أنتجته مافيا التخلف في الاعلام المصري: مجتمع مختل ثقافيا
هويدا طهأنتجته مافيا التخلف في الاعلام المصري: مجتمع مختل ثقافياهل فعلا فاجأنا سفاح الاسكندرية بجريمته؟! لا.. لم يُفاجأ المصريون.. مثقفين واعين كانوا أو قابعين في قاع المجتمع، فبغض النظر عن (صدمة وقوع البلاء رغم انتظاره) عندما تحول الي دماءٍ بالفعل تسيل.. كنا جميعا نترقب مسبقا تلك الجريمة.. وان لم يكن أحدنا بالطبع يعرف متي تتم وكيف تنفذ ومن تكون الضحية القادمة، وجميعنا الآن نعرف أن جريمة أخري ستأتي.. في بقعة ما من مصر التي أصبحت منطقة كوارث، كوارث ثقافية وسياسية واقتصادية وحضارية وعلي كل مستوي من مستويات حياة البشر، فتلك الجريمة لم تكن الا قشة واحدة ضمن كومة قش.. تستعد لتفتيت ظهر مصر.. الذي يثقله أصلا هرم من الكوارث.. يتربع علي قمته بالفعل.. مختلٌ عقليا. وهذا المختل عقليا.. ليس هو ذلك (السياف) الذي راح يقطع بسيفه رقاب الناس في كنائس الاسكندرية.. متي كان السيافُ قاتلا؟! بل واضع السيف في يده هو القاتلُ.واضع السيف هذا هو من تجب محاكمته.. فردا كان أو (ثقافة)! هو من حاولت بعض التحقيقات الاعلامية مرئية ومكتوبة ومسموعة الاشارة اليه، بغض النظر عن كون المحاولة جادة أو ذرا للرماد! لكن شيطان الطائفية الذي يطل برأسه في مصر دوريا.. تغذيه جذور في المجتمع تعفنت كلها أو كادت: تعليم رديء.. فقر متفش.. قهر سياسي يضغط من قمة الهرم علي قاعدة بعرض مصر.. كبت اجتماعي.. تخلف ثقافي.. واعلام كارثي، ربما لا يتسع المجال هنا الا لتناول هذا الأخير.. الاعلام.. وما يفعله في شعوب تصحو وتنام أمام التليفزيون، في الفضائيات.. انتهت ـ مؤقتا ـ من نشرات الأخبار مشاهد الاشتباكات والقتل والعنف بسبب الهجوم (المختل حضاريا) علي كنائس الاسكندرية.. تلك المشاهد المخيفة التي قفزت ذات صباح علي شاشات التليفزيون.. لتتحول من خبر عاجل بلا تفاصيل الي خبر علي رأس عناوين الأخبار قبل أن ينتهي في ذيلها حتي اختفي، وفي الأثناء ناقشته البرامج الحوارية الحية في معظم الفضائيات، هكذا أخذ الخبر دورته وأفتي كلٌ بما في صدره قبل بدء هدنة جديدة، بمتابعة ما قدمه الاعلام من تلك الوجبة الدموية الساخنة تكتشف حقيقة ـ بمنتهي البساطة وبلا أي مبالغة ـ أن مصر (علي المستوي الديني) ليس بها مشكلة قبطية، أتعرفون؟ المشكلة في مصر هي مشكلة اسلامية! وربما كان اللقاء الاعلامي الدال والأقوي فعلا هو استضافة قناة دريم في برنامج العاشرة مساء لرئيس تحرير تقرير الحالة الدينية في مصر نبيل عبد الفتاح.. فقد كان الأكثر الماما بأبعاد الكارثة المصرية من بين كل من تحدثوا عن هذه الجريمة، رغم أنه ليس من هؤلاء المتنافسين في سوق المحللين السياسيين.. الذين وجدوا في الفضائيات متنفسا للأفكار.. والأرزاق! المشكلة اسلامية لأن الجريمة وكما قال عبد الفتاح: لم تكن نتاج لحظة.. وانما كانت تفجيرا للحظات متراكمة.. راكمها علي مر العقود الماضية خطاب اسلامي أصولي متشدد ، فذلك الخطاب الذي يصنع صورة سلبية للآخر المسيحي (القبطي في السياق المصري) هو المسؤول عما آلت اليه الأوضاع الدينية في مصر.. هو المسؤول حتي لو قابله خطاب ديني للأقباط يصنع هو أيضا صورة سلبية للآخر المسلم في نفس السياق، فالأقباط في مصر قلة عددية (لكنها قلة عددية دينيا فقط وليس عرقيا أو اثنيا أو غير ذلك) مما يجعل خطابهم السلبي ـ بداهة ـ رد فعل وليس فعلا ابتدائيا، ذلك الخطاب الاسلامي السلفي الذي أصاب مصر ومصرييها علي يد عمال أميين عملوا لضيق العيش في الصحراء السعودية.. أو علي يد نخب متعلمة عامت في بحر النفط السعودي فعادوا جميعا الي مصر حاملين لهذا الوباء.. وراحوا ينقلونه الي البقية الباقية التي وان نجت من صحراء ونفط الوهابية لم تنج من حاملي العدوي العائدين، وكان أن تفشي العرض الأساسي للوباء في مصر.. عدم قبول حامل العدوي للآخر .. حتي وان كان من دمه ولحمه ووطنه، اشتد العرض حتي السقم.. حتي صاروا لا يكتفون بتحليل حرمان ذلك الآخر من الحياة بل أنهم (يقررون) حرمانه من الجنة بعد قتله! هذا السقم الثقافي جعل من المجتمع المصري كله مجتمعا مختلا ثقافيا، اختلت قيمه المتسامحة عبر الدهر واختلت مكانته الحضارية التي فاض بها النهر عبر آلاف السنين، واختلت أدواته العصرية ـ كالاعلام ـ الذي صار كارثيا عندما فتح شرفاته لتجار الدين، ليحولوا جنات المتقين التي وعد بها الله الي مشروع (منتجعات) استثماري.. يدخله من يخضع أو من يدفع، تجار الدين هؤلاء بعضهم وجهاء في المجتمع.. يرهبونك ان انتقدت نهجهم، في برنامج القاهرة اليوم علي قناة أوربت أشار أحدهم الي قول د. أحمد كامل أبو المجد: الأقباط في ذمتنا ولهم علينا الحماية ! ذمة؟! مفهوم متخلف (مذموم) لم يعد له في العصر الحديث مكان.. يكرره كل يوم (دكاترة) علي مسامع الناس، متلحفين بميزة (غلبة العدد) دون التوقف أمام بداهة عصرية تضع (الدكتور) والقبطي كليهما في ذمة وحماية القانون.. هؤلاء الدكاترة يعمل بعضهم علي (تخويف) ستين مليون مسلم من العشرة ملايين قبطي الباقين في الشعب المصري! في برنامج حديث الساعة علي اذاعة BBC قال الدكتور محمد عمارة: البابا شنودة نشر مقالا عن مشروع الأمة القبطية قائلا فيه ان مصر قبطية وان المسلمين جاءوا سكنوا مصر ومشروعه ده عنده منذ سنة 48 ! لا تعرف تحديدا ما هدف الدكتور من مثل هذا الكلام.. فليقل البابا شنودة ما يقول (وهو أصلا رجل دين ينبغي عليه ألا يضع أنفه الدينية في شأن وطن.. نستميت.. حتي نحيله الي (مدينة) يعيش فيها الناس.. لا معبد يتزاحم فيه المحبطون علي الأرض).. لكن السؤال ماذا يتوقع الدكتور من المسلمين المخاطبين بهذا الكلام التهييجي؟.. يجب مثلا أن نخشي نحن الستون مليونا من هذه المؤامرة القبطية التي تطمح الي أن (يقوم عشرة ملايين قبطي بطرد ستين مليون مسلم من مصر)؟! هل نستعد لهم مثلا بما استطعنا من قوة ورباط الخيل؟! ماذا تؤجج مثل هذه الأقاويل ـ من رجال الدين من الطرفين ـ في نفوس البسطاء سوي الكراهية؟! هل نحتاج الي مزيد من الدم حتي يكف (الدكاترة) عن تسميم عقول الناس بمفهوم الذمة الذي عفا عليه الزمن أو (تخويف) ستين مليونا من وهم الاجلاء عن مصر مثلا؟! وغير الدكاترة.. هناك أنصاف متعلمين شكلوا في السنوات الأخيرة (مافيا دينية) مخيفة.. تصب في رؤوس شعب ـ لا يفهم عالمه الا من التليفزيون ـ أفكارا عن (اصرار الله علي الاسلام دون غيره)! حتي حولوا غير المسلمين في أذهان بسطاء المسلمين الي شياطين يجب دحرها.. مع أن الله الذي نحسه في كياننا وبفطرتنا هو أرقي من أن يكون عنيدا مع عباده الي هذا الحد! لكن كيف تتخلي هذه المافيا عن مشروعها الاستثماري اذا كانت تكسب من الدين أضعاف ما أنفق علي السد العالي والمترو؟! لن تنسحب من تلقاء نفسها ما لم تردعها دولة.. استطاعت أن تحكم الخناق علي الاعلام في مصر بحيث لا يمس الروح الثلاثي القدس (الرئيس وزوجته وولده).. لكنها غضت الطرف عن تلك المافيا الدينية التي شوهت ثقافة المصريين.. حتي حولتهم الي (مختلين عقليا) يذبحون بعضهم البعض علي عتبات الكنائس والمساجد. صحافية مصرية قالت في ندوة علي احدي الفضائيات: أنا خايفة أموت وأسيب أولادي في وطن زي ده ! فقال ضيف آخر: أنا كمان خايف أموت وأسيب أولادي في وطن محدش عارف بالضبط ايه الحكاية فيه !، نحن اذن أمام حالة ثقافية مريضة لا تكفي معها الطنطنة بمقولة (اصلاح الخطاب الديني).. رئيس تحرير تقرير الحالة الدينية في مصر قال بأسف لمضيفته في برنامج العاشرة مساء: نحن افتقدنا للجدية.. كيف يتم تطوير الخطاب الديني في مصر ونحن ليست لدينا حتي الآن دراسة جادة ترصد أصلا الخطابات الدينية المتعددة الموجودة في مصر؟ ، اذا كان رئيس تحرير (تقرير الحالة الدينية في مصر) يقول هذا فنحن اذن نواجه مصيرا مخيفا.. طالما لا نحل مشكلتنا الدينية (الاسلامية) بشكل علمي.. علمي؟ أي علمي؟! نحن في دولة غائبة ـ ربما عمدا وربما عجزا ـ عن قيادة (مشروع وجود) لهذا الشعب، العلم الوحيد الذي يخبرنا به استنطاق التاريخ في مثل هكذا حالة هو أن (نستبدل) تلك الدولة العاجزة بدولة أخري تعرف عدوها الحقيقي.. سئل نبيل عبد الفتاح: هل السبب غياب عدو خارجي؟ غياب مشروع قومي؟ فقال: تخلف مصر ده مش عدو؟ الفقر وتدهور التعليم مش عدو؟ تراجع مصر اقليميا مش عدو؟ المشروع القومي هو مشروع ديمقراطي يراعي مصالح الفئات المختلفة في الشعب ، علي ما يبدو فان مشكلتنا أعمق بكثير من مجرد (تطييب الخواطر) حتي يحين موعد الجريمة التالية.. أكبر من مجرد مختلين عقليا (صغار) اقتحم أحدهم كنيسة وقبض أرواح من فيها.. ألا يُظهر ارتجاج قاعدة الهرم أن نظرة واجبة ينبغي أن تتجه الي قمته؟ فربما مشكلتنا تكمن هناك مع.. كبيرهم الذي علمهم السحر.. أسئلة علي أسنة السيوف في الاسكندرية: لماذا ظهرت السيوف في الساحة السياسية والدينية في مصر؟! شيء غريب! في الانتخابات السابقة لفت النظر مشهد البلطجية حاملي السيوف حتي أن الاعلام عربيا وأجنبيا انتبه ودهش وحاول أن يفسر الأمر، من يصنع السيوف الآن أصلا؟! أليس مفترضا أنها سلاح انقرض؟ هل تعدّل مصانع السكاكين برامجها الانتاجية لانتاج السيوف؟ من اذن صاحب هذه (الطلبية) الغريبة من تلك المصانع في القرن الحادي والعشرين؟! وكيف تتواجد بهذه السهولة في الأسواق.. حتي أن (مختلا عقليا) ابتاعها من (كشك سيوف) أمام مستشفاه التي هرب منها! هل قال له كبير المختلين ان (قتال الكفار) لن يقبل الا بالسيوف؟! لماذا كنائس الاسكندرية بالذات؟! مدينتي الجميلة!.. هل هذا (المختل عقليا) قرأ من التاريخ الكثير حتي عرف أن الاسكندرية.. كانت دوما باحة التسامح وعشق الحضارات والديانات وعناق الأديرة والمساجد والفقهاء والرهبان.. فأراد في استراتيجيته (المجنونة) أن يوجع مصر.. في أحلي بناتها؟! هل من وقتٍ لشعر أحمد مطر؟! في زمان الجاهلية.. كانت الأصنامُ من تمرْ.. ان جاع العباد.. فلهم من جثة المعبود زاد.. وبعصر المدنية.. صارت الأصنام تأتينا من الغرب.. لكن بثياب عربية.. تدعو للجهاد وتسب الوثنية.. واذا ما استفحلت.. تأكل خيرات البلاد.. وتحلي بالعباد، رحم الله زمان الجاهلية .كاتبة من مصر[email protected]