تشـاو
رشاد أبو شاورتشـاويمكن القول أن تلك الفتاة قد أخذت قلبي وروحي معهاوهي تغادر المطار مع ذويها .في الطائرة جلست بجواري، تناومت عند بدء الرحلة، وحين أفاقت ذهبت إلي الحمّام. لمّا وزعت المضيفات علينا الطعام، أكلت قليلاً، وشربت قهوة ثمّ انهمكت في قراءة رواية (العيون الزرق) لتوني موريسون.هي سوداء كحبّة قهوة محمّصة حتي اللون الذي يصفونه بالأبنوسي…عيناها زرقاوان، وشعرها شديد السواد، ناعم غزير ينسدل علي كتفيها العريضين، وظهرها.سميّتها بيني وبين نفسي (إبنة الغابة)، ثمّ وجدت أن التسمية قليلة، بل ساذجة، وتبخس جمالها قيمته، ثمّ قرّ قراري علي تسميتها بـ(الأبنوسيّة الغامضة).هذه الفتاة ـ لم أهتد لتقدير عمرها ـ ربّما في الثانية والعشرين، أو الرابعة والعشرين، ربّما، هي في كل حال سنوات و..عشرون لا أكثر.كيف امتزجت قارات معاً في امرأة، في العينين، بشرة الجسد، الشعر، الغموض؟تفطنت أنني رأيتها في فندق (هيلتون) أديس أبابا ترقص مع شاب أشقر طويل القامة يتكلّم معها بالإيطالية (أعرف كلمات طليانية تعلّمتها من كتاب تعلّم الإيطالية بدون معلّم ، ذلك أنه من عادتي أن أقتني كتباً تعلّم اللغات في أسبوع، وبدون معلّم، كلّما تشرّدت مضطّراً إلي بلد أجنبي).سألتها وقد رفعت رأسها عن رواية توني موريسون:ـ ألست أنت التي رأيتك في فندق هيلتون ترقصين رقصاً أخّاذاً؟ابتسمت:ـ أنا…شفتاها رقيقتان، وأنفها دقيق، وهي تتنفّس بهدوء، ومنها كلّها تفوح رائحة عطرية حريفة لم أشمّها من قبل، رائحة تأخذني إلي الغابات، وقرع الطبول، رائحة توحي بأجساد حارة ترقص وسط نيران ليليّة، مزيج من همس زهور مجهولة وصيحات وحوش تنادي بعضها لتتزاوج…ـ إلي أين وجهتك؟ـ روما، فهناك عائلتي، أمي وأبي..وأنت؟ـ وأنا إلي روما..سأذهب إلي (الكولسيوم) أريد أن أكتب شيئاً عن صيحات العبيد، وتفجعات المصارعين، ثمّ أستأنف رحلتي إلي مكان لا أعرفه…ابتسامتها ضوء عاجي، ناصع، فرح خلاّب. أوّد لو أميل رأسي علي كتفها، لكن…عادت واستغرقت في القراءة، فتشاغلت بسرد حكاية لنفسي عن فتاة سمراء أبنوسيّة، شعرها ناعم، عيناها زرقاوان كبحر، تأخذ رأس شّاب مسافر في طائرة، يكره المطارات، يكتئب لمرأي رجال الشرطة، لا يفرح بالسفر..تفتح معطفها وتأخذ رأسه وتريحه برفق علي صدرها، وتهبط به في بلد لا يطلب جواز سفر، ولا فيزا للإقامة…دارت الطائرة في سماء مدينة روما، فأغلقت دفتي رواية توني موريسون، وسرّحت نظراتها عبر الكوّة الصغيرة متأملة معالم روما من الجو، بينما أنا أتلو (الفاتحة) وأبتهل إلي الله أن لا أتعرّض لمتاعب في المطار كوني عربيّاً بسحنة سمراء، أنا المتلهّف علي زيارة روما لأوّل مرّة، والمغادر إلي تونس بعد أربعة أيّام لألتحق بأبناء جلدتي… علي يساري عجوز تتمتم بأدعية لا أتبيّنها، وإن كنت ألحظ حركة شفتيها المجعدتين، ولذا استنتجت أنها تتلو أدعية لتسلم الطائرة ويصل المسافرون ـ وأنا منهم ـ بالسلامة. سألت الفتاة الأبنوسيّة:ـ أينتظرك والداك في المطار؟ سؤال غير مبرّر، ولكن ماذا افعل وأنا أتحرّق لسماع صوتها. هزّت رأسها بأن (نعم) وبشيء من بهجة اللقاء القريب، وتمتمت بالإيطاليّة التي لا أعرف منها سوي جمل قليلة منها (تشاو) و(برونتو)، وشوية جمل عن الفندق، المطعم، وأسئلة مثل: كيف حالك، أريد أن أراك، متي نلتقي، أحبّك كثيراً…سألتني: ـ من أين أنت؟بدون تفكير أجبتها:ـ من الشرق الأوسط!ضحكت لطرافة الجواب، ثمّ سألت:ـ من الشرق الأوسط كلّه؟ـ لا، من جزء منه، جزء أبحث عنه!رمشت بأهدابها الطويلة الرشيقة، وكأنها تقول: لا أفهم…رأيتها ترقص في (الهيلتون)، وتأملتها في قاعة الترانزيت، وابتهلت إلي الله أن لا يسافر معها ذلك الفتي الذي كان يضمها ويداعب شعرها، ويتشمم عنقها وهو يذوب فيها بينما هي تبتسم وتمسّد شعره، وتداعب عنقه بأصابعها الرشيقة.ونحن نغادر المطار فتحت أذرع لاستقبالها: أم سمراء منحتها بعض ما تتمتع به، وأب أشقر أخذت منه لون عينيه الزرقاوين…التفتت صوبي، حرّكت أصابعها الرشيقة كأنها تعزف علي الهواء، وارتفع صوتها مبتهجاً بفرحة اللقاء بالأهل وروما: ـ تشاو…0