وا أسفاه : لم نستمتع بالربيع

حجم الخط
0

وا أسفاه : لم نستمتع بالربيع

رشاد أبوشاوروا أسفاه : لم نستمتع بالربيعكعادة كثير من الكتّاب، والشعراء، وغيرهم مّمن يشتغلون بمهنة الكتابة، وعدّتهم الكلمات، وجدتني أنتشي مع زهور أوّل الربيع، وأتدفّق شفوياً بفيض من نبع خفي، بما يشبه الشعر ترحيباً بتفتّح أوّل الأزهار، بشائر الربيع…زهور بيضاء، تتفتّح من أكمام خضراء، كأوّل كلام الطفل، مدهشة، مبهجة، منعشة، تبشّر بتجدّد الحياة وديمومتها. تنشده حواسي في مهرجان الألوان، أشرب بروحي العطر المتضوّع، أري فيما يري المنتشي الصوفي حقولاً، وأسمع مواويل الحرّاثين. أري نساءً يغذذن الخطي بلهفة، مسرعات مع ارتفاع شمس الضحي، إلي أزواج في الحقول ينتظرون (الزوادة)، ليفترشوا التراب، ويتناوبوا وضع اللقيمات واحدهم في فم نصفه الآخر، مع ضحكات وغمزات، وتلتقط أصابعهم فتات الخبز من بين التراب، مستمتعين بنعمة الله، هم الذين يرددون بلا كلل، ولا خشية، بيقين العارف : منها جئنا، وإليها نعود…في موسم الربيع، ونحن نعيش بين بيت لحم والخضر، في مخيّم الدهيشه، اعتدت علي الهرب من المدرسة مع عصابة أولاد متشرّدين يعشقون الحقول وينفرون من خيام المدرسة، محبين للطبيعة، تحديداً في فصل الربيع، وفصل الربيع قصير، ولا بدّ من اغتنام أيّامه، فليس كل يوم ربيع، ولا كل يوم زهور، وأنا وعصبة الفتية المتشردين بين الحقول، المتشعبطين علي الأشجار بوّد ورفق وبلا عدوانية، تآخينا مع الطبيعة، ومن خيرها كنّا نأكل، فخبزنا الحاف كنّا نغمّسه بالأعشاب الخضراء، ثمّ نتراكض تحت الأشجار، بينما تلاحقنا صيحات النواطير بشيء من التسامح ، وتفهّم طيش الأولاد وشيطنتهم.كنّا نقطع الإسفلت، ونتراكض إلي برك سليمان القانوني، فنرتوي من (ماسورة) تتدفّق ماءً بارداً يأتي من ينابيع (الخضر)، ونغسل رؤوسنا، ونبلل صدورنا، ثمّ نملأ به حفناتنا ونتراشق به جذلين، ونعود إلي الدهيشه في موعد (خروج) الأولاد من المدرسة، وكأننا لم نتغيّب عن دروسنا. (كانت المدرسة آنذاك خياماً تلعب بها الرياح، والأمطار، فهي موحلة شتاءً، مغبرّة صيفاً).في هذا العام تأمّلت مليّاً اخضرار الأغصان، وبرعمة الأوراق، وتكوّن الأزهار، لحظة بلحظة، فعندي بضع شجيرات، وبهجتي أن أتملّي الأيام القصيرة لربيعها، والربيع فصل قصير، خاطف الحضور، فهو متحوّل ومتغيّر، من الاخضرار، إلي الإزهار، ثمّ بدء تكوّن الثمار، فالنضوج و..التمتّع بأكل الثمار، والعين قبل الفّم هي التي تأكل !فصل يستحّق كل هذا الحب، وما قيل فيه من شعر، ونثر : فهو يملأ العين بهجة، والنفس راحة وفرحاً، والبطن بما لذّ وطاب.لمّا تأخّر الشتاء هذا العام، ورغم أنني بريّد جدّاً، فقد ابتهلت إلي الله أن يرسل المطر مدراراً، وكان أن استجاب الله لدعائي، ودعوات كثيرين غيري، وصلاة استسقائي الروحيّة العميقة، ولقد رددت مع الشاعر العربي : فلا نزلت علي ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادامن غير المعقول أن أكون أنانيّاً، فاستمتع بالدفء في الموسم الشتوي الناشف، ولا أفكّر بالمزارعين، وبالحاجة لماء الشرب، واغتسال الطبيعة ونظافتها، ولذا ابتهلت إلي الله من كّل قلبي، وكم كانت سعادتي وأنا أتمشّي تحت المطر، مستمتعاً بالبلل، وبنظافة الهواء، وبسماء (عمّان) وهي تتخلّص من الاحتقان بغبار خماسيني خانق هاجمنا مبكّراً هذا العام.كل ربيع عشته ذات زمن مضي، استعدته في نفسي، فاستيقظت حوّاسي : الشام بغوطتها، تونس بحقولها، بيت لحم بحواكيرها، أريحا بسهولها التي لا تغادر روحي. فأتمني لو أملك شجاعة الولدنة لأركض صائحاً بفرح مستعاد، ولكن هيهات فما مضي لن يعود، وربيعنا مهما احلو حزين…الغيوم لا تحتاج لتصريح سفر، أو إذن زيارة ـ كالفلسطيني ـ إنها تمطر في الأردن، وسوريّة، ولبنان، وفلسطين، والعراق، في نفس الوقت، رغم الحدود والاحتلال…الكلام الجميل الذي ارتجلته وأنا أتلمّس بوجد أوراق الأشجار، وأنحني لأتشمم عطر الأزهار، رافعاً رأسي إلي السماء بنظرات شكر هي صلاة قلب مؤمن، نسيتها، تبدّدت، لأنني لم اكتبها، فما يحدث في بلاد العرب، ولاسيّما في فلسطين والعراق، يسرق منّي بهجة الربيع، ويدفعني للكتابة عن مناقع الدم، والجثث، والخراب !مرّات أفكّر في اتخاذ قرار بالإضراب عن الكتابة، مع أن هذا القرار سيبهج من لا يحبّون كتابة أمثالي، والذين سيبادرون إلي الثناء علي قراري، مع استعداد لإبداء كرم وسخاء بدعم قراري ومنحي تقاعداً تشجيعاً علي صمتي، لاستدراج آخرين غيري وإغوائهم بالكّف عن كتابة ما يفضح ويثير.مرّات أتحرّق شوقاً للكتابة عن الحّب، نعم عن الحّب، فأنا أيضاً لي خافق، وفاطري ربّكم الفاطر، كما جاء علي لسان (القّس) في فيلم (سلاّمة) الذي أبدعت فيه أم كلثوم، ويحيي شاهين…عن أي حب نكتب، وعن أي ربيع؟ سيبدو الأمر كما لو أنني، وأمثالي، نقدّم وردة لشخص مزّقت جسده شظيّة صاروخ، بدلاً من أن نصرخ مطالبين بسيّارة إسعاف، ونرفع الصوت فاضحين مقترفي الجريمة بأسمائهم الصريحة.أبدأ بالكتابة المريحة، ثمّ أتوقّف، فمن غير المعقول أن أروي النكت عند أشلاء الضحايا، أو وأنا أري السيارات المحروقة بمن فيها…ما العمل ؟ هناك من يحرمنا من الاستمتاع بالربيع، برائحة زهر الليمون ـ يا ألله ما أروع عطر زهر الليمون ! إن من مزاياه أنه يبقي بعد ذبول زهور الكرز، والخوخ، والدرّاق، واللوز ـ من يحرمنا من الكتابة عن لقاء النحلة بالزهرة، لقاء الوردة بعيني من نحّب…أردّد وقد تفطّنت إلي رحيل الربيع: منهم لله، الله يغضب عليهم وينتقم منهم، ويجازيهم علي قّد ما نكّلوا بنا… صدقوني لو معي شوية مصاري لرفعت (دعوة) قضائيّة علي الرئيس الأمريكي..ـ عدنا للسياسة ! ـ متهماً إيّاه بأنه للسنة السادسة يحرمني شخصيّاً، ويحرم ملايين البشر في منطقة الشرق الأوسط القديم، من الاستمتاع بالربيع.. فهل هذه قضيّة صغيرة، وقليلة الأهميّة ؟ لقد صحّروا أيامنا، بينما الربيع يأتي ويروح، هدية الله لعباده، ولا ندري متي جاء، ومتي رحل…عن ماذا تريدونني أن أكتب بالله عليكم؟! لقد فقدنا فلسطين، والعراق، وها نحن نفقد الربيع، والقدرة علي الكتابة عن جماله.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية