الأمريكيون قسّموا بلادنا كما يناسبهم ويساريونا انقلبوا طائفيين: لكي تتوحد مجتمعاتنا يجب الاقرار بالتنوعات الموجودة فيها
محمد شاويشالأمريكيون قسّموا بلادنا كما يناسبهم ويساريونا انقلبوا طائفيين: لكي تتوحد مجتمعاتنا يجب الاقرار بالتنوعات الموجودة فيها أريد في هذا المقال أن أدافع عن وجهة نظر تحليلية تقول ان الانقسام الاجتماعي الحاد الذي نراه الآن في بلادنا لم يكن ولن يكون في المستقبل أيضاً أمراً حتمياً ولا بديهياً، وان أسبابه الظاهرة ليست هي الأسباب الحقيقية التي تفسره، وأريد بناء علي ذلك أن أنقد ما يراه الكثيرون الآن بديهيات تفسر الانقسام الحاصل، ثم أنتقل لوصف ما أراه الوعي التوحيدي الحقيقي الذي يجب أن ينهض كنقيض لنوعين من الوعي: الوعي المتشظي ، و الوعي التوحيدي الزائف . ولكني سأبدأ بوصف الواقع كما يتجلي في الوعي الجمعي:1 ـ فقدان السيطرة علي المصيرثمة نكتة سورية تقول ان رجلاً رأي في طريقه قشرة موز فقال: أعاننا الله علي هذه الوقعة! . و يذكّر بهذه النكتة ذعر المجتمع السوري من تدخل أمريكي، يسقط النظام ويفضي الي حالة مأساوية من التناحر الداخلي الدموي والفوضي الأمنية تشبه حالة المجتمع العراقي الآن. وشر المصيبة ما يضحك!.تماماً مثل الرجل في النكتة الذي آمن أن التزحلق بقشرة الموز حتمية لا يمكن تجنبها، وغاية ما يستطيع فعله أن يدعو الي الله أن يعينه علي تحمل نتائج هذا التزحلق، يري المجتمع نفسه غير قادر علي منع فعل تدميري لن يكون بصورة جوهرية غير فعله هو، بنفسه وضد نفسه، فكأنه ينظر الي ذاته الجمعية وقد فارقته وصارت خصماً له. ان هذا هو شكل كامل من أشكال الاستلاب، ولم يكن من الممكن تصور هذا الكمال في الاستلاب لولا كمال شكل الاستعباد الذي وصل اليه المجتمع السوري في نهاية الثمانينات، حين فقد نهائياً كل تعبير ذاتي جماعي مستقل، وتذرر الي ذرات منفردة، وأصبحت السلطة (لا الدولة) هي القوة المنظمة الوحيدة التي يقف ازاءها المجتمع لا بوصفه ذاتاً جمعية متحدة (شأن المجتمعات العادية، بل شأن الدكتاتوريات العادية) بل بوصفه مجموعة من الأفراد المفتقدين كلياً لكل ارادة وشخصية مستقلة. وبنتيجة ذلك لم يعد لدي المواطن شعور بأنه يستطيع المساهمة بأي شكل بتقرير مصيره، وهو يستبطن الاعتقاد المرير (الذي سميته في كتاب قديم الاستلاب التغلبي ) أن كل ما يقع له انما يأتي من قبل قوي هو حيالها عاجز كلياً، فهي ذات قوة لانهائية علي حين أن قوته صفرية. والسلطة المصابة بمرض فرط التسيس الذي أصيبت به المعارضة أيضاً تشجع هذا الاعتقاد المستبطن وتحول بالقوة دون أن يتراجع أو تتزحزح جذوره حين تطارد بوسوسة مطلقة كل مبادرة مجتمعية ذاتية (حين حاول طلاب ثانوي تنظيف شارع بمبادرة ذاتية اعتقلوا وحقق معهم!).لكن الشعور بفقدان السيطرة علي المصير لا يقتصر علي المجتمع السوري، وأعتقد أن كثيراً من الغيورين في مجتمعنا المنكود من المحيط الي الخليج قد وقفوا حائرين مثلاً ازاء تلك الحادثة الغامضة التي قام فيها شخص ما أو أشخاص لا نعرف عنهم شيئاً بالهجوم علي مصلين في كنائس قبطية في الاسكندرية، ولا يتركنا الكذب الواصل الي درجة العهر الذي تعودناه من أجهزة اعلام الأنظمة العربية نثق بصحة المعلومات التي أذاعتها وسائل اعلام ذلك البلد العربي الأساسي، مصر واسطة العقد وأم الدنيا العربية، التي لا ترتجي للعرب نهضة حقيقية ان لم تنهض هي من كبوتها الطويلة. نحن لا نعرف من فعل هذه الفعلة وكيف، واذا كنا لم نعد نعرف ماذا يجري بين ظهرانينا فهذا تعبير عن الدرجة القصوي من فقدان السيطرة علي المصير. وهذا ما وجدناه في العراق، فقد قرأنا في البداية رسالة أذاعها الأمريكان باسم شخص اسمه أبو مصعب الزرقاوي يعلن فيها شن حرب علي الشيعة، وبالفعل بدأت بعدها الحرب فوراً بهجمات وحشية غريبة طائفية الطابع لم يشهدها تاريخنا الطويل، تماماً كما أن تاريخنا الطويل في مصر لم يشهد، ربما منذ عهد عمرو بن العاص، أن شخصاً يقتل مصلين مسيحيين في كنائسهم.2 ـ في نقد البديهيات : هل الطائفية أمر بديهي؟أصبحت اللغة الطائفية لغة بديهية نراها تعبيراً بديهياً عن واقعة اجتماعية ، فما دام هناك طوائف، وفقاً لهذه البديهية فلا بد من وجود طائفية!. مع أن الذين يرون الأمر بديهياً لا يفسرون لنا لماذا لم يكن الحال هكذا سابقاً مع وجود طوائف وأديان ومتدينين. البديهية قد لا تكون بديهية في النظر العلمي الموضوعي، حتي لو بدا أن الواقع يؤكدها، فقد مر زمن كانت فيه الماركسية الثورية تملأ العالم وتقود ثورات كبيرة تهز البنيان الاجتماعي، وفي ذلك الوقت بدا التأثير الماركسي بديهياًً انطلاقاً من رؤيتها هي بالذات، فهي تتكلم عن صراع الطبقات، فهل يشك أحد بوجود طبقات في المجتمع؟ اذن فمن المنطقي أن الطبقات الكادحة سوف تسمع التحريض الماركسي وتنساق وراءه! وقد حصل هذا فعلاً، لكنه كان موجة وانتهي، والآن بقيت الطبقات لكن التحريض الماركسي ما عاد يهتم به أحد فما الذي جري للبديهية القديمة؟ وبالذات في بلادنا التي تشكو من حالة افقار متزايد، أي من حالة كان الحكام والثوريون الشيوعيون معاً في نهاية الستينات ومطلـــــع السبعينات يرونها حالة نموذجية لاندلاع صراع طبقي في المجتـــــمع، لماذا لم يعد حكام العرب يرون في الشيوعية خطراً كما كانوا يرونها في مطلع السبعينات؟ان التطبّق (أو التشرّح) الاجتماعي هو ظاهرة معقدة، وهو ينتج أشكالاً من الصراعات الاجتماعية تختلف باختلاف نوع الهوية التي تقسم المجتمع في وقت من الأوقات، فالهوية الكاثوليكية والبروتستنتية ظلت عقوداً طويلة تقسم ايرلندا الشمالية علي حين أنها منذ قرون لم يعد لها أي دور تقسيمي في الولايات المتحدة أو ألمانيا مثلاً، ان وجود اختلاف في الهويات في المجتمع لا يعني الصراع كأمر بديهي، ذلك أن المجتمع يمكن أن نقسمه بخيوط وهمية بلا حدود، فهو نفسه قد تقسمه علي أساس قومي أو طبقي أو عشائري أو مهني أو حتي علي أساس الاهتمام بالرياضة! الي آخره، ومن الخطأ الشائع أن ننظر الي التقسيم الذي يسبب في زمن معين صراعاً علي أنه هو حقاً السبب في الصراع، حتي ولو خيض الصراع باسمه وكان هذا ما هو موجود في وعي القائمين عليه.لم يكن الصراع في نظام التفرقة العنصرية المندثر في جنوب أفريقيا ناتجاً عن كراهية عرقية بين البيض والسود، وان كان تسعة وتسعون بالمائة من فريق سود البشرة وتسعة وتسعون بالمائة من الفريق الآخر بيضاًً، فالانقسام كان من نوع معقد، طبقي وثقافي وقومي، بل دخلت فيه عناصر تخص مجتمع السكان الأصليين حين رأينا الموقف الخاص الذي وقفته حركة الزولو انكاتا متحالفة مع النظام ضد المؤتمر الوطني الافريقي.ولأضرب لأصحاب نظرية البديهية كما يمكن أن أسميها مثالاً من مجال اجتماعي- سياسي مختلف: ما رأيكم في ظاهرة سيطرة العسكر علي السلطة؟ ألا تنتج بديهياً من كون الجيش هو القوة المسلحة المنظمة الوحيدة في كل دولة حديثة! ووفقاً للمنطق الذي لا أشك أن كثيراً جداً من مواطني البلاد التي يحكمها عسكر سيوافقون عليه ليس الغريب أن يحكم الجيش، بل الغريب أن لا يحكم وهو يستطيع (وفق توازنات القوي !) الحكم. فلم اذن يا سادة لا يحكم الجيش في بريطانيا وفرنسا وهو أقوي بكثير من الجيش الباكستاني مثلاً! هذا مثال علي البديهيات المضللة.لأجل أن نري سبب الواقعات الاجتماعية يجب علينا أن ننقد أنفسنا بصورة صارمة في كل خطوة من خطوات تحليلنا، وبالذات ينبغي أن نضع في أذهاننا أن ما يبدو بديهياً قد يكون مجرد تفسير تافه من نوع تفسير الماء بالماء، أي تفسير الوقائع الاجتماعية بوجودها ذاته، والحال أن السبب ليس هو الواقعة : الطائفية لا يجوز تفسيرها بوجود الطوائف مثلاً! والصراع الاثني لا يجد تفسيره في وجود اثنيات. كما أن مجرد وجود لونين للبشرة في جنوب أفريقيا (كان هناك هنود أيضاً) لا يكفي وحده لتفسير الصراع الذي سمي صراعاً عرقياً .وما نراه في مجتمعنا الكبير يؤكد تجريبياً ما تقدم، ذلك أن ما هو واقع عندنا هو تشظي المجتمع أما وعي الناس الذين يسلكون مسلك تقسيم المجتمع فيجب النظر اليه بروح نقدية لا روح مصدقة مصادقة، اذ أن المضـــــمون الظاهر (التعبير استــــعرته من فرويد الذي يفــــــرق في تحلـــيله للأحــــلام بــــين مضـــمون ظاهــــر للـــــحلم Manifester Trauminhalt ومضــــمــون كامن Latenter Trauminhalt) لأسباب الصراع لا يمكن لنا أن نقبله علي أنه الحقيقة ما دمنا نري الأسباب مختلفة مع اتحاد النتيجة : هناك طائفية في العراق ولبنان ويخشي منها في سورية أيضاً، وهناك مناطقية واقليمية في فلسطين والأردن، وفي المغرب العربي ثمة صراع بين الاسلامانيين والعلمانيين كما ثمة صراع اثني يعمل العاملون علي تأجيجه بين العروبيين وذوي النزعة الأمازيغية، أما الصومال الذي يتمتع بصفاء قومي وديني وطائفي ومذهبي نادر اذ هو بلد كل سكانه صوماليون لهم لغة واحدة ودين واحد هو الاسلام وطائفة واحدة هي الطائفة السنية، بل هو من مذهب واحد فيما أعلم هو المذهب الشافعي، فانه وقد اختفت فيه الأسباب البديهية للصراع وجد أسباباً بديهية غيرها ليتحول الي نموذج للتذابح الداخلي فاق فيه كل نموذج آخر!3 ـ كيف ننظر الي انقسامات المجتمع؟جاء الأمريكان الي العراق مستصحبين معهم مفهوماً لمجتمع هذا البلد الذي غزوه، وهذا المفهوم ليس مأخوذاً من عالم علم الاجتماع الغربي المعقد ذي المدارس الكثيرة، بل من عالم ذلك الاتجاه البحثي الذي هو الاستشراق، والذي أبدع ادوارد سعيد في وصف سكونيته ودوغمائيته الراسخة التي لا تتمتع بأي قدر من المرونة، فكأن البحث لا يغدو بحثاً بالمعني المعروف للكلمة، بل يغدو شأن أي محاججة لاهوتية كاثوليكية فعل ايمان !.فعل الايمان هذا يناسب خصوصاً التوجه الاستعماري، فالمعرفة لا تقصد لذاتها بل لخدمة علاقات السلطة التي يراد فرضها، والمجتمع لا يوصف انطلاقاً مما هو عليه، بل انطلاقاً مما تريد له القوة المستعمرة أن يكون عليه، ومن هنا غمّقت الخطوط التقسيمية التي يراد للمجتمع العراقي أن ينقسم علي أساسها، وفتّحت (بتشديد التاء الأولي) الخطوط التي يراد غض النظر عنها بهدف طمسها في الوعي ان لم يمكن طمسها في الواقع! (ربما نري في القريب العاجل حالة ايرانية معاكسة لحالة العراق، ففي العراق جعل الأكراد أكراداً لا سنة! أما العرب فلم يعترف بوجودهم كعرب بل جعلوا سنة وشيعة، الآن ربما تري الولايات المتحدة من المناسب أن تجعل من أهل الأهواز عرباً غاضة النظر عن كونهم شيعة! وتجعل من الآذربيجانيين آذربيجانيين غاضة النظر أيضاً عن كونهم شيعة حيث أن الهويات المفيدة هي دوماً الهويات التقسيمية التي تفيد خطة الفوضي الخلاقة ! ولو كان من المفيد جعل الهوية القومية الكردية فاهية لغمقت الهويات الصورانية والكرمانجية وجعلت قوميات مستقلة، بل لغمقت الهوية الطائفية للأكراد الأفيلية الشيعية، ولا بأس لاحقاً من توثين الاقليمية الكردية فيتعصب الكردي التركي لكرديته التركية كما يتعصب عندنا اللبناني للبنانيته والأردني لأردنيته والفلسطيني لفلسطينيته!، ناهيك عن الانقسام الموجود أصلاً بين بارتي و اتحاد وطني في كردستان العراق).وان كان لتلاميذ برنارد لويس هؤلاء مصلحة في ذلك، فانني لا أري مصلحة لنا، نحن الذين لا نريد لأوطاننا أن تغرق بدم الصراعات الطائفية والاثنية أن نتبني وجهة النظر الوحشية هذه.الواقع الاجتماعي عندنا هو أغني بكثير وأكثر ملاءمة لصيغة وحدوية طوعية من صيغة هؤلاء.من الأمور التي ميزت معظم القوي السياسية العربية أنها لم تنطلق في ممارساتها من تصور دقيق واضح للبنية الاجتماعية التي تعمل من خلالها، ومن المفارقات في هذا المجال أن السلطة التقليدية في المجتمعات العربية كانت أقرب لفهم تنوعات المجتمع الفعلية وخطــــوطه وألوانه في تعقيدها الواقعي بلا تجريدات نظرية أو أيديولوجية (مثلاً في ملكيات مثل الأردن والمغرب) من القوي السياسية العربية بألوانها الأيديولوجية، سواء منها تلك التي حكمت أم التي لم تحكم.ومما لا ريب فيه أن رؤية كل قوة سياسية للبنية الاجتماعية تتعلق بمنظومتها الفكرية، والمشاهد أن القوي ذات التوجه الديني تهتم بموقف شرائح المجتمع من توجهها الديني، والقوي اليسارية اهتمت طويلاً بالتركيب الطبقي للمجتمع، أما القوي القومية فيهمها التركيب القومي للمجتمع، لكن ما يجمع هذه القوي معاً هو أنها لم تنظر الي المجتمع نظرة واقعية براغماتية تأخذه بحاله وتبني علي هذه الحالة خططها، كما تفعل مثلاً الأحزاب السياسية في المجتمعات المستقرة سياسياً التي هي اجمالاً الدول المتطورة صناعياً، بل نظرت كلها الي الحالة الراهنة للمجتمع علي أنها من جهة حالة مؤقتة ومن جهة أخري علي أنها حالة مدانة يجب تغييرها، وكان لا بد لأسباب أيديولوجية أن تغض هذه القوي النظر عن الوقائع التي لا تتناسب مع منهجها في الطرح أو لا تعدها حقيقية أو أصلية ، من ذلك مثلاً أن التوجه الاقليمي عند بعض قطاعات السكان نظر اليه من قبل الأحزاب القومية علي أنه مرض اجتماعي، ونظر القوميون واليساريون معاً في الستينات والسبعينات الي الطائفية علي أنها مرض مؤقت للجسد الاجتماعي العربي، أما الواقعة الطبقية فلم تلفت انتباه الاسلامانيين منذ بداية الخمسينات بعد أن اصطدموا بالقوي المتوجهة اشتراكياً، وصار تركيزهم منصباً علي التحولات الاجتماعية من منظور أخلاقي جزئي هو منظور ذلك الجزء من الأخلاق الاجتماعية المتعلق مثلاً بالعلاقة بين الجنسين. ان كنا نريد وعياً اجتماعياً توحيدياً، فان علينا بعد هذه التجربة الطويلة أن لا نبني تصورنا لتركيب مجتمعنا علي أساس انكار التقسيمات التي لا تعجبنا وابقاء ما يعجبنا منها، بل علينا أن نبني هذا الوعي علي أساس تصور شامل للتركيب الاجتماعي، وشمولية التصور خلافاً لما يعتقده الفاعل الأيديولوجي لحد الآن لا تفرق بل توحد، وهذا لسببين:أولاً: لأن الوعي الوحدوي يجب أن لا يبني أصلاً علي اعتبار الهويات المعقدة التي ينتمي اليها أفراد المجتمع أسباباً للتفرق السياسي، بل يجب للوعي الوحدوي أن يبني علي الايمان بمزايا الوحدة ومساوئ التجزئة، وهذا ما وحد أوروبا التي لا تنكر أنها مركبة من مجموعة معقدة من شتي أنواع الانتماءات والهويات، بل هذا ما يوحد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أيضاً.ثانياً: لأن الاقرار بكل الهويات والانتماءات التي تركب المجتمع، يجعل من الصعب علي هوية واحدة أن تقسم المجتمع، ذلك أن الهويات الأخري ستخفض بشدة من تأثير تلك الهوية، و تفتّح الخطوط التي تحدثها في الجسد الاجتماعي وتجعلها فاهية لا غامقة .ولأضرب مثلاً علي هذه الفقرة الثانية: ان من المألوف عندنا لحد الآن أن نتحدث عن تقسيمين لمجتمعنا: التقسيم الطائفي، والتقسيم القومي.لكننا لو درسنا السلوك الاجتماعي بالملموس لشرائح مجتمع كالمجتمع السوري مثلاً لرأينا مباشرة تقسيماً ثالثاً هو في اعتقادي لا يقل أهمية عن هذين التقسيمين، ألا وهو التقسيم الي شريحة سكانية مدنية وشريحة سكانية ريفية أو من أصول ريفية.ومن ملاحظاتي الشخصية أن سكان مخيم اليرموك (معظمهم لاجئون فلسطينيون من أصول ريفية) كانوا دوماً يتعاملون بتفهم تلقائي مع السوريين القادمين من أرياف بعيدة أكثر مما يتعاملون بتفهم مع الدمشقيين العريقين، حتي لو كان الأخيرون في كثير من الحالات متوافقين في المذهب الديني معهم بخلاف كثير من القرويين.بل ان أهل القري من حوران أو السلمية أو مصياف أو جبال الساحل ثمة مشتركات في سلوكهم الاجتماعي، مثلاً في موضوع الاختلاط بين الجنسين، وفي اعتقادي أن الفصل الصارم بين الجنسين في سورية ومصر كان دوماً خاصية مدنية، علي حين كان الاختلاط صفة ريفيــــة، وبغـــــض النظر عن الدين، فقد كان المسيحـــــيون في المدن أيضاً يتبنون مبدأ الفصل علي حين أن المسلمـــــين وغـــير المسلمين في الريف كان الاختلاط نظامهم المعتاد ويحتاج تفسير ذلك لبحث مفصل لا أعلم أن أحداً قام به، وربما كانت قواعد الفصل الصارم والحجاب بأشد أشكاله تشدداً، أي بتغطية الوجه ظاهرة تخص مدننا القديمة وقد يكون لنشوئها علاقة بظروف أمنية مضطربة ميزت المدن في العصور المتأخرة، وانعكاس هذه الظروف واضح في نظام الحارات في المدن التي عملت ضيقة قابلة للسد فكأنها قلاع قابلة للاغلاق.ولو درسنا تاريخ سورية في القرن الأخير لرأينا هذا الانفصال بين الريف والمدينة واضحاً في الأدب والأيديولوجيا، وقد تميز نصف القرن الأخير بتحول السلطة من المدنيين الي الريفيين ، لكن المشكلة الآن التي يراها كل مراقب محايد ليس عنده انحياز وأفكار مسبقة، أن الطابع الطائفي لبعض الاتجاهات الفكرية السورية (بالذات من كانوا في أقصي اليسار) جعل هؤلاء طائفيين ضمناً وان كانوا في الظاهر علمانيين متعصبين، وعداؤهم للسلطة التي كانوا منذ مدة قريبة في سجونها يجعل عداءهم للأغلبية السكانية لا يأخذ شكل تضامن مع السلطة بل شكل مناصرة للاحتلال الأمريكي في العراق وأمل في امتداده الي سورية، لأن الأمريكان هم الذين سيجلبون بآن واحد لا خيرات الديمقراطية فقط (وفي اعتقادي أن هؤلاء يمكن لهم أن لا يتشددوا في شأنها كما لم يتشدد استئصاليو المغرب العربي في شأن الديمقراطية ودعموا أكثر الجنرالات قمعية ضد الأكثرية الانتخابية)، بل سيجلبون، وهذا عندهم أهم.. العلمانية! ومن هنا وجدنا هؤلاء الذين كانوا في عام 1990 ينعون علي السلطة وقوفها مع التحالف الذي قادته أمريكا في حرب تحرير الكويت ينعون عليها الآن علي العكس أنها تتملق عواطف الأغلبية وتقف ضد الاحتلال الأمريكي للعراق!. 4 ـ خاتمة: مجتمع متشظ أم وعي اجتماعي متشظ؟والآن لألخص ما أردت قوله في هذا المقال: ان مجتمعنا مثله مثل أي مجتمع آخر ينقسم بطرق لا نهاية لها الي خطوط وهمية، وهذا الانقسام هو في الأصل طبيعي وليس من شأنه بالضرورة أن يكون سبباً في الصراع والتشظي.التشظي يمكن لنا أن ننظر اليه لا علي أنه نتاج للتركيبة الاجتماعية (كما هي البديهية الزائفة التي حاولت أن أظهر خطأها) بل علي أنه نتاج للوعي المتشظي، الذي يصر علي رؤية انقسام واحد، ويريد أن يجعله سبباً للتقسيم.ونقيض هذا الوعي هو الوعي التوحيدي الذي يري المجتمع في غني خطوطه، ويري أن هذه الخطوط لا تعوق الوحدة لأن الوحدة خيار وليست معطي مسبق محدد الزامياً عبر التركيبة المجتمعية، هذا الوعي هو فقط في اعتقادي ما يمكن أن ندعوه الوعي الوطني بأكمل صوره..وهذا الوعي التوحيدي مختلف عن الوعي التوحيدي الزائف الذي يقوم علي انكار التنـــوعات الموجودة للوصول الي وحدة زائفة فيها مسكوت عنه أو بالأحري مقموع سيظهر شأن كل مكبوت حين تتاح له الفرصة أو يستثمره غاز طامع.ہ كاتب من فلسطين يقيم في برلين8