البلاد الغامضة

حجم الخط
0

البلاد الغامضة

حسين سليمانالبلاد الغامضةالحياة غامضة. ذلك لأنني فقدت الإيمان. الإيمان بكل شيء. لقد كنت أتحضر كي ألبس ثوبي وأضع ربطة العنق، كنت أتحضر. وفي رأسي يدور المكان. أسمع سعاله الآن وهو مستلقٍ علي سريره. يأتي صوته من الليل… هناك… صوت أحلام. لماذا تسعل كل هذا السعال؟ لقد لمس جسدي، فشعرت بالحمي.. ترتفع في جسدي الحرارة… هائمة فيّ كأنها تشتهي الحريق.عند رقبتي توتر، فتعال ومدد أصابعك فيها كي تزيل الألم. فهو حاد وعلي مهل كأنك مساج برغوة مياه جرت لتوها في نهر الأردن. الأردن الذي رأيناه مرة من نافذة طائرة كانت تحجل في مشيتها علي المهبط فتساءل المسافرون الذين يطيرون معنا وكانوا يريدون طهران: لماذا لم يعبدوا المهبط؟ فهناك حفر! تقول فروغ فرخزاد: ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ماذا تقول الشاعرة؟ لا أفهم ما تقوله الشاعرة الفارسية؟ وإيران هي فقط علي رمية حجر مناحجر لا نملكهفأين هي بلاد الفرس أيام زمان حين كانت تقول الروم وتقول الفرس؟ يخلص البحرالبحر الأبيض المتوسط الحائر بين هذا وذاك، فأين أنت أيها البحر الساكن، أنت مع من؟ساكن عند بيروت التي رأيناها… ورأينا فيها حد الروشة. بيروت في الشاشة البيضاء الكبيرة، في السينما… الخلق يضطرب فيها، دوما يضطرب الخلق، وتضطرب معه بيروت. بيروت اللبنانية التي كانت أيام زمان تمشي علي الرصيف ويلاحقها الشوام والمصريون، يلاحقها أصحاب فتح والصاعقة. أين هي الصاعقة الآن؟ لقد نزل مطرها وصار إلي يباس. والبحر هو بحر. ماء يصيب اليابسة التي تحد البلاد. ورأيناها من النافذة عاشقة معلقة بهامة الروشة كأنها تريد أن تنتحر بسبب هجر الحبيب. والحبيب في سفينته المهاجرة لا يلتفت نحو المعلقة التي يرفع الريح ثوبها وتبدو من بعيد سيقانها الهزيلة وبطانتها المتسخة، فلم يهجرها الحبيب فقط بل هجرتها الحياة أيضا. لماذا تحب البنات المهاجرين الذين يركبون سفنهم ويتركون الشطآن؟ معلقة وتتراوح مع الموج. تريد رخصة الموت التي تدمغها دار الحكومة: انتحار البنت بسبب الشِعر الذي في عقلها.المذيعة في الطائرة تقول نحن سنتوجه إلي تيران وقصدها طهران. وأنا أريد أن أنزل في الشام التي هي علي بعد رمية حجر حملته معي. حجر له زرد وسلسة للرمي أرميه حين تحلق الطائرة فوق الشام. قاسيون له نكهة التراب الذي لا ينقطع عنه المطر، سأرمي الحجر هناك كي يجرني بسلسلته، ذلك كما جاء في فيلم عازفة البيانو حين وضعت قدمها في عنق الحبل الذي ربط البيانو الغارق. في الفيلم تبحر العازفة في البحر وتهب الرياح عاتية ويميل القارب الذي ينقلها مع البيانو والذي يأخذ يترنح مثل مدينة سكرانة! فيقول النوتي: كي ننجو يجب أن نتخلص من البيانو، أن نفك رباطه ونلقيه في البحر. فتربط بالحبل قدمها مع ساق البيانو وكان البيانو الذي راح يغوص نحو الأعماق يجرها معه. فهي لن تعيش بعد اليوم من دون رؤية قاسيون؟ الحكومة، الناس الذين هم حكومة، لا يحبون المهاجرين ذلك لأنهم أماتوا حبيباتهم. فبعد أن ابتعدت السفينة وغابت وراء الأفق وقال الناس إنها راحت نحو قبرص وقال آخرون نحو ايطاليا ألقت البنت بنفسها في الهاوية.قاص من سورية يقيم في امريكا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية