المراجعة الشجاعة
محمد كريشانالمراجعة الشجاعةالعملية الأخيرة في تل أبيب وبعد أكثر من أربعة أشهر عن آخر تفجير مماثل في نتانيا قد يعيد النقاش من جديد حول هذا النوع من العمليات الذي يصفه البعض تمجيدا بالاستشهادية والبعض الآخر انتقادا بالانتحارية مع إضافة صفة الإرهاب عليها دائما من قبل إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا وغيرهم بالتأكيد.سئل مرة الشاعر الكبير محمود درويش عن هذه العمليات فقال ما معناه إنه لا يعطي لنفسه السلطة الأخلاقية ليقول لمن قرر أن يفدي وطنه وقضيته بروحه كيف كان عليه أن يتصرف. مثل هذا الجواب رائع في إنسانيته ونزاهته بلا جدال ولكن يفترض فيه في المقابل أيضا ألا يصادر حق من يريد أن يبدي رأيا في هذا النوع تحديدا من العمل المسلح مع مراعاة ألا يقوده ذلك، بأي حال من الأحوال، إلي أي تسخيف أو إدانة مطلقة لا تحترم المدي الذي يمكن أن يصل إليه شعب يرزح تحت الاحتلال في التعبير عن مدي القهر والظلم الذي راكمه لعقود طويلة وعرضه في حليب أمه ويراه رأي العين صباحا مساء .المسألة، كما أراها، لا تتصل بمدي مبدئية أو مشروعية هذا النوع من العمليات مع أن البعض يطرحها أيضا من هذه الزاوية علي أساس أن القيام بها ينزع من الفلسطينيين التفوق الأخلاقي الذي يميزهم عن الإسرائيليين في هذا الصراع المرير، إنما تتصل بحسابات الربح والخسارة في سياق خيار المقاومة وليس في أي سياق غيره. الحسابات في أية مواجهة عسكرية أو شبه عسكرية ركن أساسي في تحديد الخيارات فبناء عليها يتم التخلي عن هذه الوسيلة أو تلك وتبني وسيلة مغايرة دون أن يعني ذلك التخلي بالضرورة إدانة لتلك الوسيلة بل هي تقديرات وتقويمات تقدم هذا وتؤخر ذاك أو حتي تلغيه لمجموعة أسباب محددة رجحت الحسم في هذا التوجه. من هنا ومن هنا فقط فليقدم القائمون علي هذا النوع من العمليات، وليس أحدا غيرهم، بجردة حساب جريئة وصادقة مع أنفسهم ليقدروا في ضوء ما ترتب علي كل هذه العمليات طوال السنوات الماضية من نتائج ليس فقط علي الصعيد السياسي الدولي بل وبالأساس علي صعيد حياة وأمان ومعيشة الفلسطينيين أنفسهم، ففي منطق المواجهات مع أي عدو هناك كر وفر وتنويع في وسائل التصدي أو الهجوم وكل ذلك يتغير وفق تقويمات ونتائج عملية علي الأرض وليس تنظيرات معلقة في الهواء فقد تكون أي وسيلة هي من أروع ما يكون ولكن إذا كانت المحصلة كارثية فهل من الحصافة أن تتمسك بها وتعاند؟!! كثيرون علي الساحة الدولية أبدوا تفهما بدرجة أو بأخري مع هذه العمليات وبعضهم هوجم بضراوة واضطر للتوضيح أو التراجع من أمثال زوجة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، بل إن بعض من زار الضفة الغربية وغزة ورأي بنفسه سياسات الإذلال اليومية علي الحواجز والمداهمات وهدم البيوت يستغرب كيف لم يتحول كل الفلسطينيين إلي حملة أحزمة ناسفة يفجرون بها من شدة غيظهم وقهرهم أي مكان وهو ما حاول تصويره ببراعة مثلا فيلم الجنة الآن الذي حاربته إسرائيل والدوائر المؤيدة له علي أساس أنه يجمل قبح مثل هذه الأعمال ويختلق لها الأعذار.الاعتبار الأخلاقي الذي تحدث عنه محمود درويش هو ذاته الذي يدفعنا للطلب ممن يقف وراء هذه العمليات، وليس من غيرهم، أن يراجعوا حساباتهم فمن قرر أن يفدي وطنه وشعبه بالروح، وهي أغلي ما نملك، لن يستكثر بالتأكيد علي شعبه وقفة قصيرة مع النفس يفكر فيها أين استفاد الفلسطينيون من هذه العمليات وأين زادت من محنتهم التي أراد الفدائي أن يضع لها حدا . 9