مئوية صمويل بيكيت: الشاعر الغارق في الليلك حتي ركبتيه!
ترجمة: صبحي حديديمئوية صمويل بيكيت: الشاعر الغارق في الليلك حتي ركبتيه!في الذكري المئوية لولادة المسرحيّ والروائي الإرلندي الكبير صمويل بيكيت (1906 ـ 1989)، من الإنصاف تقديمه ـ خصوصاً إلي قاريء اللغة العربية ـ بوصفه الشاعر أيضاً. ولعلّ هذه المختارات تفلح بعض الشيء في تمثيل نمط الشعر الذي كتبه بيكيت، والذي كان رفيعاً وجسوراً وناضجاً. سبب آخر أنّ بيكيت بدأ شاعراً، ويتفق اثنان من كبار نقاد النصف الثاني من القرن العشرين، مارتن إسلين وهيو كينر، علي أنّ الشعر لم يغادره قطّ، بل تواصل في رواياته ومسرحياته، واتخذ من الأشكال والتعبيرات ما يتجاوز الحسّ الشعري أو الشاعرية التلقائية أو شَعْرَنة السرد والحوار. ويضرب كينر قصيدة “النسر” مثالاً علي براعة بيكيت في التحايل علي حجم القصيدة والزمن الذي تستغرقه قراءتها، بحيث يجعل محمولها الشعوري أشدّ كثافة من معمارها المجازي والصوتي.قصائدعظام صدي النسرجَرّ جوعَه علي امتداد السماءالتي تنبسط في قوقعةٍ، جمجمة السماء والأرضانحني أمام مُنكَبٍّ علي وجهه سرعانما سيأخذّ حياته ويمشيعرضة لسخرية نسيجٍ قد لا ينفعحتي يصبح الجوع والأرض والسماء نفايات (1)ترنيمة تروبادور IIعالَمٌ عالم عالم عالموالوجه قاتمغيمة قبالة المساءلا تذكر الأموات إلا بالخير (2)الوجه يتقوّض خَجِلاًفات الأوان لكي تسودّ السماءمتورّداً ماضياً نحو المساءمرتعداً ماضية مثل زلّةيا فيرونيكا العالمفيرونيكا عالمناأعطنا مسحة علي حُبّ يسوع (3)يتصبب عرقاً مثل يهوذامتعَب من الموتمتعب من العسسالقدم في المرملاديفرز العرقوالقلب في المرملادمزيد من الفاكهة المدخنةوالقلب الشيخ القلب الشيخيتشظي خارج الحشدمستلقياً، الصدق أقولعلي جسر أوكونيلمحملقاً في زهور توليب المساءالتوليب الأخضروهّاجاً حول الزاوية مثل جمرةوهّاجاً علي مراكب غينيسوجهٌ وَقْعُ الصوتفات الأوان لكي تلتمع السماءالحقّ الحقّ أقول لكمألباستكون هنا قبل الصباحمعك دانتي والـ “عقل”(4) والأطوار والأسرار المستغلقةوالقمر الموسومخلف سهوب الموسيقي البيضاءالتي ستبسطها هاهنا قبل الصباحوقورٌ دمثٌ طروبٌ حريرٌطأطأة أمام قبّة سوداء من الأشجار النخليةمطرٌ علي زهور الخيزران من دخان زقاق القصبومَنْ رغم طأطأةٍ بأصابع الرحمةبغية اعتناق الغبارسيستنكف عن الإسهام في سخائكمَن الذي سيكون جمالُه صفحةً قبالتيقولاً من ذاته مسحوباً علي امتداد عاصفة الرموزبحيث لا شمس ولا انكشاف حجابولا مضيفسواي أنا والصفحةوالكتلة ميّتة (5)دورتموندرفي السحريّ شَفَقِ هوميروسعبر العسلوج الأحمر في الحَرَمأنا العديم وهي الفخمة المَلَكيةنحثّ الخطي نحو مصباح البنفسجنحو العلامة الرفيعة في موسيقي سيّدة الماخور.تشخص أمامي في الدكة اللامعةمهدهدة شظايا حجر اليشبوالزهد الملتئم في الصفاء الساكنوالعينان العينان سوداوان حتي تفلح اللازمة الشرقيةفي فكّ عبارة الليل الطويلة.وعندها، مثل لفافة، تُطوي،ويتّسع مجد انحلالهافي داخلي أنا، حبقوق، كبير الخطاة أجمعين.شوبنهاور مات، وسيّدة الماخورتُبعد عنها قيثارتها. (6) مالاكوداثلاثاً جاءرَجُلُ الحانوتيبليد الحسّ خلف قبعته السوداء المستديرةلكي يقيسألا يُدفع له كي يقيسهذا الجاثم في الدهليز غير قابل للفسادهذا الكاردينال التوفيقي الغارق في الليلك حتي ركبتيهمالاكودا الغارق في الليلك حتي ركبتيهمالاكودا من أجل رَوْع الخبير كلّهيكسو باللباد شرجه ويٌخرس إيماءته متنهداً نافخاً عَبْر الهواء الثقيللا مناص لا مناص لا مناصإبحثْ عن الطحالب إغرسْها في الحديقة إصغِ إليها لعلّها تري أنها ليست بحاجةأنْ تكفّنبمساعدة الثدييات ذوات الحوافرإبحثْ عن الطحالب إجذب انتباههاإصغِ إليها لعلّها تري أنها ليست بحاجةأنْ تغطيأن تتأكد أن تغطي الكلّ تغطي الكلّغرضك هذا يجعلني أحبس ماء الكبريت فيكقَدّسْ حصاد الزجاج نَظّفْ شوائبهإمكث يا سكارميليون إمكثْ إمكثْوضع هويسام هذا علي الصندوقإنتبهْ إلي أنه هو الصورةوعليها أن تصغي أن تصغي أن تصغيالكلّ علي متن السفينة كلّ الأرواحالسارية منكسة نعم نعملا (7)عظام صديملاذٌ تحت مداسي طيلة هذا النهارصوتهم المخنوق يعربد واللحم يسّاقطمنكسراً بلا خوف ولا ريح مواتيةقفّاز المعاني والترهاتإذْ تأخذها اليرقات بصفاتها تلك (8)سبيليسبيلي هناك في الرمل الذي يتدفقبين الموضع كثير الحصي والكثيبمطر الصيف يمطر علي حياتيوعليّ حياتي التي تسوقني تتبعنيإلي بدئها إلي منتهاهاسلامي هناك في الغبش المتقهقرساعة أتوقف عن وطء هذه العتبات الطويلة المتحرّكةوأعيش فضاء باب واحدينفتح وينغلقماذا سأفعلماذا سأفعل من دون هذا العالم الذي بلا وجه، غافل غير مبالٍحيث ثمة نهائيات ولكن ثمة برهة حيث كلّ برهةتُراق في الفراغ في جهالة أن تكونبلا هذه الموجة حيث في نهاية المطافينحشر الجسد والظلّ معاًماذا سأفعل من دون هذا الصمت حيث تموت التمتماتاللهثات نوبات السعار صوب المأوي صوب الحبّدون هذه السماء التي تحوّمفوق غبارها الطافح حصيماذا سأفعل ماذا فعلتُ البارحة والنهار الذي قبل أمسأحملق من المنور باحثاً عن آخَرٍيتجوّل مثلي دوّامةً بعيداً عن كلّ الأحياءفي فضاء متشنّجوسط أصوات بلا أصواتتحتشد في غَوْر خفائييطيب لييطيب لي أن تموت حبيبتييطيب لي أن يمطر المطر علي القبروعليّ أنا إذْ أذرع الشوارعحداداً عليها التي ظنّت أنها أحبّتني(9) تُنشر المختارات بالاتفاق نع فصلية الكرمل الفلسطينية، العدد 87، ربيع 2006 .هوامش المترجم:(1) معتمدة علي مقطع من قصيدة غوته “رحلة شتائية عبر جبال هاز”. (2) باللاتينية في الأصل: de mortituris nihili nisi(3) في إشارة إلي المرأة، التي ستصبح القديسة فيرونيكا، والتي مسحت بمنديلها عرق يسوع في درب الجلجلة. (4) الـ Logos في الأصل.(5) الـ Alba هو الفجر الذي يخشاه العشّاق، لأنه يعني أوان افتراقهم.(6) عنوان القصيدة نسبة إلي البيرة الألمانية التي تحمل الاسم ذاته.(7) كٌتبت هذه القصيدة يوم وفاة والد بيكيت. مالاكودا وسكارميلـــــيون شخصيتان من دانتي، وجان فان هويسام (1682 ـ 1749) رسام هولندي اشتهر بأعماله عن الزهور.(8) قصائد “عظام صدي”، وهي 13 في مجموعها، كُتبت بين 1931 و1934، ونُشرت مجتمعة سنة 1935. والعنوان مستمدّ من أوفيد، في “مسخ الكائنات”.(9) القصائد الثلاث، “سبيلي” و”ماذا سأفعل” و”يطيب لي”، كُتبت خلال 1947 ـ 1949 بالفرنسية أوّلاً ثمّ ترجمها بيكيت بنفسه إلي الإنكليزية، ليس دون تعديلات بعضها جذري. وهي بلا عناوين في الأصل، لكنها نُشرت تحت عنوان موحّد هو “ستّ قصائد”. 0