمنع تعميم ما تمارسه مجموعة صغيرة علي ممارسات أكثر من مليار انسان، فهو أمر غير منطقي وليس مقبولا. فليس هناك من ينكر ان بعض المسلمين المتطرفين يمارسون اعمالا ارهابية، فتلك حقيقة تؤكدها الوقائع اليومية، ولكن ما ليس مقبولا اعتبار المسلمين مرتبطين بالارهاب، أي تعميم افعال البعض علي الكل، وهو أمر يرفضه المناطقة وعلماء الكلام. فلم يتحدث السياسيون البريطانيون عن ارهاب ايرلندي أو ارهاب كاثوليكي خلال فترة المواجهات العسكرية بين الجيش الجمهوري الايرلندي والقوات البريطانية. ويشعر الرأي العام العربي والاسلامي بامتعاض شديد عندما يستعمل الاعلام الغربي مصطلحات من نوع الارهاب الاسلامي او الارهابيون العرب. وسعت الجهات المعنية في بريطانيا، ومنها الشرطة، قبل بضع سنوات للتوصل الي تسميات واوصاف للذين يمارسون الارهاب لا تتضمن اسلوب التعميم، ولا تجرح مشاعر الاغلبية من المسلمين الذين يمارسون حياتهم اليومية بعيدا عن التطرف والارهاب، واتفق بعضهم علي ربط الارهاب بالجهة المحددة التي تمارسه، وليس بالدين او العرق الذي ينتمي اليه الارهابيون.

وعلي هذا الاساس لم يكن الرئيس حسني مبارك موفقا عندما أطلق تصريحاته الخطيرة في مقابلته مع قناة العربية متهما المسلمين الشيعة فيها بأنهم أكثر ولاء لايران من اوطانهم. الرئيس مبارك ليس شخصا عاديا، بل رئيس أكبر دولة عربية ولكلامه أبعاد سياسية وأمنية. ولو ان مسؤولا مصريا صرح علي شاشة التلفزيون ان اليهود المصريين (وعددهم لا يصل المئة شخص) أكثر ولاء لـ اسرائيل من مصر لما بقي في منصبه يوما واحدا. ولو قال آخر بان اقباط مصر أكثر ولاء للفاتيكان او للكنيسة الشرقية في اليونان من مصر لحدثت ضجة كبيرة وتواصلت أصداؤها في العالم. ولذلك استغرب الكثيرون ادعاءات الرئيس المصري لأسباب عديدة. فهو قد مارس اسلوب تعميم غير علمي وغير موضوعي، معتبرا عموم الشيعة ذوي ولاء للجمهورية الاسلامية الايرانية يفوق ولاءهم لاوطانهم، ولم يتحدث عن بعضهم. وثانيا انه برر ما يمارسه الارهابيون المتطرفون ضد اشخاص المسلمين الشيعة ومساجدهم ومؤسساتهم في العراق، ثالثا انه أصبح يتحدث بمنطق يهدف للتمزيق والتفتيت ولا يساهم في التوحيد، وهو أمر لا ينسجم مع رئيس دولة يفترض ان يبحث دائما عن وسائل التقريب والتفاهم والحوار بدلا من التشاحن والبغضاء. رابعا ان الرئيس مبارك بتصريحاته يؤسس لثقافة استعداء بعيدة عن اللباقة والدبلوماسية، وهو امر لا ينسجم مع موقعه وما هو متوقع منه. لقد كان امرا مزعجا ان يصدر عن رئيس مصر تصريحات مثيرة للجدل خصوصا في ما يتعلق بالانتماء المذهبي. فمصر، بشكل خاص، أبعد ما تكون عن روح التعصب والطائفية، وهذا ما يشهد به تاريخها. فقد حكمت من قبل الفاطميين في القرنين التاسع والعاشر الميلادي، وقام احد قادتهم، جوهر الصقلي، في العام 969 ببناء مدينة القاهرة لتكون عاصمة الخلافة الفاطمية المحسوبة علي الشيعة. وقاموا بتشييد الجامع الازهر، ذلك الصرح الاسلامي العملاق الذي يعتبر اليوم المرجعية الدينية لقطاع واسع من المسلمين السنة في العالم، بموازاة مدينتي قم الايرانية والنجف العراقية لعموم المسلمين الشيعة. ومصر التي تشرب أهلها بحب آل بيت رسول الله، لم تتراجع عن موقف الاعتدال والتقريب بين المذاهب الاسلامية حتي عهد قريب. ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي احتضنت القاهرة دار التقريب بين المذاهب الاسلامية، التي كانت اكبر مشروع للحوار والتقريب بين اتباع المذاهب الاسلامية في العصر الحديث. واستقبلت القاهرة علماء كبار من المسلمين الشيعة من بينهم السيد محمد تقي القمي، والشهيد نواب صفوي، في اطار الحوار الديني الذي تواصل علي مدي اكثر من عقدين. ومصر هي التي أطلق مفتيها آنذاك، المرحوم الشيخ محمود شلتوت، فتواه الشهيرة بجواز التعبد بالمذهب الشيعي، والذي أطلق مفتيها الحالي، الشيخ محمد طنطاوي، هو الآخر، فتوي مشابهة. هذه المواقف لها قيمتها الحضارية لانها تتجاوز الاختلافات الفقهية وتؤكد المشتركات العقيدية الاساسية، وتعكس بذلك عمقا فكريا متميزا واستيعابا واقعيا لقيم الاسلام وتعليماته ورسالته. مصر هي التي يمثل مسجد الحسين قلب عاصمتها، وما يمثله ذلك المسجد من اداة تقريب وتآلف بين المسلمين، في الوقت الذي ترفض (مصر) فيه التطبيع مع الاسرائيليين، برغم السعي المتواصل من حكامها لفرض ذلك التطبيع. فهي تتحرك بدوافع وتوجيهات غريزية بعيدة عن التوجيه السياسي والمذهبي، لتسير علي خط التقريب بين العرب والمسلمين، وتتعالي علي محاولات التفتيت والتمزيق واضعاف الصف الواحد. من هنا جاء رد الفعل الغاضب من جهة المسلمين الشيعة في الدول التي يمثلون فيها نسبة كبيرة من السكان، بعد ان شعروا بان تصريحات الرئيس مبارك اثارت شكوكا حول ولاءاتهم الوطنية، الامر الذي لا ينسجم مع ما يحملونه من مشاعر عميقة بالانتماء للامة الاسلامية عموما، ولأوطانهم بشكل خاص. صحيح انهم يشعرون بالقرب الفكري والمذهبي من ايران، ولكن ما يشدهم اليها هو ما يشد الجهات المناضلة في العالم العربي لها، من مواقف سياسية قوية ازاء السياسات الغربية الهادفة للهيمنة علي شؤونها وخيراتها، وتوجهات ترفض الاعتراف بالاحتلال الاسرائيلي، وسياسات داعمة للجهات المجاهدة من اجل فلسطين. ولم يسجل التاريخ المعاصر حالات فاقعة لازدواجية الولاء في صفوف المسلمين الشيعة في البلدان العربية التي يمثلون فيها نسبة كبيرة كدول الخليج. ومن أوضح الامثلة علي هذه الحقيقة تصويت المسلمين الشيعة في البحرين في 1970 لصالح قيام دولة عربية مستقلة تمارس الحكم علي اساس التعاقد مع الشعب في اطار دستور تعاقدي يكتبه الطرفان. كان شاه ايران آنذاك يطالب بالبحرين، ويعتبرها جزءا من ايران بناء علي فترات حكمهم لها في الماضي. قرر المواطنون في ذلك الاستفتاء التصويت لصالح استقلال بلدهم عن ايران، واقامة نظام دستوري عصري يحقق للعائلة الحاكمة وجودها السياسي، ويسمح للمواطنين بالشراكة السياسية الحقيقية. ومن غرائب الامور ان يطلق الرئيس الليبي في العام التالي (1971) تصريحا خطيرا يطالب بطرد المواطنين الشيعة من دول الخليج، وابعادهم الي ايران، معتبرا ان الشيعة ايرانيون. تلك التصريحات اثارت لغطا شديدا في المنطقة، واظهرت غياب التوازن والحكمة من خطاب بعض الزعماء. جاءت تصريحات القذافي بعد قرار الشاه السيطرة علي ثلاث جزر في الخليج قريبة من الساحل الذي يضم المشيخات التي دخلت لاحقا في الاتحاد الاماراتي. هذه النزعة التشطيرية لدي بعض الزعماء يؤكد الحاجة لقيام أنظمة سياسية ديمقراطية تمثل شعوب المنطقة بشكل عادل، وتمنع التطرف، ايا كان مصدره او معتنقوه، من الهيمنة علي البلدان والشعوب بصورة مطلقة. وتتواصل أيام التاريخ، ليكشف مجددا مدي ولاء المواطنين من المسلمين الشيعة لاوطانهم. فخلال الاجتياح العراقي للكويت، بقي هؤلاء علي ارضهم ولم يفروا منها، في الوقت الذي لاذ رموز العائلة الحاكمة بالفرار. كان باستطاعة الشيعة الكويتيين ان يقفوا مع الاجتياح، ويعبروا عن رغبتهم في الالتحاق بالعراق الذي تقطنه أغلبية شيعية، ولكن الشعور الوطني منعهم من ذلك. فشعورهم بالانتماء للامتين العربية والاسلامية يدفعهم للصمود في مواقعهم، ومواجهة اعداء امتهم بدون كلل او ملل. وقد وقف فقهاؤهم في قم والنجف بصلابة ازاء الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، فأفتي فقهاؤهم مثل السيد محسن الحكيم والامام الخميني، بجواز دفع اموال الحقوق الشرعية للمقاومة الفلسطينية منذ الستينات، ولم تتغير تلك المواقف حتي اليوم. هذا في الوقت الذي اعادت فيه مصر والاردن علاقاتهما مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، وفتحت أبوابهما للسياح والتجار الاسرائيليين. يضاف الي ذلك ما جري في جنوب لبنان ووقوف المسلمين الشيعة بشجاعة واستبسال ضد قوات الاحتلال الاسرائيلية، حتي اليوم. وفي الوقت الذي اوقف الرئيس مبارك اي دعم للمقاومة الفلسطينية وأغلق الحدود المصرية بوجه من يرغب في مقاومة الاحتلال، كانت حدود الجنوب اللبناني مفتوحة امام عناصر المقاومة اللبنانية والفلسطينية، وليس سرا القول بان حزب الله الشيعي، المدعوم من ايران، هو الذي حقق اول انتصار حقيقي علي قوات الاحتلال الصهيونية، وما يزال يدعم، ضمن الاطر المتاحة له، بقية اطراف المقاومة الفلسطينية، بدون الالتفات للخلافات المذهبية والانتماءات الطائفية. ولطالما تغني شعراؤهم بالانتماء للعرب والاسلام، والدفاع عن فلسطين باعتبارها القضية الجوهرية في الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الاوسط. اما في مصر مبارك فقد تعرض المسلمون الشيعة للتنكيل والاضطهاد، شأنهم شأن المناضلين الآخرين الذين طالما اكتظت بهم السجون بسبب مواقفهم ورفضهم الاستبداد والظلم. وها هم عناصر الاخوان المسلمين يقتادون بالعشرات الي السجون بدون سبب قانوني معقول. يقول الدكتور سعد الدين ابراهيم في مقال بعنوان: اضطهاد الشيعة في عصر مبارك نشره في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي برغم تراث مصر الشيعي العريق إلا أن السلطات الأمنية المصرية يحلو لها أن تجعل من هذه المسألة الوجدانية العقيدية قضية أمن دولة، فتلقي القبض علي المتحدثين أو النشطين من آل البيت، بتهمة الانتماء إلي تنظيم شيعي يهدف إلي قلب نظام الحكم. وكالعادة حينما يتم القبض علي هؤلاء فهم يتعرضون للتعذيب والتنكيل، لكي يعترفوا أو يتوبوا وينيبوا عن معتقداتهم، وكأننا عدنا إلي عصر يزيد والحسين. فيا للجهالة، ويا للجاهلية! . وتقول منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: ان ما يحدث اليوم هو تكرار لنمط بدأ مع أول حملة اعتقالات ضد الشيعة في مصر عام 1988 وتكرر في أربع حملات بعدها. كان هذا النمط يبدأ مع حملة عشوائية من القبض التعسفي علي أفراد لا يجمع بينهم سوي انتمائهم للمذهب الشيعي، ثم تعذيبهم بكافة الأساليب في محاولة لانتزاع اعترافات قد تساعد علي تكوين قضية، وبعدها تبدأ حملة التشهير الصحافي المصحوبة باتهامات العمالة للخارج وتهديد الأمن القومي، ثم تنتهي القضية ويطلق سراح المحتجزين دون إحالتهم للمحاكمة بعد أن يكونوا قد قضوا فترات من الاحتجاز قد تصل إلي ستة أشهر. حدث هذا لما لا يقل عن 124 مواطناً مصرياً ألقي القبض عليهم في الحملات الخمس الكبري التي وقعت منذ عام 1988. ولا شك أن هذا الرقم لا يمثل العدد الحقيقي لمن ألقي القبض عليهم في هذه الفترة دون أن تحصل قضاياهم علي نفس الاهتمام الإعلامي الذي حازته هذه الحملات الخمس.

لقد كان حريا بالرئيس مبارك القيام بعدد من الامور: اولها وقف الاضطهاد للمواطنين المصريين علي اسس دينية او مذهبية او سياسية، وتحسين اوضاع حقوق الانسان عموما، وثانيها: وقف التحرش المتواصل بالاخوان المسلمين واطلاق سراح سجناء الرأي من هذه الجماعة وغيرها. ثالثها الانتقاد الصريح للاحتلال الاجنبي للعراق، ورابعها: تسليط الاضواء علي الدور الاسرائيلي في هذا البلد العربي الكبير، وخامسها ان يقوم ـ مع بقية الحكام العرب ـ بكشف هذا الدور، واعتبار ذلك خطرا علي الامن القومي العربي، وتهديدا لسيادة العراق وأمن شعبه. وسادسها وقف التطبيع مع العدو الاسرائيلي ومحاصرة نفوذه في مصر والمنطقة، وعدم اتاحة الفرصة له للتمدد والانتشار. سابعها رفع لواء التقارب بين المسلمين والعمل لتوحيد مواقفهم ومنع تصدع جبهتهم، والتعالي علي الاختلافات الفقهية المذهبية، ومنعها من التأثير علي تماسكهم ووحدة صفهم. اما التعرض للمسلمين الشيعة في ذلك البلد بالشكل الذي حدث فلا يخدم مصالح امتنا في شيء، بل يوجه الاوضاع نحو المزيد من التوتر والتشطير والطائفية والمذهبية. فهل هذا ما يسعي الرئيس مبارك لتحقيقه؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية