تطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل: دراسة توثيقيةہ (1 من 2)
الليبيات شاركن في حركة التحرير الشعبي وبعد الاستقلال رجعن لبيوتهن لممارسة دورهن التقليديالنخب الليبية ارسلت بناتها للمدارس العثمانية لخوفها من ارسالهن الي المدارس الاجنبيةتطور حركة المرأة في المجتمع الليبي بين التمكين والتفعيل: دراسة توثيقيةہ (1 من 2)د. آمال سليمان محمود العبيديہ علي الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت دور المرأة في المجتمع الليبي، خاصة تلك التي اهتمت بقضية عمل المرأة ومساهمتها في سوق العمل، إضافة إلي المشاركة السياسية لها، والمرأة المسلحة وكذلك الدراسات التي اهتمت بقضايا التحديث والتنمية، وتغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع الليبي. إلا أن دراسة موضوع حركة المرأة في ليبيا ومحاولة رصد نشأتها وتطورها في ظل التفاعلات التاريخية التي حدثت في المجتمع عبر الفترات الزمنية المختلفة، والتي استهدفت الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تعتبر من أصعب الموضوعات التي يمكن التطرق اليها، كما أنها لم تحظ باهتمام الباحثين علي عكس الحركات الاجتماعية الأخري كالحركة العمالية علي سبيل المثال، و ذلك قد يعود إلي جملة من الأسباب التي يمكن ذكرها علي النحو التالي:أولا: إشكالية منهاجية؛ تنبع من طبيعة المفهوم نفسه أي مفهوم الحركة بصفة عامة وما يكتنفه من غموض، حيث استخدمت الأدبيات المختلفة مفهوم الحركة الاجتماعية ليرمز إلي جماعات الضغط أو الحركات الدينية والعقائدية والتي تهدف إلي تغيير القواعد والقيم السائدة. كذلك ما يتعلق بمفهوم الحركات النسائية والتي عرفت بأنها مجموعة من الحركات الصغري التي تنبعث من سلسلة من ردود الفعل التلقائية المنظمة وغير المنظمة من جانب الآلاف من النساء ، وفقا لهذا المفهوم فإن حركة المرأة في ليبيا اتخذت شكل مبادرات فردية قامت بها مجموعة من النساء وبشكل تلقائي غير منظم في فترة ما، وذلك في سبيل تعزيز وضع المرأة والدفاع عن حقوقها.ثانياً: لعب العامل الأيديولوجي الرسمي منذ عام 1969 دوراً هاماً في التجربة الليبية فيما يتعلق بتعزيز وضع المرأة، وتمكينها وتفعيل دورها، وانعكس ذلك في طبيعة العلاقة بين الدولة والمرأة كإحدي فئات المجتمع التي أولتها الأيديولوجية الليبية اهتماما خاصا. حيث نتج عن ذلك وجود فجوة بين الأطروحات الفكرية لقضايا المرأة والجوانب التنفيذية أو التطبيقية المعززة لدور المرأة في المجتمع.ثالثا: نقص المعلومات والبيانات التي تعكس دور وتطور حركة المرأة، ولعل ذلك ناتج عن غياب التوثيق بصفة عامة والتوثيق التاريخي لحركة المرأة بصفة خاصة. رابعا: غياب المراكز البحثية المتخصصة التي تهتم بدراسات المرأة ورصد تطور حركتها، والاهتمام بكل ما له علاقة بقضاياها.وبصفة عامة فإن المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا ينبغي أن يغفل طبيعة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أثرت أو ساهمت في هذا التطور. وعليه فإن هذه الدراسة هي محاولة استكشافية، تهدف إلي التعرف علي وجود حركة المرأة وتاريخها في ليبيا، وماهية الأسس التي ساهمت في تكوين هذه الحركة أو ساهمت في تطويرها، إضافة إلي ماهية اتجاهات هذه الحركة إن وجدت، وما هي العوامل التي تأثرت بها. وفي هذا الإطار فإن الدراسة ستركز علي طبيعة التطورات التي حدثت في المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة والتي انعكست بشكل مباشر علي تطور حركة المرأة في ليبيا، كذلك تتطرق الدراسة إلي تطور أوضاع المرأة الليبية من خلال التركيز علي خمس فترات زمنية هي فترة الحكم العثماني، وفترة الحكم الإيطالي، وفترة الإدارتين البريطانية والفرنسية، ثم فترة الحكم الملكي وأخيرا فترة قيام الثورة منذ عام 1969 وحتي الوقت الراهن. كذلك تبرز الدراسة أثر العامل الأيديولوجي علي تغير الاتجاهات نحو دور المرأة في المجتمع خاصة منذ عام 1969. وأخيرا تتناول الدراسة الجوانب التقييمية لدور المرأة في المجتمع الليبي من خلال الأوضاع القانونية، ومن خلال المشاركة في العمل السياسي وخاصة في عملية صنع القرار،كذلك من خلال مشاركتها في سوق العمل، ثم من خلال تقلدها للمناصب القيادية المختلفة إضافة إلي المناصب القضائية.أولاً: هدف و منهاجية الدراسةهذه الدراسة هي محاولة استكشافية لتتبع والتعرف علي وجود و تطور حركة المرأة في ليبيا، من خلال التحليل الوثائقي لأدبيات الموضوع خاصة ما يتعلق بالتطور التاريخي لأوضاع المرأة، كذلك يعتمد الجزء الأساسي من هذه الدراسة وهو المتعلق بتقييم دور المرأة وتطور أوضاعها في المجتمع علي أحد تقنيات البحث المساعدة والتي تعتمد علي التركيز الجماعي علي فئة أو فئات محدودة (Focus Groups) وهو أحد الأساليب الكيفية المساعدة التي تستخدم لاستكشاف توجهات الأفراد سواء عن طريق المقابلة المباشرة أم عن طريق الهاتف.أما في إطار هذه الدراسة فقد استخدم هذا الأسلوب، وذلك من خلال التركيز علي مجموعتين من المهتمات بشؤون المرأة والمنخرطات في العمل النسوي، حيث تم اختيارهن بطريقة عشوائية وتتضمن كل مجموعة سبع مشاركات، وقد تمت مناقشة الجوانب المتعلقة بوجود حركة المرأة وتطورها وكذلك تقييم دورها.تعتمد هذه الدراسة مفهوم حركة المرأة وهو علي النحو التالي: هي مجموعة المبادرات الفردية والجماعية التي قامت بها النساء وبشكل تلقائي غير منظم في فترات تاريخية مختلفة، وذلك في سبيل تعزيز وضع المرأة والدفاع عن حقوقها.ثانيا: المجتمع الليبي: نظرة تاريخية عامة: إن المتتبع لتطور أوضاع المرأة في ليبيا لا يمكنه أن يتجاهل طبيعة التطورات والتغيرات التي حدثت في المجتمع الليبي عبر الفترات التاريخية المختلفة، والتي لعبت دوراً حاسما في التأثير علي البيئة الاجتماعية والثقافية والبني السياسية والاقتصادية. عليه فإن فهم الخلفية التاريخية لليبيا يساعد علي فهم العوامل والعناصر التي أثرت وساهمت في تحديد الأسس التي ساهمت في تطوير حركة المرأة. تاريخيا خضعت ليبيا كغيرها من أقطار الوطن العربي للحكم العثماني منذ عام 1551، وظلت كذلك حوالي أربعة قرون حتي الغزو الإيطالي عام 1911، وإن تخلل هذه الفترة خضوع ليبيا للأسرة القرمانلية التي أعلنت قيام ملكية مستقلة استمرت من 1711 إلي 1835. احتل الإيطاليون ليبيا عام 1911، واستمر احتلالهم حوالي ثلاثة عقود، وبعد عقد من سيطرة الإدارتين البريطانية والفرنسية، أصبحت ليبيا دولة مستقلة وذلك في 24 كانون الاول (ديسمبر) 1951، تحت رعاية الأمم المتحدة. عرفت الدولة الجديدة بداية باسم المملكة المتحدة، وبعد ذلك أصبح اسمها المملكة الليبية. في عام 1969، ساهم المدخل العسكري في تغيير نظام الحكم ونتج عن ذلك إلغاء الملكية، و قيام الجمهورية العربية الليبية لتبدأ بعد ذلك حقبة جديدة من التاريخ السياسي الحديث لليبيا.6 ووفقاً لذلك يمكن القول بأن هناك جملة من العوامل ساهمت عبر مراحل مختلفة في التأثير علي طبيعة المجتمع الليبي والتي يمكن ذكرها علي النحو التالي:أولا: نتيجة لخضوع ليبيا لاستعمار العديد من القوي الأجنبية عبر الفترات التاريخية المختلفة، فإن ذلك أثر علي التجربة السياسية والثقافية خاصة ما يتعلق بنظم التعليم، والتي بدورها أثرت علي طبيعة دور المرأة واتجاهات المجتمع الليبي تجاه هذا الدور.ثانيا: لعبت العوامل الاقتصادية دورا حاسما في تشكيل التاريخ الليبي. فليبيا حتي الخمسينيات كانت مثالا جليا للفقر العام في صورته المتطرفة، وذلك كما وصفتها دراسة أجرتها الأمم المتحدة. وكما وصفHiggins ليبيا في فترة ما قبل 1952 بأنها النموذج الأصلي للبلد المتخلف ، حيث بلغ متوسط دخل الفرد 30 دولارا في السنة عام 1951 و 100 دولار عام 1960.ثالثا: كان لاكتشاف النفط في أواخر الخمسينيات أثر كبير علي تغير أوضاع الاقتصاد الليبي، والتي بدورها انعكست علي البنية الاجتماعية. فالتغير الاقتصادي ساهم في بروز فئات جديدة لها طموحاتها ومطالبها للحصول علي أدوار للمشاركة في العملية السياسية هذا من ناحية، ومن ناحية أخري ساهم التغير الاقتصادي في بروز الظاهرة الحضرية (الانتقال من الريف إلي المدينة). تلك الظاهرة التي نتج عنها زيادة عدد سكان المدن بشكل واضح؛ فبينما كان حوالي 80 بالمئة من الليبيين يعيشون في الأرياف يمارسون مهنتي الزراعة والرعي فإنه بحلول 1967 كان ثلثا السكان في ليبيا يعيشون في المدن والمناطق الحضرية، مما نتج عن ذلك زيادة الطلب علي الإسكان والخدمات الصحية، إضافة إلي توسع وزيادة الفرص التعليمية. ولقد كان التقدم في المجال التعليمي واضحا ومؤثرا، خاصة بالنسبة للمرأة الليبية التي اعتبرت من الفئات الجديدة التي ساهم التعليم في توعيتها وخروجها للعمل.رابعا: أصبح التعليم أحد أهم العوامل التي ساهمت في تشكيل الثقافة السياسية المعاصرة في ليبيا، حيث ارتبط النظام التعليمي عبر الفترات التاريخية المختلفة ارتباطا مباشرا مع النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فقد كان للتعليم كقناة رسمية للتنشئة السياسية والاجتماعية دور هام في تغيير أنماط القيم واتجاهات الأفراد في المجتمع خاصة تلك المتعلقة بدور المرأة في المجتمع.ثالثا: تطور أوضاع المرأةفي المجتمع الليبي ـ مدخل تاريخي:إن محاولة التعرف علي وضع المرأة الليبية لا يمكن أن تتم بمعزل عن الاحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي مرت بها ليبيا خلال فترات تاريخية مختلفة. فيما يتعلق بهذا الجانب، ولغرض الدراسة سيتم تقسيم مراحل تطور أوضاع المرأة في ليبيا إلي فترات شبيهة بتلك التي ينقسم إليها التاريخ العام للبلاد، وهي خمس فترات زمنية: فترة الحكم العثماني، وفترة الحكم الإيطالي، وفترة الإدارتين البريطانية والفرنسية، ثم فترة الحكم الملكي، وأخيرا فترة قيام الثورة منذ عام 1969 وحتي الوقت الراهن.الفترة الأولي 1835ـ1911:علي الرغم من أن فترة الحكم العثماني لليبيا امتدت من 1551 إلي الاحتلال الإيطالي في عام 1911، يمكن القول بأن تأثير هذه الفترة انعكس بشكل واضح علي طبيعة الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع خاصة تلك المتعلقة بالمرأة، وبصفة عامة يمكن القول بأنه لم تتوفر أية معلومات عن دور المرأة في المراحل الأولي للحكم العثماني لليبيا،وعليه سيتم التركيز علي المراحل المتأخرة للحكم والتي بدأت بعد انتهاء حكم الأسرة القرمانلية في ليبيا عام 1835 .وعلي الرغم من أنه لم يكن للمرأة دور في المجتمع خلال تلك الفترة، إلا أنه يمكن رصد وجودها من خلال تتبع تطور النظام التعليمي في العهد العثماني، وفي هذا الإطار يمكن القول بأن التعليم في تلك الفترة اعتمد علي التعليم الديني بدرجة خاصة، وخلال المراحل الأولي كانت أبرز مراكز التعليم في ليبيا هي مؤسسات دينية تمثلت في الكتاتيب والزوايا. وكذلك فقد عاني التعليم من محدودية المناهج وغياب فرص التعليم أمام الإناث، مما يعكس التمييز المجتمعي الأوسع بين الذكور والإناث. ورغم إنشاء مدرسة رشدية (إعدادية) واحدة للبنات في طرابلس، إلا أن الهدف من إنشائها كان منع بنات ضباط الحامية التركية من الالتحاق بالمدارس الأجنبية، أي أن تلك المدارس لم تكن مفتوحة للجميع مما يعكس نخبوية التعليم في هذه الفترة. وعلي الرغم من تأسيس جمعية نسائية تحت اسم جمعية النسوان العثمانية الخيرية كان الغرض منها هو تهيئة أمهات المستقبل حيث يدخل في هذه التهيئة التعليم بصفة خاصة،إلا أن ذلك لم يوسع قاعدة التعليم بالنسبة للمرأة.وبصفة عامة لم يقم النظام العثماني بإدخال نظام تعليمي أكثر حداثة إلا في القرن التاسع عشر، حيث كان الدافع الأساسي وراء ذلك هو توفير موظفين للدولة، أي للإدارة البيروقراطية والجيش. كما أن التعليم ظل حكراً علي النخبة التي تمتلك الموارد الاقتصادية الضرورية لتمكين أبنائها من الدراسة، وكان بروز تعليم النخبة خاصة في مجال التعليم العالي يمثل وسيلة إعداد لهم ليكونوا جزءا من نظام الدولة. أما فيما يتعلق بمشاركة المرأة في العمل، فيبرز دور المرأة البدوية أكثر وضوحا من قاطنات المدن، وذلك من خلال مشاركتها في الرعي والزراعة، وإن برز دور المرأة بشكل محدود في العهد العثماني الثاني من خلال عملها في الغزل والحياكة وصناعة الحصر خاصة في مناطق نالوت وطرابلس ومصراتة. ففي تلك الفترة تعتبر المغزولات إحدي صادرات طرابلس الغرب والتي تبلغ حوالي الف جنيه استرليني كل عام. ويبدو أن اهتمام المرأة بالعمل في مجال الغزل والحياكة والنسيج هو انعكاس لوضعها الاجتماعي، حيث أن ممارسة هذا العمل لا تتطلب الخروج من البيت وهو ما يتناسب مع طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع الليبي خلال تلك الفترة والتي تتعلق بمسألة خروج المرأة.الفترة الثانية 1911 ـ 1943 :تمثل فترة الحكم الإيطالي، 1911 ـ 1943، الفترة الرئيسة الثانية، ويمكن تقسيم الفترة الإيطالية إلي مرحلتين أساسيتين تبدأ الأولي من 1911 إلي تشرين الاول (أكتوبر) 1922 (فترة الانقلاب الفاشي في إيطاليا)، والثانية من 1922 وحتي هزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية عام 1943.خلال فترة الاحتلال الإيطالي، عملت الحكومة الإيطالية علي زيادة عدد المدارس في جميع انحاء البلاد، وكان الهدف الرئيس لإقامة هذه المدارس هو تعليم اللغة الإيطالية ونشر الثقافة الإيطالية بين الطلاب، حيث كان ذلك جزءا من مشروع الطلينة الاستعماري من أجل خلق ليبيين موالين لروما. ولقد بذلت الحكومة الإيطالية جهودا كبيرة من أجل توفير مدارس للحضانة ومدارس ابتدائية وثانوية وفنية، كما أنشأ الإيطاليون مدارس عربية كان لها هدف مزدوج وهو اجتذاب الطلاب العرب لتعلم الثقافة الإيطالية، إلي جانب تعليم الطلاب الإيطاليين اللغة العربية، مما سيساعد الإيطاليين علي السيطرة علي ليبيا. أما فيما يتعلق بتعليم المرأة فقد ساهمت المدارس اليهودية التبشيرية في تعليم البنات التطريز وأشغال الإبرة و ما يلزمها في إدارة البيت مما جذب بعض العناصر الوطنية. وبصفة عامة فقد بلغ ما أنشأه الطليان من المدارس في ليبيا حتي عام 1939 تسعين مدرسة تضم 9433 تلميذا و1055 تلميذة. وقد بلغ عدد التلميذات في متصرفية طرابلس العامة 624 طالبة، وفي متصرفية مصراتة 130 طالبة، وفي متصرفية بنغازي 192 طالبة، وفي متصرفية درنة 70 طالبة، وفي مناطق الجنوب 39 طالبة. وفي إطار تعليم البنات افتتحت في عام 1936 مدرسة للبنات المسلمات في طرابلس وأعد بها قسم داخلي تأوي اليه البنات من مختلف مناطق ليبيا، كما اسند أمر هذا المعهد إلي سيدات إيطاليات وعربيات. كما أنشئت مدرسة للممرضات المسلمات في كانون الثاني (يناير) 1936، حيث انتسبت إليها في نفس العام 25 طالبة. وكان الهدف من إنشاء هذه المدرسة ليس لتهيئة المرأة للعمل في مهنة التمريض رسميا، بل السعي إلي غاية أخري وهو نشر لمبادئ الصحة والإسعاف الصحي بين القبائل والمراكز الصغيرة، وقد بلغ عدد الطالبات عند نهاية السنة الأولي 73 طالبة. ومن خلال تحليل الأرقام وملامح التعليم المتعلقة بالمرأة في هذه الفترة، يلاحظ أن انخراط الليبيين وإقبالهم علي التعليم في المدارس الإيطالية لم يبرز إلا بعد انتهاء حركة المقاومة الشعبية. حيث لم يكن هناك إقبال من الليبيين في تلك الفترة علي التعليم الإيطالي، ويرجع ذلك إلي جملة من الأسباب أولا: لانشغال الليبيين بالحرب والمقاومة ضد إيطاليا، ثانيا: لعدم ثقة الأهالي في نوعية التعليم الذي كان يقدم في المدارس الإيطالية. وانعكس ذلك في محاربة المواطنين الليبيين للنظام التعليمي الإيطالي وسياسة الطلينة خلال السنوات الأولي من الاحتلال، إضافة إلي رفضهم إرسال أبنائهم إلي المدارس الإيطالية خشية أن يفقدوا ديانتهم الإسلامية وثقافتهم وتقاليدهم. وكانت ردة فعل سكان ليبيا تجاه الطلينة القسرية قد تمثلت في فتح أكبر عدد من الكتاتيب والمدارس القرآنية، التي تم تمويلها من ثرواتهم الشخصية، من أجل تعليم الأطفال الليبيين، والحفاظ علي دينهم ولغتهم وتراثهم الثقافي عن طريق هذه المؤسسات. ولعل ذلك عزز ما يمكن أن نسميه بقوة الطرد الحضاري للمجتمع مما نتج عنه خلق وتعزيز الثقافة المقاومة. ومن خلال الإحصاء التقريبي لهذا النوع من المؤسسات خلال سنوات 1930ـ 1933، وجد أن عدد تلاميذها بلغ 10738 تلميذا، ففي بنغازي وحدها علي سبيل المثال، كان يوجد ثلاثون كتابا بها نحو سبعمائة تلميذ. تأسيسا علي ما سبق، فإن دور المرأة الليبية كان يبدو أكثر وضوحا خلال فترة الاحتلال الإيطالي من خلال مشاركتها في حركة المقاومة؛ ويبرز دورها في الصفوف الخلفية للمجاهدين حيث كانت تقوم بالاستطلاع، وتساهم في عملية إمداد المجاهدين بالتموين والمياه وتقديم العــــون للجرحي والمصابين ورفع الروح المعنوية للمقاتلين، وفي عملية الاتصال ونقل المراسلات بين المجاهدين، كما شاركت المرأة في نقل أخبار العدو ورصد حركاته وتحركاته. ففي هذا الإطار وصف أنور باشا (وهو أحد الضباط الأتراك الذين شاركوا في مرحلة المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي في برقة) في مذكراته دور رجال القبائل ومشاركة المرأة علي النحو التالي: كان لكل مجموعة تتكون من خمسة عشر مقاتلاً من قبيلة واحدة، خيمة واحدة ينامون فيها ويترأسهم عريف أو نائب عريف يعينه شيخ القبيلة. وكان يخصص لكل خيمة امرأة تقوم بخدمة الجنود وعمل ملابسهم وإعداد الطعام لهم أثناء راحتهم وحمل الماء والطعام اللازم للمقاتلين في ميدان المعركة، إلي جانب إثارة همم الرجال أثناء المعركة وتضميد جراح المصابين ورثاء الشهداء منهم وذكر محاسنهم. وقد كان في معسكري عين أبي منــــــصور والظهر الحمر عدد من المجاهدات يـــتراوح ما بين 450 إلي 500 مجاهدة .ولعل الدور الاستثنائي الذي قامت به المرأة الليبية خلال هذه المرحلة يبدو طبيعيا في مواجهة الخطر الخارجي المتمثل بمشاركتها في حرب التحرير الشعبية ضد الاحتلال الإيطالي، إلا أن هذا الدور سرعان ما تلاشي بعد انتهاء الحرب، وأصبح دورها محدودا جدا في مرحلة ما بعد التحرير. ويمكن القول هنا بأن ذلك شبيه بأوضاع المرأة في حركات التحرر الأخري، وينتهي دورها بانتهاء فترة المقاومة، حيث تترك ترتيبات مرحلة إرساء قواعد الدولة الوطنية ومرحلة ما بعد التحرر أو الاستقلال للرجل.الفترة الثالثة 1943 ـ 1951:بعد هزيمة إيطاليا عام 1943 وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، خضعت ليبيا للإدارتين البريطانية والفرنسية، حيث خضع إقليما برقة وطرابلس لبريطانيا، وخضع إقليم فزان لفرنسا. ولعل من أبرز المشاكل التي واجهت ليبيا في تلك الفترة؛ اختلاف النظم الإدارية والاقتصادية والتعليمية. وبصفة عامة يمكن ملاحظة العديد من التطورات الجوهرية خلال هذه الفترة، وأهمها:أولا: انتشار الإدراك بأهمية التعليم بين السكان الليبيين بصورة أوسع، حيث بذل الليبيون جهدهم من أجل توفير فرص التعليم لأطفالهم. مما نتج عن ذلك تزايد المطالب بإعادة فتح المدارس التي أغلقت خلال الحرب.ثانيا: حصلت الإناث علي فرص أعظم للتعليم عن ذي قبل، ونتج عن ذلك إنشاء الإدارة البريطانية لعدد من المدارس لتعليم البنات، بلغ مجموعها في سنة 1948 أربع عشرة مدرسة، حيث بلغ عدد طالباتها 145.وارتفع عدد الطالبات في المدارس الحكومية ليصل في سنة 1951 إلي ثلاثة آلاف فتاة، بمن في ذلك طالبات كلية تدريب المعلمات التي افتتحت في مدينة طرابلس في أوائل 1951 حيث كان عدد الطالبات عند افتتاح الكلية 28 فتاة، تتراوح أعمارهن بين 12 و 15 سنة. وفي شهر تشرين الاول (أكتوبر) من نفس السنة، زاد هذا العدد فأصبح 88، وقد الحقت بالكلية مدرسة ابتدائية لثلاثمائة من التلميذات الفقيرات، بقصد تدريبهن علي التعليم وتشرف علي دار المعلمات مديرة فلسطينية و7 مدرسات فلسطينيات. أما عن تعليم البنات في برقة خلال هذه الفترة، فقد افتتحت مدرستان مع افتتاح مدارس الأولاد في كل من بنغازي ودرنة، ثم افتتحت الثالثة بالمرج، ولقد تم تدريب ثلاث مديرات لمدارس البنات بمصر، وتولت كل منهن إدارة مدرسة. في عام 1946 بلغ عدد الطالبات في بنغازي 888 تلميذة، أما عدد المدرسات فقد بلغ 25 مدرسة. خلال هذه الفترة تمت الاستعانة بالليبيات في مجال الإدارة التعليمية، حيث عينت السيدة حميدة محمد طرخان (المعروفة بحميدة العنيزي)، وهي من مواليد بنغازي 1892، كأول مديرة لأول مدرسة للبنات في عهد الإدارة العسكرية البريطانية. السيدة العنيزي كانت قد استكملت دراستها في تركيا وبعد عودتها سنة 1912، رفض والدها السماح لها بالعمل في مدارس العهد الإيطالي، ولكنها فتحت بيتها لتعليم مبادئ القراءة والكتابة، ولتحفيظ القرآن الكريم، ولتعليم التطريز والحياكة. كانت السيدة العنيزي تعمل بنشاط واسع وكأنها جمعية بفرد، في وقت لا توجد فيه جمعيات، حيث ساهمت بمجهوداتها في تشجيع النساء والأخذ بأيديهن للتعلم واقتحام مجالات العمل المناسبة. كما كانت تحاول جاهدة اقناع أولياء الأمور لإدخال بناتهم المدارس وتكملة تعليمهن الثانوي والجامعي في وقت كانت التقاليد تمنع فيه الفتاة من الخروج لطلب العلم والاختلاط. وبصفة عامة فإن أبرز ملامح هذه الفترة:أولا: مهدت هذه المرحلة لخروج المرأة للعمل خاصة في مجال التدريس، وبرز ذلك من خلال تزايد أعداد المعلمات الإناث، وإن اقتصر تعليم وخروج المرأة علي النخبة في المجتمع.ثانيا: ساهمت ظاهرة الهجرة العكسية إلي الوطن من قبل المهاجرين (الذين هاجروا من ليبيا إلي الأقطار العربية أثناء الاحتلال الإيطالي) في زيادة نسبة الوعي تجاه تعليم المرأة ودورها، من خلال تأكيد العائدين علي فائدة تعليم البنات، واشتراك المرأة في الحياة العامة. 7