أليست العولمة هي التي تفعل فعلها في فرنسا؟
عبد العزيز شبراطأليست العولمة هي التي تفعل فعلها في فرنسا؟ من كان يظن يوما أن فرنسا، بلد الرخاء وبلد تحقيق أحلام الآلاف من الشباب الإفريقي، ستقع فيما وقعت فيه منذ الأيام القليلة الماضية؟! من كان يظن يوما أن فرنسا التي لها نفوذ كبير في العديد من دول العالم الثالث، وفي الدول الأعضاء في منظمة الفرنكوفونية، ومن كان يظن أن فرنسا التي يحسب لها ألف حساب في الدول القوية، ستتراجع قوتها الاقتصادية وتصبح أمام أزمة خانقة تهم وضعية المهمشين من الفرنسيين ذوي الأصول غير الفرنسية، وأيضا تهم الوضعية المتفاقمة لبطالة الشباب (327.2 عاطل عن العمل حسب إحصائيات حديثة لوزارة العمل)، ولا تجد مخرجا منها سوي باعتماد القانون الجديد للعمل، الذي اعتبرته الحكومة اليمينية بفرنسا مسلكا لها من أزمة البطالة التي تخنقها، بينما اعتبرته المعارضة، وخصوصا الاشتراكيين مدخلا أساسيا للباترونا من أجل تضييق الخناق علي العمال، وقبل هذه الاحتجاجات التي تقودها المعارضة ويشارك فيها مئات الآلاف من الطلبة الجامعيين والعمال النقابيين، وقبل هذه الاحتجاجات العارمة والغاضبة، سبق أن عرفت فرنسا مظاهرات من نوع آخر كما نعرف جميعا تمثلت في احتجاجات ذوي الحاجات والمهمشين بضواحي العاصمة باريس بداية ثم انتقل الأمر إلي ضواحي مدن أخري.فرنسا إذن تقع اليوم في أزمة الاحتجاجات والمظاهرات الصاخبة، التي يقودها العمال النقابيون والطلبة الجامعيون من أجل وضع مريح، ومن أجل الاستقرار للعمال الجدد، فبينما تجد الحكومة نفسها أمام ضيق حقيقي بلغت فيه ديون الدولة 1100 مليار يورو عام 2005 وبلغ عجز الضمان الاجتماعي أكثر من 12 مليار يورو في العام نفسه، بدا واضحا أن ما تعانيه فرنسا ليس سوي نتيجة من إحدي نتائج العولمة المتوحشة، والتي تدك كل من يقف في طريقها ممن يعتمدون في عيشهم وحياتهم علي بيع قوة عملهم لقوة المال، كما تدك بدرجة اقوي الدول الضعيفة أو تلك التي وجدت نفسها منخرطة قسرا في نظام العولمة! غير أن المعارضة (وعلي رأسها الغريم التقليدي لليمين الفرنسي، الحزب الاشتراكي) تري أن النهج الليبرالي الذي تعتمده الحكومة اليمينية واستراتيجيتها نحو تحرير الاقتصاد باعتماد القانون الجديد قانون التعاقد والذي يجيز تسريح من هم دون السادسة والعشرين من العمر كوسيلة للتخفيف من آفة البطالة، هو السبب الرئيس فيما آلت إليه الأوضاع بفرنسا، وهل ستجد فرنسا خلاصها في هذا النحو؟! يبدو إذن أن كل ما بنته فرنسا في السنوات السابقة لنظامها الاقتصادي ـ الاجتماعي والذي ظل لسنوات سابقة طوال، النموذج الأمثل لحياة هادئة ومستقرة طالما تغنت به فرنسا والفرنسيون أمام باقي دول الاتحاد الأوروبي، بدأ ينهار ويتفتت أمام أعينها وأعين الفرنسيين، وهي غير قادرة علي التدخل لإصلاح ما يمكن إصلاحه، ومن الواضح أنها إذا ما تأخرت في وضع حد لهذا التقهقر الذي أصابها منذ تحمل اليمين مسؤولية تسيير الشأن العام الفرنسي، فإنها لن تتأخر في الالتحاق بركب الدول الضعيفة، والاصطفاف خلف الأقوياء! ما تعانيه فرنسا لم يعد أمرا يخصها وحدها أو هو متستر وغامض، أو معرفته محصورة فقط بين المهتمين والمتتبعين، بل الأمر أصبح جليا للجميع، وقد يصيب دولا أخري من الاتحاد الأوروبي، والذي بدأ يعرف تعثرا منذ تعثر قبول مشروع دستوره ورفضه من الشعب الفرنسي في 29 ايار (مايو) 2005. فما تعرفه فرنسا ليس محصورا بترابها ويخص فقط طلابها الجامعيين وعمالها بل الأمر بلغ أيضا نفوذها وقوتها، إذ بدأ نفوذها يتراجع في العديد من مناطق بلدان العالم حيث كانت تبسط نفوذها وتعاليمها، وبدأ يحل محله النفوذ الأمريكي (الشرق الأوسط والمغرب العربي مثلا)، كما لغتها التي تأسست علي خلفيتها منظمة الفرانكفونية، بدأت بدورها تتراجع وتحتل مكانا بعد لغة أمريكا! فرنسا التي طالما نعتت بـ وطن الثورة يصيبها اليوم الضيق، إلي درجة أن صحافتها لم تستطع تقبل ما يحدث بها من احتجاجات وغضب عارم، ففضلت أن تترك جانبا التطرق للأسباب الحقيقية التي أنتجت هذه الاحتجاجات، وتلغي تلك الأسباب لتنسب مصادر الاحتجاجات إلي تحالف متطرفين من اليمين ومن اليسار! رغبة منها ربما في تطويق الأزمة وعدم كشف المستور، في حين وأنه كما يبدو أن الفرنسيين أدركوا بالسرعة اللازمة الخطر القادم من مفاهيم العولمة، وتجندوا جميعا لوقفه ورده، لأنهم يدركون جيدا ما يفعله زحف العولمة الذي لا يفرق بين القوي والضعيف، وأنه هو من يفعل فعلته في فرنسا اليوم ويجرها إلي الأزمات ليفرض عليها السير في المنحي الذي يخدم قوة المال بالأساس علي حساب المجالات الاجتماعية، إنها قوانين العولمة التي أثرت بشكل كبير علي مجالات فرنسا الحيوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فالرئس الفرنسي جاك شيراك، ولما طلب منه التحكيم في ما يحصل، لم يجد بدا من الموافقة علي القانون (مع بعض التعديلات) مصدر ما أصاب البلاد من شلل كامل في العديد من القطاعات!وإذا كانت الأسباب الحقيقية خلف ما يحدث بفرنسا يعود في الأصل إلي تعاليم العولمة المتوحشة، فإن الذين يقودون هذه الاحتجاجات بفرنسا لا يسعون لهدم الرأسمالية، والإتيان ببديل لها كما كان يقع في السابق، وبالضبط قبل انهيار المنظومة الاشتراكية التي تهاوت ووقعت بدورها عقب اختناق قوي أصابها وأضر بمواطني بلدان تلك المنظومة، فالفكر الشيوعي والاشتراكي وإيديولوجيتهما أصبحتا اليوم أمام وضع جديد يفرض عليهما التعامل الذكي والإيجابي مع سياسة تحرير الاقتصاد، وهو أمر ليس سهلا أو بسيطا، ولكنه أمر في غاية التعقيد، يتطلب من منظري ومنتجي ومجددي هذا الفكر، مجهودا جبارا يقتضي توليف مفاهيم العولمة وحاجات الناس الاجتماعية والاقتصادية والتي هي غالبا ما تتعارض واقتصاد السوق، فالزمن اليوم لم يعد زمن الحلول الراديكالية بالتخلي عن الرأسمالية واعتماد حلول بديلة، لا مناص اليوم من الرأسمالية، لكن هذا لا يعني أبدا الاستسلام لقوة المال، وتركها تفعل ما تشاء في الناس وحاجاتهم، بل بالعكس من ذلك، فإن الزمن اليوم يتطلب أكثر من أي وقت مضي من الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الحداثية، مزيدا من الذكاء والمثابرة والاجتهاد، لتحويل مفاهيم العولمة إلي رافعات أساسية تخدم قوة العمل وحاجات الناس بالقوة ذاتها التي تخدم قوة المال! لم يعد في العالم اليوم من يدعو لقيام الاشتراكية علي النموذج الذي ساد بعد ثورة أكتوبر البلشفية سنة 1917، فمنذ بزوغ مفاهيم الكلاسنوست والبروستويكا بداية الثمانينيات، أصبحت المنافسة والصراع حول التنافس الحاد لصياغة أدوات حديثة وجديدة في إطار الرأسمالية ونظام العولمة، باستطاعتها تقديم إمكانيات وإمكانات توفر العيش الكريم والاستقرار لمالكي قوة العمل، والانسجام التام مع مالكي قوة المال. غير أن الوضع السياسي الفرنسي اليوم المتداعي والمهترئ، لا يساعد علي بلورة فكر جديد يلبي تلك الحاجات والحاجيات، كما لا يساعد حتي علي قيام حوار هادئ ومتزن يفضي إلي خلاصات حديثة وحداثية، فأوضاع الحزب الحاكم نفسه ليست علي ما يرام ولا تسمح بذلك لا فيما بين منتسبيه ولا بين القوي الفرنسية الأخري من مثل النقابات والأحزاب، فالصراع المحتدم بين رئيس الحكومة دوفليبان ووزيره ساركوزي يزيد من تأزم الوضع، ولا يتيح المجال الأوسع لإخراج فرنسا مما هي عليه، بقدر ما يضع العراقيل أمام مساحات التواصل والحوار المنشودين في مثل هذه الظروف، والتي هي طبيعية وعادية قد تقع في أي بلد من البلدان مهما كانت قوتها وقوة منتجي فكرها السياسي والمجتمعي، ولا أحد يمكنه نكران هذا الوضع السياسي المتردي، ولو كان الأمر غير ذلك، لما انتفض الطلاب والعمال، ولما وصل الأمر إلي الشلل الكلي في العديد من القطاعات، ولما تجاوزت هذه الاحتجاجات طابعها السلمي وتحولت لأعمال عنف ونهب وسرقات.ومع قرب موعد الانتخابات الرئاسية في 2007، فإن أحزاب المعارضة (وخصوصا أقوي أقطابها الحزب الاشتراكي) تجد في هذا الواقع، فرصة لكسب تأييد الجماهير وتوسيع قاعدتها الانتخابية، ليظل البحث عن المشاريع المجتمعية الجديدة والتي تستجيب للمرحلة التاريخية الراهنة، غائبا أو فقط غير مركز نظرا لتشتت الجهود في التحضير الانتخابي بالأساس. ہ كاتب من المغرب8