تصريحات عباس وموقف الدول العربية

حجم الخط
0

تصريحات عباس وموقف الدول العربية

د. يوسف نور عوضتصريحات عباس وموقف الدول العربيةأود في البداية أن أتعرض إلي مجموعة من الأحداث وقعت خلال الأيام الماضية. الحدث الأول يتعلق بالزيارة التي قام بها وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار إلي مصر والتي لم يتمكن خلالها من مقابلة وزير الخارجية المصري أو اي مسؤول آخر واعتذر الزهاربالإنابة عن المسؤولين المصريين بأنهم وعدوه بأن يقابلوه عند عودته من الجولة التي يقوم بها في عدد من الدول العربية، أما المصريون فقد اعتذروا بأنهم كانوا مشغولين ولا يستطيعون مقابلته وهو عذر غير مقبول لأن الحكومة الفلسطينية تمر بظروف خاصة وكان المسؤولون المصريون يعلمون أن عدم مقابلتهم للزهار سيفسر علي أنه انصياع للإرادة الأمريكية التي أصبح يطلق عليها في هذه الأيام الإرادة الدولية. ولا شك أن الاعتذار الذي قدمه الزهار لا يزيل المرارة التي شعر بها الكثير من الفلسطينيين والعرب، لأنهم كانوا يتوقعون أن تقدر مصر أن عدم مقابلة الزهار ستخضع لعدد من التأويلات ولكن بكل تأكيد فإن الإدارة المصرية لم تكن مشغولة بهذا الأمر وكل ما كانت تفكر فيه هو أن توجه رسالة إلي الولايات المتحدة وإسرائيل بأنها لن تعامل حكومة حماس معاملة خاصة. وفي الوقت نفسه الذي كان يلقي فيه وزير الخارجية الفلسطيني هذه المعاملة في مصر أوصي الرئيس حسني مبارك المسؤولين في بلاده بان يرسلوا عددا من الفلاحين المصريين إلي إسرائيل لكي ينقذوا الزراعة الإسرائيلية مما تعانيه من أزمات.وأما الخبر الثاني الذي لفت انتباهي فيتعلق بالوقاحة التي أعرب عنها الناطق باسم الإدارة الأمريكية شون ماكورماك في أعقاب القرار الذي أصدرته حكومة قطر بدفع التزاماتها كاملة في ما تعهدت به في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم. فقد قال ماكورماك إن حكومة بلاده تريد أن تستوثق أنه لن تقدم مساعدات مباشرة لحكومة حماس وحتي يظهر الجوانب الخيرة في الولايات المتحدة فقد قال ماكورماك إنه لا يمانع في إرسال العون للشعب الفلسطيني بشرط ألا تذهب المعونات للحكومة الفلسطينية وذلك كرم زائف لان الشعب الفلسطيني لا يعيش كله في معسكرات اللاجئين وإنما يعيش علي أرض بلاده والمعونات التي تستلمها الحكومة الفلسطينية سواء كانت حكومة حماس أو اي حكومة أخري فإنما تدفع منها مرتبات أبناء الشعب الفلسطيني وتلك حقيقة يعلمها الأمريكيون ولكنهم لا يريدون أن يقدموا أي عون سواء كان ذلك للشعب الفلسطيني أم للحكومة الفلسطينية. ولم يكن موقف الأمريكيين مفاجئا فهم يقفون موقف العداء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية بأسرها ولكن المفاجئ هو موقف الجامعة العربية التي لم تصدر بيانا واحدا تشجب فيه الموقف الأمريكي كما لم تصدر أي دولة عربية بيانا تشجب فيه هذا الموقف وكل الدلائل تشير إلي أن معظم الدول العربية لن تقدم الدعم الذي التزمت به للسلطة الفلسطينية بل إن بعض المصارف الكبيرة احتجزت أموالا للسلطة الفلسطينية بدعوي أنها تريد أن تدفع بها مديونية السلطة الفلسطينية وسمعنا أن مصرفا كبيرا احتجز المبلغ الذي تبرعت به جمهورية الجزائر لهذا الغرض. وكان الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي قد أعلن عن فتح حساب خاص للتبرع للشعب الفلسطيني وهذه المبادرة تشير إلي أن الحكومة الفلسطينية ستواجه أزمة حقيقية لأن الدول العربية لن تفي بالتزاماتها استجابة للضغوط الأمريكية، ونعرف أن التبرعات الفردية لن تحل الأزمة الفلسطينية فقد فتحت إحدي الدول العربية من قبل مشروع تبرع للفلسطينيين ولكن الأموال لم تذهب لهم كما فتحت إحدي القنوات الفضائية مشروع تبرع للفلسطينيين ولكن الأموال نهبت وعندما ظهرت الفضيحة علي صفحات الصحف سارع المسؤولون عن القناة بالتغطية علي الأمر دون أن نعرف مصير تلك الأموال.أما الخبر الثالث الذي لفت انتباهي فهو الحفل الكبير الذي أقامته ليبيا في الذكري العشرين للاعتداء علي بيت العقيد القذافي والذي غني فيه المطرب المعروف ليونل رتشي، والطريف أنه غني في الحفل أغنيته الشهيرة It is me you are looking for وكأنه يريد أن يقول إن ذلك ما كانت تسعي إليه ليبيا وهو أن تقوم بينها وبين الولايات المتحدة علاقة حسنة، ولا شك أن توقيت الحفل لم يكن مناسبا في الظروف التي يواجهها الشعب الفلسطيني كما لا يريد أحد في العالم العربي أن يعرف أن العلاقات بين اي بلد عربي والولايات المتحدة الأمريكية تحرز تقدما قبل أن ينال الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.أما الحدث الرابع فقد كان غريبا جدا وهو التصريح الذي أدلي به الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أعقاب التفجير الذي قام به الشاب الفلسطيني في تل أبيب، فقد وصف محمود عباس هذا التفجير بأنه حقير وقد استثار بذلك مشاعر العرب كلهم الذين كانوا يتساءلون هل يوصف عمل هذا الشاب الذي لم تجف دموع أمه بالحقارة أم توصف أعمال كثير من المسؤولين العرب الذين يقدمون التنازلات دون مقابل بذلك؟، نحن نعلم أنه قد تكون للسيد عباس وجهة نظر بأن هذا التفجير قد يعطل جهودا نحو التقدم بالقضية الفلسطينية ولكن بكل تأكيد لا يصل الأمر إلي حد وصف العمل الذي ضحي من خلاله أحد الشباب الفلسطينيين بحياته من أجل قضية بلاده بأنه عمل حقير خاصة أن هذا العمل يأتي في أعقاب سلسلة من أعمال القتل التي قامت بها إسرائيل ضد القيادات الفلسطينية ولم يشجبها عباس بمثل هذه الكلمات، ونعلم أن القيادات الفلسطينية توعدت إسرائيل بالرد، وقد تكون هناك وجهات نظر متباينة في هذه المسألة ولكن العرب جميعهم أصبحوا علي بينة الآن أن إسرائيل لا تسعي إلي السلام وأن التهدئة معها ليست ضمانا لأي شيء بدليل أنها لم تحقق أي تقدم في القضية الفلسطينية مع الرئيس ياسر عرفات بل هي متهمة بأنها قتلته كما لم تحقق أي تقدم مع قيادة فتح التي أسقطتها حماس بل إن الكثيرين يقولون إن إسرائيل ربما تكون قد تخلصت من شارون لكي تقدم وجوها جديدة تنفذ سياسته وهي تفضل حماس في السلطة لأن حماس تتيح لها بسهولة الاستمرار في سياستها القديمة كما أنه قد يكون من السهل عليها تصفية قادة حماس وهم في السلطة وهو أمر يصعب عليها وهم في الشتات.ولا نستطيع أن نصف ما قاله الرئيس الفلسطيني بأنه راعي الحد الأدني من مسؤوليته كرئيس للفلسطينيين لأن ما قام به هذا الشاب في ظل الظروف التي نعرفها لايسيء إلي الكفاح الفلسطيني بل هو يأتي في ظل تبادل لأعمال قد لا تكون هي السبيل إلي التسوية ولكن الشعب الفلسطيني لا يستطيع أن ينتظر وهو يتلقي الصفعات من أجل أن تتفضل عليه إسرائيل بالفتات.الحقيقة التي يجب أن تكون واضحة لكل الدول العربية في هذه المرحلة هي أن الولايات المتحدة وإسرائيل يدركان أنهما في مرحلة جديدة من التاريخ العربي وهي مرحلة الانهزام المستمر وهما يريدان أن يحققا خلال هذه المرحلة ما عجزا عن تحقيقه في المراحل السابقة وللأسف فإن القادة العرب المرتعدين بعد غزو العراق والحرب علي الإرهاب يعتقدون أن السلام مع الولايات المتحدة وتقديم التنازلات هو أيسر السبل للاستمرار في أنظمة حكمهم غير الشرعية وهذا خيار يتسم بالغباء لان هذه التنازلات تتم علي حساب شعوبهم ولا تضيف إليهم شيئا، ذلك أن الجميع يعلمون أن الاعتماد علي الشعوب هو أفضل ألف مرة من الاعتماد علي قوي أجنبية لا تقدم الجزرة وإنما ترفع العصا بصورة مستمرة، ولا شك أن معظم الحكام العرب ليست لديهم القدرة علي قراءة الأوضاع السياسية بصورة صحيحة ولو كانت لديهم هذه القدرة لعرفوا أن الولايات المتحدة وإسرائيل يمران بأضعف حالاتهما، فقد رأينا عددا من الأكاديميين في الولايات المتحدة ينشرون تقارير يحذرون بها من الخطر الاسرائيلي علي الأمن الأمريكي وذلك من خلال تأثير اللوبي الصهيوني علي صانعي القرار الأمريكيين ورأينا كيف أن إيران حسبت حساباتها بدقة واستطاعت أن تقف موقف المتحدي من الولايات المتحدة، وعلي الرغم من أن واشنطن تهددها بمختلف السبل فالجميع يعرفون أن تورط واشنطن في العراق لا يتيح لها القدرة علي التعامل عسكريا مع إيران وحتي لو تمكنت فهي لن تحل أي مشكلة بل ستزيد مشاكلها واحدة، ولا يقتصر الأمر علي إيران وحدها ذلك أن السودان يقف الآن موقف المتحدي من الولايات المتحدة ويحذر من التدخل العسكري في شؤون دارفور وعلي الرغم من أن السودان لا يملك القدرات التي تملكها دول عربية أخري فهو بقدراته المحدودة يستطيع أن يجعل كلمته ذات شأن في واشنطن وهذا ما يجب أن يستغله العرب، لأن أي قلاقل جديدة في منطقة الشرق الأوسط سوف ترفع برميل النفط إلي مئتي دولار وقد شهدنا أخيرا كيف ارتفع سعر البرميل والذهب في وقت واحد، ذلك أن كثيرا من الدول بدأت تسحب حساباتها من الولايات المتحدة خوفا من سلاح العقوبات المسلط عليها ولعلمها أن الدولار الأمريكي سيشهد في القريب العاجل أزمة كبيرة خاصة أن أمريكا تطبع من هذه العملة أوراقا لا غطاء لها من أجل شراء احتياجاتها وتمويل عملياتها في الخارج دون مقابل من الداخل الأمريكي ولكن السعي لتحويل المدخرات إلي الخارج سيكشف اللعبة التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة.وما اذهب إليه هو انه آن الأوان لكي تعيد الدول العربية حساباتها من أجل أن تستعيد حقوق شعوبها المسلوبة وأول هذه الحقوق حرية الشعب الفلسطيني، حتي لو أدي ذلك إلي وقف إجراءات التطبيع التي ظنت كثير من الدول أنها تساعد الشعب الفلسطيني علي تخليص حقوقه وهي كلمة حق أريد بها باطل لأن تخليص حقوق الشعب الفلسطيني لا يكون إلا بالمواجهة وقطع كل العلاقات مع إسرائيل وإجبارها علي أن تختار بين السلام أو الحرب، سواء كان هذا تحذيرا آنيا أم تحذيرا مؤجلا. وما ننتهي إليه هو أنه آن الأوان لكي تدخل الدول العربية شريكا فعليا مع الشعب الفلسطيني من أجل تخليص حقوقه لأن هذه لحظة ضعف أمريكية حقيقية يجب أن تنتهزها الدول العربية قبل أن تمرر إسرائيل والولايات المتحدة ما يريدانه في المنطقة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية