أيها الموت متي ندفنك؟

حجم الخط
0

أيها الموت متي ندفنك؟

خيري منصورأيها الموت متي ندفنك؟يا سياب ويا وهاب ويا دنقل ويا ونوس ويا عدوان ويا ماغوط.. لا تصدقونا حتي لو ابتلت اوراقنا بدلا من المناديل من الدموع، ويا سعدي ويا ادونيس ويا محمود ويا بقية السلالة الخضراء لا تموتوا كي تمنحونا نصا اضافيا او سلة ورد نفرغها من الورد كي نملأها بالخبز.ايها الاصدقاء الذين ماتوا قبل الاوان وفي الاوان وما بعد الاوان، نحن نعيش الان اليوم الثامن من اسبوعكم، والشهر الثالث عشر من رواتب البنوك والساعة الخامسة والعشرين التي تمكث فيها البومة الهيجلية ساعة وحي تنعب في الغسق!قالها ومضي ذلك الساكسوني الحصيف الذي حفظنا عن ظهر دولار، قال بأننا نعشق موتانا اذا وقعوا علي وثيقة بيضاء بلون الكفن بأنهم لن يقوموا، وان القيامة لا تخص الا هؤلاء الخالدين الذين تحالفوا مع الزمان والفقر والزنزانة علي قتل كل ما تلوح في ريشه بقعة بيضاء.وقالها آخر اقل حصافة من السكسوني عن عشقنا للرثاء حتي لو كان مديحا آخر للموتي ولنعترف ذات خريف بأننا سئمنا من طقوس الجنائز، وترتيب اولويات الوداع لان ما لدينا من دموع لا يكفي، ولان قبور من يرحلون لا تتسع لهم بقدر ما تتسع للاحياء الذين يبرطعون اذا تلمظوا بنواة حبة زيتون او تمرة مرة!هي لحظة للتقاطع غير المحسوب، بين خط طول شعري وخط عرض جنائزي، فكم من الايام غير العجاف عاش هؤلاء؟وكم من الليالي ناموا علي غير الطوي، وكم امرأة فرطت جديلتها علي نعاسهم البري فوق وسائد من حجر؟نودعهم وهم عرايا الا من اكفان لا جيوب لها، والعروة الوحيدة عند النّحر تماماً، تعرف الدودة الماكرة كيف تفكها كي تصل الي سويداء القلب!ولست ادري سببا لهذه النوبة التي اعترتني بعيد رحيلهم واحدا تلو الاخر، وواحدا ممسكا بما طار في الهواء من قميص الاخر، فالكتابة المتأنقة في وداعهم تبعث علي الغثيان، كما يفعل رجل اخرق اذا بحث عن مرآة ليحلق ذقنه تحت غارة جوية او في اللحظة التي هدأ فيها الزلزال.لم نودعهم كما يليق بهم، وبما يناسب هذا العقوق الذي اقتاد الابن من اسنانه اللبنية كي يحاول قضم حلمة ثدي امه.هم اخوتنا، منهم الاكبر ومنهم الاصغر ومنهم من عاش خارج التقاويم، كأن يكون قد ولد بلحية بيضاء، او فم أدرد.عبدوا لنا طريقاً كان محرما بأصابعهم المبتورة، وافتدونا باحتمال اللدغة الاولي، لكننا تناسيناهم في القطفة الاولي رغم ان الرحيق كله مما تقطر من دمهم وعرقهم ودموعهم السرية!ہہہاما من وداع آخر بطقوس مضادة، يجترحه من أخطأهم الموت حتي الان لهؤلاء الذين صرخوا في الوديان، وتفجرت اوردة اعناقهم وهم يستغيثون بلا مجيب؟لقد مات احدهم في آخر هزيع من ليلة الخذلان، بعد ان اشعل لنا الشمعة الوحيدة التي وجدها في جيب معطفه.. ولا ادري لماذا اسرعنا في دفنه، وهو الذي فاض عن مساحة كفنه وعن مساحة قبره الصغير؟ومات الاخر بعد عام فقط من مرض عمره الاوروبي او الامريكي او الاسرائيلي عشرون عاما، لا لشحة الدواء، بل لشحة العواطف، والسرعة في التناسي والاستعداد المبكر للدفن.ومات الثالث لان سائق باص صفعه علي وجهه وقال له ان كنت تريد سفرا مريحا فاذهب واشتر سيارة ..ومات الرابع بشيخوخة ربيعية مبكرة لان عدة انيميات تحالفت ضد عافيته وافقدته مناعة الجسد.. لكنها ضاعفت من مناعة الروح!لن اعدهم واحدا واحدا، لانهم عديدون ولان الضجر قد يصيب نافدي الصبر ممن هم الان علي قيد الموت رغم توهمهم بانهم علي قيد الشعر وقيد الشعر وقيد الحياة وقيد المقايضات. ان من يفتح هذا الملف الاصغر، قد يصدمه تعاقب الصور الشاحبة بالاسود والاسود واحيانا بالابيض والاشيب، ولو كان للشعراء العرب الراحلين قتلا او كمدا او ضجرا مقبرة واحدة لما نبت في ترابها غير الصفصاف والسنديان، اما الصبيّر فليس من هذا الملكوت، لانه يخجل من عجزه وعجز ألواحه الصمغية الثقيلة عن الحفيف!ہہہكان سعد الله ونوس وممدوح عدوان باسلين في الخروج للسرطان وجها لوجه وعافية لورم، وحبرا اخضر لسم بلون الصدأ.. ولولا التلفزة، لما كانت تلك الحرب مرئية بين العصفور والثعبان، وتعلمنا منهما ان الموت أرنب أرعن اقتاده سوء طالعه الي العرين!اما محمود درويش الذي مات دقيقة واحدة كما قال لي ذات احتفال كوني غير متلفر،فقد شاهد البياض البكر، بل افتضه كسحابة عذراء وامطر جدارية هي حرب ضارية بين حي يصر علي الحياة وموت مراوغ نذل يتسلل من عروة قميص مفتوحة او من تحت الباب.وفي المرة الاولي افتــدت محمود حمامة تونسية واعطته ما تبقي من الحياة والهديل، لهذا عاش رغم الموت، بل حول الموت لمرتين علي الاقل الي قط يتثاءب تحت قدميه او يتسلل في العتمة الي ما فاض من الشرشف عن سرير العازب!لقد كان الشعر توأم الموت منذ اللحظة الاولي التي حول فيها الشاعر بصلة القبر الي زنبقة حياة، لهذا لم يخف منه ريلكة الذي رضع من ينابيع الفلسفة التي عشقها فكرة هايدجرية خلاصتها انه ما من موت خارج الحياة.فالموت يولد معنا.. وينمو معنا، ويشاركنا الرضاعة من اثداء أمهاتنا، ويقتسم معنا سرير الحب.. لكنه لا يجد له متسعا في التابوت، لانه لا يستحق الجنازة وقد لا يستحق الدفن!ہہہعندما مات ايلوار اعتذر العشاق من قرائه عن لقاء الاحد.. وعندما انتحر ماياكوفسكي سقط ندف الثلج علي حقل من الورد الاحمر في ضاحية موسكونية فأحالها الي فستان عرس.وقد يحدث شيء ما كالزلزال السري عندما يرشون الماء الاخير علي سرير الصخر.ومن حقنا ان نزعم بان سنبلة ما قد حلت ضفيرتها قبل الاوان وبعيدا عن ارهاب المناجل عندما ابلغتها الريح بان شاعرا ما قد اغمض عينيه الي الابد!وليقل الذرائعي وحليفه الكلبي وثالثهما الفريسي ما يشاؤون ونحن نهذي بعد ان نفضنا الغبار عن اصابعنا.ليقل هؤلاء ما يشاؤون لان رياضياتهم مجرد كسور عشرية، ولان دوائرهم اصابها الدوار وهي تبحث عن مركزها الضائع!فالموت اشد غموضا من هذا الهذيان اللغوي المضمخ بملح العيون، ولو سئلت وردة بعد ذبولها عن سبب افول الرائحة لاجابت بلغة لا يفهمها بائع الزهور او حتي زارعها.ان موت الشعراء قيامة عاجلة، وغسقهم شفق يساء فهم احمراره، لهذا يجدر بهم وداع آخر، لم يألفه كتاب المراثي ولم يجترحه بعد حتي أعزّ التوائم.ہہہهي مناسبة، مجرد مناسبة للاستذكار فقد اصطحبني الراحل جبرا الي بيته بعد وداع لميعة، وكانت غرفة النوم مرتبة، والنعاس يقطر من اهداف الشرشف الحريري الازرق.. قال جبرا.. ما الموت؟ فقلت له علي الفور دلّني علي الحياة لأدلك عليه، فقال بعينين دامعتين وقد تضاعفت التجاعيد حول عينيه.. مشيرا بيده الي السرير المرتب.ـ هذه هي الحياة.. ولم يمكث طويلاً بعد ذلك المساء، اذ سرعان ما اصاب الضجر حتي اصبع قدمه الصغير فقرر ان ينام!ومن يدري؟ لعل ما قاله بول فاليري عن تهربنا الابدي من البدهيات لانها الاشد غموضا من الفحم الحجري هو ما يدفعنا الي اساءة فهم الموت، فهو تارة مجرد هناك مضادة لهذه الـ هنا او مجرد وجه اخر لصورة مقلوبة.الموت حيث هو، وكما هو كالحقائق تماما، لكن موت العصافير ليس كموت الثعابين، لان الاولي تكف عن الغناء والثانية تكف عن اللدغ!ويبدو ان هناك مواسم للموت، لا يحزر رائحتها الرمادية حتي الانف المدرب..ففي بضع سنوات مضت، ودع العرب عنقودا من اغلي ما جاء به الزمان وصاغه ثم علقه علي عنق اجرب، ومعظم هؤلاء ولدوا علي تخوم قبورهم، فما كان صوت المطر بالنسبة لعبد الصبور سوي تذكير بيوم شتائي قادم يموت فيه..وما كان رنين المعاول الحجرية الا العزف المنفرد لعزرائيل بالنسبة لبدر السياب، اما بقية العائلة.. فقد تداولت وترا مضفورا من اوردة نازفة. وما كان هذا التعاقب في الوداع لشعراء العرب من رواد وابناء واحفاد الا موسم موت رمزي.. فقد شح الاكسجين، وتأكسدت السّماء، وبكت الأفراس بل انتحبت لانها جردت من صهيلها!!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية