حماس في الاتجاه الصحيح
زهير اندراوسحماس في الاتجاه الصحيح لا أحد يؤيد قتل المدنيين أيا كانت هويتهم، ونحن من هؤلاء، وبالتالي فإننا نعتقد أن عملية تل أبيب التي نفذتها حركة الجهاد الإسلامي، يوم الاثنين من هذا الأسبوع، مدانة لأنه ليس من شيم شعبنا الفلسطيني قتل المدنيين الأبرياء والعزل، حتي وفق التعريف الغربي الرسمي المتداول للإرهاب، والذي يقول بأنه قتل مدنيين غير مشاركين في العمليات العسكرية.علاوة علي ذلك، فان توقيت العملية من قبل مخططيها أربك الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي تتعرض لحملة عالمية شرسة لعزلها وتأطيرها في خانة الإرهاب والإرهابيين، وبات واضحا أن المؤامرة علي حماس، الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني في المناطق المحتلة، شاء من شاء وأبي من أبي، تشمل الـــولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل ودولا غربية وبطبيعة الحال دولا عربية وجهات فلسطينية أكل الدهر عليها وشرب. فلا يعقل أن يقوم وزير الخارجية الفلسطيني الدكتور محمود الزهار، المنتخب ديمقراطيا من قبل شعبه، بزيارة إلي مصر ولا يجد أي مسؤول حكومي يستقبله أو يجتمع معه، كما أن افتعال المملكة الهاشمية أزمة مع حماس وإعلانها بأنها لا تريد استقبال الدكتور الزهار علي أراضيها، تؤكد ما قلناه دائما بأن الدول العربية لا تمتلك الشجاعة لكي تغرّد خارج السرب الذي تقوده واشنطن.ولكن علي الرغم من ذلك، فإننا نري أن حركة حماس تدير المعركة ضد الجبهة العالمية بحنكة وحكمة وذكاء، وتقوم بإزاحة الحجارة، كما يفعل لاعب الشطرنج البارع، عندما يحرك حجرا ويفكر ثلاث خطوات إلي الأمام.لا نجزم ولا نفصل إذا قلنا بأن حماس تقود المعركة علي جبهات مختلفة بهدف تصديع الجبهة العالمية: أولا، الحركة تحافظ علي علاقات طيبة مع دول عربية وإسلامية، فإعلان قطر عن تبرع بمبلغ مائة مليون دولار للشعب الفلسطيني لا يدور في فراغ، كما أن العلاقة مع إيران تندرج ضمن رؤية الحركة لبعدها ولعمقها الإسلامي. ثانيا، المسار الذي تنتهجه حماس هو اختراق الحصار الأوروبي ومحاصرة الحصار، فها هي النرويج توجه دعوة رسمية لممثلين عن الحركة لزيارتها، وها هو رئيس الحكومة إسماعيل هنية يهاتف نظيره الايطالي المنتخب رومانو برودي ويقدم له التهاني بمناسبة انتصاره الكبير علي رئيس الحكومة السابق الموالي لأمريكا سيلفيو برلوسكوني، ولا غضاضة بالتذكير بأن أول تصريح أطلقه برودي بعيد فوزه كان أنه سيسحب القوات الايطالية التي تشارك في احتلال العراق وانتهاك أرضه وعرضه، زد علي ذلك الموقف الروسي المؤيد للحركة والإعلان الذي صدر هذا الأسبوع من موسكو عن نية الحكومة التبرع بعشرة ملايين دولار للشعب الفلسطيني. ثالثا، تعمل حماس بتأن علي إقامة علاقات مع دول عدم الانحياز، فعلي سبيل الذكر لا الحصر، نورد في هذا السياق أن وفدا من الحركة سيقوم بزيارة رسمية إلي الصين في شهر أيار (مايو) القادم، وهناك أنباء شبه مؤكدة عن اتصالات رفيعة المستوي مع الهند، التي تستورد الأسلحة المتطورة من إسرائيل وتقيم معها علاقات دبلوماسية وطيدة، ناهيك عن العلاقة المميزة لحماس مع النظام الحاكم في جنوب أفريقيا وقيام وفد يمثلها بزيارة رسمية إلي تركيا. أما عن موقف الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، فحدث ولا حرج، فالرجل الذي يقود دول أمريكا اللاتينية إلي تبني سياسة معادية لواشنطن العدوانية، كان أول من وجه دعوة إلي قيادة حماس لزيارة كاراكاس وأعلن عن دعمه الكامل وغير المنقوص للاختيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني، فكان الرد الإسرائيلي علي ذلك بأن شافيز هو لاسامي، لأنه صرح في مقابلة متلفزة بأنه من غير المعقول أن يتحكم أحفاد أولئك الذين قتلوا السيد المسيح عليه السلام بالاقتصاد العالمي.والشيء بالشيء يذكر: عندما قام مجرما الحرب جورج بوش وتوني بلير بالعدوان الامبريالي علي العراق قبل ثلاثة أعوام، وقفت أغلبية دول العالم إلي جانبهما، لكن مع مرور الأيام وانقشاع الغيوم وظهور الصورة الواضحة وانكشاف الأكاذيب التي سوقت للعالم لتبرير العدوان، بدأت هذه الجبهة بالتصدع، وكانت اســـــبانيا لمن خانته ذاكرته أول دولة تسحب قواتها من العـــــراق وتعلن علي الملأ تحديها للإدارة الأمريكية، وبدأت المســبحة تفرط، لأن ما قام علي باطل هو باطـــــل، ودول العالم وشعـــــوبها ليسوا رهائن لدي الأرعن بوش ووزير حربه دونالد رامسفيلد ونائبه ديك تشيني.وعود علي بدء: الحصار المفروض علي الشعب الفلسطيني لتصديقه الرواية الأمريكية الكاذبة عن الديمقراطية وانتخابه حماس، ومحاولة تركيعه عن طريق تجويعه، سيجد طريقه عاجلا أم أجلا إلي الزوال، فالشعب الفلسطيني لم يكن يعيش في رفاهية ورخاء قبل وصول حماس إلي السلطة، والجرائم التي يقترفها الاحتلال الإسرائيلي ليست وليدة اليوم ولا البارحة، بل إنها مستمرة منذ نحو ستين عاما. أي أن هذا الشعب أثبت للعالم أنه من أجل تحقيق أحلامه وآماله علي استعداد للتضحية، حتي لو اضطر، كما قال رئيس الحكومة هنية بأن يأكل الزيت والزعتر.حماس تدير معركة غير متكافئة بالمرة مع إسرائيل وحلفائها، ومع ذلك فإنها تمكنت حتي الآن من تسجيل العديد من النقاط لصالحها، هذه النقاط، التي تصب في الصالح الفلسطيني العام. بالإضافة إلي ذلك، فلا نعتقد بأن حركة فتح المحطمة والمتشرذمة ستعود إلي سدة الحكم في القريب، ومن يعول علي ذلك فهو مخطئ، ويبني سياسته علي أبراج من الرمال المسروقة وغير المسروقة لبناء جدار العزل العنصري.يحق لنا أن نتفاءل، ويحق لنا أن ندافع عن خيار شعبنا الديمقراطي، ونقترح علي المدسوسين من أبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية أن يكفوا عن حياكة المؤامرات والمكائد والدسائس علي الشعب الفلسطيني قيادة وشعبا، لأن هذا الشعب علّم الجميع أنه لا يضيع حق وراءه مطالب، وتعلّم أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة. ہ رئيس تحرير صحيفة كل العرب الصادرة في الناصرة8