المشهد السوري: وقفة سريعة مع المصاعب

حجم الخط
0

المشهد السوري: وقفة سريعة مع المصاعب

د. أكرم شلغينالمشهد السوري: وقفة سريعة مع المصاعبغالباً ما قيل ان ضعف المعارضة في سورية هو ارتهان علاقة تناسب عكسي مع قوة النظام الحاكم، فضعف المعارضة السورية تقابله قوة النظام. لكن، خلافاً لكل المعايير والأسس والمفاهيم وما قد يكون فيه منطقاً، تبدو هذه العلاقة غير تناوبية من حيث توزع القوة والضعف، فحينما يضعف النظام ـ كما هو الحال الآن ـ لا تتنامي إمكانيات المعارضة بل تبقي علي ديمومة ضعفها. وكما أن لهذا الحال أسبابا تجعله يتبلور في ما هو عليه فإن له، بنفس الوقت، انعكاسات تمتد أبعد من مجرد توصيف الواقع؛ وإذ تدور المعارضة في دوامة ضعفها ولا تستطيع التفاعل مع الحاضر ولا تُعد لتكون جزءاً أساسياً في رسم المستقبل فإنه من الواضح أن صناع القرار في العالم ما زالوا يترددون في اتخاذ القرارات التي من شأنها الإجهاز علي النظام السوري لأن الأخير قد يكون بنظر العالم أهون الشرور (le evil) مقارنة بعدم توفر البديل الذي يطرح نفسه علي أنه الخيار الديمقراطي الذي يطمئن صناع القرار علي المستوي الكوني إلي جانب طمأنة شعبه، فالسيناريو الذي ربما يُخيف العالم، مثلما يرعب الشعب السوري، هو غياب البديل الديمقراطي الذي يمكن أن يحل محل النظام السوري، الأمر الذي قد يسمح ـ وفقاً لكل المعطيات، لحالات وقوي غير مرغوبة لتجمع بعضها فتبرز في المقدمة، احتساباً لهذا، من المؤكد أن العالم ليس له معدة لرؤية وضع عشوائي يسمح لقوي إسلاموية في سورية أكثر جاهزية من غيرها أن تقرصن صوت الجميع في البلد وتنصب نفسها علي الشعب وتضع العالم أمام الأمر الواقع. ليس من باب الاستطراد أن نذكر أنفسنا سريعاً بأن النظام السوري، وخلافاً لما هو معروف في العالم الحر الذي تجلس فيه المعارضة جنباً إلي جنب في البرلمان مع من يحكم وتناقش وتدلي بأفكارها وتختلف في رأيها ومن حقها طرحه للتصويت عليه، ما زال لا يعترف بشيء اسمه المعارضة في سورية ويهزأ من المثقفين ويري أن الشكل الوحيد للحكم هو القائم الذي تحكم به فعلياً أجهزة الأمن وشكلياً الحزب الواحد القائد وحوله مجموعة أشباه أحزاب تتبعه قولا وفعلا وترضي بتنصيبه قائداً في ما يسمي بـ الجبهة الوطنية التقدمية ولا تعرف، بل وليس بمقدورها، الإختلاف معه أو معارضته. وإذ تكثر الأسئلة التي يجب أن تطرح بغية الخروج من هذا الحال الذي تغيب فيه المعارضة عن إبراز نفسها كرقم يستقطب الشعب السوري وبموازاة ذلك يُعرّف نفسه إلي العالم ليميزه الأخير ويعترف به، نجد أنه من الضروري استعراض الواقع السوري بشكل سريع ومكثف.إعلان دمشق وجبهة خدام والاخوان:عندما طُرح إعلان دمشق تراءي للبعض، ممن عملوا عليه وأعدوا له لمدة أشهر، أنه الخطوة الأهم علي طريق إنشاء تحالف فاعل، لكنه في الحقيقة، بالنسبة للكثير من العلمانيين و اليساريين ، كان كطبق عسر الهضم في وجهه الفكري بما تمخض عنه في بعض من فقراته التي تبتعد تماماً عما هو مطلوب للعمل السياسي في سورية بتركيبها السياسي وكذلك نسيجها الاجتماعي والقومي والديني، بل وذهب البعض إلي حد اعتبار أن الإعلان ولد ميتاً كون الخلل الفكري فيه اقترن بخلل تنظيمي تجسّد في التهميش الواضح لأوسع قطاعات المعارضة، الأمر الذي حدا بالمراقب الحيادي لمساءلة عما إذا كان ذلك الإقصاء مصادفة أم أنه كان مُمنهجاً! يتمشكل الأمر أكثر حين يذهب الاخوان المسلمون، أحد الأطراف الأساسية في إعلان دمشق، إلي التحالف مع السيد عبد الحليم خدام، فالتحالف من هذا النوع لا يمكن أن يمر بدون تفحص أو علي الأقل دراسة آثاره علي العمل الوطني. ونقول إن الأمر يحتاج لتفحص لأن السيد خدام لم يكن عضواً عادياً أو فخرياً في النظام السوري بل كان، حتي قبل أشهر فقط، أحد أباطرته ليس فقط علي المستوي التنظيري بل علي المستوي الفعلي أيضاً، ولا يمكن لأحد تجاهل أحداث باقية في ذاكرة التاريخ حدثت ولم يكن خدام بعيداً عنها فحتي قصير الذاكرة لا يعقل أن يتجاهل أن أول جامع قُصف في مدينة حماه وكان المصلون بداخله حصل عندما كان السيد خدام محافظاً لحماه، وإن تناسينا مسار خدام وفاعليته علي مدي عقود في النظام السوري فإن استعراض تاريخه في السنوات الخمس الأخيرة مع السلطة يجعل اسمه مقترناً بعبارات وبمفردات أطلقها خدام نفسه واستُخدمت بشكل أو بآخر من قبل آلة النظام القمعية لقتل ما سمي بـ ربيع دمشق فهو من نحت مصطلح الجزأرة و الأفغنة حين طالبت المنتديات بإطلاق الحريات العامة. فقط متعمد قلب الصورة عقباً علي رأس يريد أن يُصور أن خدام انفصل عن النظام السوري بملء إرادته لأن الواقع يشير إلي أن ترتيبات توزيع المناصب والقوة التي لُقّن بها مؤتمر البعث القطري في حزيران (يونيو) الماضي هي التي جعلت من خدام خارج النظام. ويغالط من يقول إن خدام انفصل عن النظام وانحاز إلي صفوف الشعب، فالفرق كبير جداً بين من يصرح إعلامياً بأنه انحاز إلي صفوف الشعب وبين من ينحاز حقاً إلي صفوف الشعب ويضع جميع ما تحت يديه من إمكانيات مادية علي الأقل في خدمة هذا الشعب الذي تنكش نسبة ما منه في القمامة لتعتاش كما وصف السيد خدام نفسه، كما أن حب الانتقام الشخصي وباستخدام من يمكن أن يغرر به لا يمكن أن يصنف علي أنه انحياز إلي الشعب. من ناحية ثانية، لا بد لنا من أن نتأمل سريعاً أن السيد خدام تكلم في الأشهر الأولي لخروجه من سورية عن أنه ودع الرئيس بشار الأسد بشكل عادي وخرج إلي فرنسا ليكتب مذكراته بهدوء، وبعد أشهر ـ لا يعرف ما دار أثناءها مع خدام إلا خدام نفسه ـ أعطي المقابلة الأولي لقناة العربية التي وضّحت أشياء كثيرة منها أنه لا يختلف مع النظام بسبب ممارسة النظام القمعية والاستبدادية في سورية بل يختلف مع بشار الأسد لأن الأخير رفض النصيحة التي يريد خدام بموجبها أن يحميه ويحمي نظامه (وهذا واضح في كلمات خدام الحرفية حين يقول قلت له (أي لبشار) جيبو اقطع لو رقبتو (أي رقبة رستم غزاله) أنا بدي أحميك أي يحمي بشار) فكيف لنا أن نصدق أن من يقول وبلسانه وملء إرادته وحريته أمام العالم أنه يريد أن يحمي رأس النظام أنه أصبح المعارض الأول للنظام الذي يريد حمايته؟ أو أن يمكن أن نقتنع بجدوي العمل معه، ناهيك عن تنصيبه علي رأس المعارضة؟ وخدام لم يقطع أيديولوجيا مع النظام الحاكم في دمشق وهذا يتضح في مجمل كلامه عن البعث وعن حافظ الأسد ويرفض الافتراق عن ماضيه حين يتكلم ليس فقط عن البعث بل أيضاً حين يري أن السياسة الخارجية في عهد حافظ الأسد كانت ناجحة. هكذا بدأ خطاب السيد خدام في المعارضة وتنامي هذا الخطاب بسرعة ليطرح خدام نفسه بين عشية وضحاها علي أنه المؤهَّل لقيادة المعارضة وأنه القادر علي إسقاط نظام بشار الأسد. ليس المقصود هنا التشهير بخدام ولكن هذه الوقفة الخاطفة هي فقط للقول بأن السيد البيانوني، والذي هو أحد أقطاب إعلان دمشق، أخطأ في التحالف وإقامة ما يسمي بجبهة الخلاص مع السيد خدام، فالأخير لا يتصف بشروط المعارضة التي لها أسس واضحة ولا يتمتع بالقوة التي يجب أن تدفع بالسيد البيانوني إلي التحالف معه، خدام خارج السلطة هو ليس أكثر من فرد، فرد لم يأت إلي صفوف المعارضة بل يسعي لجلب المعارضة إلي صفه وأفقه وطموحاته ـ وقد نجح في استقطاب البيانوني والبعض من المتعاطفين مع الأخير حين أوهمهم أنه يمتلك خيوط تفكيك النظام بينما هو يعتمد، في حقيقة الأمر، علي ما ستؤول إليه نتائج التحقيق الدولي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق وما قد يأتي منها علي النظام السوري. من ناحية ثانية، يتضح أن السيد البيانوني ليس له من يستشير في داخل سورية ليقول له ماذا يعني اسم خدام بالنسبة للشعب السوري وماذا كان خدام في آلة النظام السوري وإلا لكان أحجم عن مثل هذا التحالف، أما نتائج هذه العلاقة علي المدي البعيد فستُظهر أنها أرجعت المعارضة إلي الوراء، وهذا بدأ يتضح في التململ ضمن حركة الاخوان وفي الانسلاخ الجماعي ضمن المجلس الوطني السوري بسبب المشاركة في التحالف المذكور. وبالتأكيد ستظهر خلافات قادمة ضمن إعلان دمشق فيما لو اكتفي جماعة إعلان دمشق بالقول إن موقف السيد البيانوني فردي ولا يمثل الإعلان ولا علاقة لإعلان دمشق بالسيد خدام لأن موقفاً كهذا سيعتبر مبطناً ولن يُقنع أحدا، حيث هناك من ينتظر قراراً حاسماً يخير الاخوان بين الإعلان أو التحالف مع خدام، أو قراراً يُخرج تنظيم الاخوان من إعلان دمشق لإثبات مصداقية الإعلان، وإلا فسنفهم بأن هناك تفاهمات وراء الكواليس بين من صاغوا إعلان دمشق علي تبرئة خدام لأسباب يصعب فهمها. وهناك من يعتبر أنه ليس من حق أحد أن يعطي صك البراءة لأحد وإذا أجازت المعارضة لنفسها الاستثناء بهذا الخصوص فيجب عليها أن لا تكون انتقائية في استثنائها وإلا فهذا مشروع ضيق الأفق وسيلعب دوراً حاسماً في إلغاء الكثير من الخطوط الحمراء لدي أطراف أخري في المعارضة وسيمهد لاصطفافات لن تخدم في نهاية المطاف لا المعارضة ولا البلد لا مرحلياً ولا استراتيجياً. إشكالية الداخل والخارج:يبدو أن الجدال حول الداخل والخارج يدور، علي العموم، بأسئلة بعضها لا مبرر له، وينضوي تحت ما يمكن تسميته بالهرمية السياسية (political hierarchy) حيث يعتقد البعض من معارضة الداخل أنه يجلس علي قمته، ويجسم هذا النمط من العلاقة السؤال الذي تركز عليه أصوات الداخل عمن يحق له أن يلعب هذا الدور أو ذاك بدلا من النظر للأمر علي أن كلا من الداخل والخارج له دور يكمل دور الآخر أو ينسق معه في الحد الأدني ولا يلغيه. وضمن هذا الإطار تأتي حساسية الداخل تحديداً حيال كل ما يقال أو يمارس في الخارج فتارة يبدو الأمر وكأن فلانا من الداخل يقول أنا الأساس ولن أقبل أن يتكلم بالشأن السوري غيري وأخري يذهب آخر إلي التخوف أن السوري في الخارج لا يؤتمن إما لأنه يعيش بالخارج وإن كان مرغماً علي ذلك، وبذلك يكرر خطاب السلطة المعتمد بهذا الخصوص في اتهام الصوت السوري في الخارج والذي لا يقيد نفسه بسقف رسمته السلطة الحاكمة للعمل وللكلام. ومن باب المفارقة أن نسمع من يأتي من الداخل إلي الخارج ليُسمع السوريين في المغترب هذه النغمة!من ناحية أخري، تزداد صعوبات الصوت السوري في الخارج وسط المناخ السياسي العالمي والواقع الإقليمي الذي يقود إلي الأذهان الدور الأمريكي في مسألة التغيير في المنطقة. بالرغم من أن عدداً كبيراً من السوريين كان قد تفاءل بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق معتقداً أن أيام الديكتاتوريات في المنطقة أصبحت معدودة إلا أن ذلك التفاؤل اصطدم بواقع شائك في أكثر من جانب: فمن جهة أصبح المشهد العراقي وتقهقراته في مرحلة ما بعد صدام مثالاً يخدم حصراً خطاب الأنظمة العربية لا من أطاح بالنظام الديكتاتوري، ومن جهة أخري يتضح أن من يستطيع نسج خيوط لعلاقات بين المعارضة السورية ـ إذا جاز التعبيرـ والأمريكان لم يحدد بدقة بعد، إذ أن من يصلح لهذه المهمة يجب أن لا تقتصر معرفته علي تاريخ وجغرافية سورية فحسب، بل ويجب أيضاً أن يكون قد عاش ويعيش آلام شعبها ويشعر بضيمه ويعرف ما يرضيه وما يؤرقه وما هو بحاجة إليه، بموازاة تذكير هذا الشعب بأنه جزء من العالم وليس خارجه. من هنا، كانت خيبة أمل السوريين كبيرة فالرسالة لم تصل لأن حاملها لم يعرف كيفية إيصالها، الأمر الذي دفع بمن تفاءل في الأساس إلي السؤال عما إذا كانت قضية دمقرطة المنطقة مأخوذة علي محمل الجد من قبل الولايات المتحدة (والعالم بأسره) أم أن كل ما يحصل عالمياً بخصوص الوضع السوري ليس إلا من باب التلميح بالعمل مع نواة بديل لتخويف النظام الحاكم بينما بقي العمل الجدي علي تكوين البديل الفاعل بعيد المنال، وبذلك اقتصر خطاب هؤلاء علي الحديث عن العلاقة مع العالم علي أساس المنفعة المتبادلة بين الشعوب، ان كل شيء يحل بالحوار. وعلي نقيض المطلوب تماماً، انتعش من جديد خطاب النظام السوري ليكرر أن العالم يتآمر علي المنطقة. والمعضلة الحقيقية التي يرفض الكثير الإقرار بها هي أن معظم المهتمين بالعمل السياسي وقضايا الوطن في سورية هم كبار ومتوسطو السن وغياب الشباب عن هذا المجال، باستثناء الكرد السوريين لظروف منها أن جدار الخوف لدي الشباب الكرد قد انكسر. أما في الوسط العربي فجيل الشباب في معظمه غير مهتم بالشأن السياسي ونسبة عالية جداً بينهم تبحث عن حلول فردية فهذا ينتظر اما هذه السفارة أو تلك محاولا الهجرة، وذاك ينتظر فرصة ما، والثالث ينتظر الرحمة من المجهول وبدون كوارث وسجون واعتقالات. مهما كثر الحديث عن الظرف الموضوعي والذاتي في تعثرات المشهد السوري فإن أحداً لا يمكنه أن يتجاهل أن احدي المصاعب الرئيسية للمعارضة هي المالية، فالمنبر الإعلامي التنويري الذي يصل إلي الجميع لا يتواجد بدون تمويل، والتنظيم والحركة والتنقل وكل خطوة بحاجة إلي تمويل وليس ذلك بالأمر السهل تدبيره علي من بالكاد يستطيع تأمين حاجاته اليومية. أسئلة كثيرة طُرحت من قبل وتفرض نفسها الآن ومنها: هل ما يجعل المعارضة تفقد بوصلتها السياسية وتتخبط هو افتقارها المالي الذي يجعلها تذهب تارة هنا وأخري هناك؟ أم عجزها السياسي؟ هل وقوف طرف من أطراف المعارضة موقفا يشتت جهود المعارضة ككل هو ناجم عن ضعف خبرة أم أنه انحياز ممنهج؟ والسؤال الأكبر هو عن اقتراح الحلول لمشاكل المعارضة السورية، لهذا نوضح أخيراً أننا لا نقصد في تصويرنا للواقع فقط توصيف حالة الضعف التي نحن بها بل أيضا تشخيص هذه الحالة من أجل معالجتها.ہ كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية