أهمية الفضاء العربي لدول الخليج
د. علي محمد فخروأهمية الفضاء العربي لدول الخليجتقول أدبيات التنمية المستقلة بأن لها شروطاً ثلاثة لكي تتحقق. فهي تحتاج لرأسمال محلي تراكمي ولقدرات تقنية وبشرية متطورة ولسوق واسعة وطنية وإقليمية. مثل تلك الشروط متوفرة اذا ماتحدثنا عن تنمية مستقلة عربية، وغير متوفرة إذا ماتكلمنا عن تنمية مستقلة لهذه الدولة العربية أو تلك مهما كان حجم هذه الدولة ومهما كان غني تلك. فالدولة العربية التي يزيد عدد سكانها عن السبعين مليوناً ولكن دخل الفرد السنوي فيها لايزيد معدله عن الألفين دولار تواجه نفس الإشكالية التي تواجهها دولة عربية لايزيد عدد سكانها عن نصف مليون ولكن يرتفع معدل دخل الفرد السنوي فيها إلي حوالي خمسين ألف دولار.ولكن إن حكمت الثقافة العربية الإسلامية مشروع التنمية العربية فان الصورة والإمكانيات تتبدل جذرياً نحو الممكن ونحو الأفضل.فالرأسمال المحلي التراكمي لايتوفر في أغلب البلدان العربية، لكن الفائض الضخم للعائدات البترولية يمكن أن يكون المدخل لحلٍّ تلك الإشكالية لدي الجميع ومن أجل الجميع. فتنمية دول الخليج العربية المعقولة والمستدامة، والتي لايزيد عدد سكانها المواطنين جميعاً عن ثلاثين مليوناً، لاتحتاج لدخل سنوي يقترب من الخمسمئة مليار دولار. وبالتالي فانه سيكون لديها فائض كبير للمساهمة في إيجاد رأسمال محلي تراكمي لبقية بلاد العرب.ومن جانب آخر فان القدرات التقنية والبشرية المتطورة تتوفر بشكل معقول في كثير من البلدان التي ليس لديها فائض مالي، وتتوفر بشكل رفيع المستوي وكفؤ ومتكامل إذا نظر إلي بلاد العرب كفضاء واحد لتلك القدرات. ولما كانت دول الخليج العربية تستورد الملايين من البلدان غير العربية لسدٍّ النواقص الكبيرة في قدراتها البشرية وتعرٍّض نفسها لمخاطر مستقبلية كبري من جُّراء الوجود غير العربي والإسلامي في مجتمعاتها، فان تكاملها مع فضائها العربي سيحلُّ الإشكاليتين: النقص في القدرات البشرية والمخاطر الاجتماعية ـ الثقافية ـ السياسية الناتجة عن تكدُّس العمالة غير العربية.وأخيراً فان وجود سوق واسعة وطنية أو إقليمية قد كتب عنها الكثير، وهي ستتوفُّر بصورتها الواقعية في بناء السوق العربية المشتركة.هناك جوانب ثلاثة تحتاج إلي أن تؤخذ بعين الإعتبار. فأولاً لاتعني التنمية المستقلة الانغلاق علي الذًّات وعدم التفاعل مع الآخرين، فهذا غير ممكن علي أي حال في عصر العولمة الذي نعيش. وإنما المقصود هو التفاعل مع الآخرين، خصوصاً علي المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، بنديُّة وبأخذ وعطاء وبتبادل منافع وبصف عربي واحد وليس باستغلال ونهب وتبعيًّة وبتشرذم. ويخطئ من يعتقد أن ذلك غير ممكن ـ فالأوراق التي في يد العرب كثيرة وفي مقدٍّمتها إمتلاك بلاد العرب لثلثي المخزون من مصادر الطاقة البترولية والغازية العالمية. إن دخول أمريكا في حروب استعمارية مجنونة وانفتاح أوروبا والصين والهند علي أرض العرب يشهدان علي أهمية هذه الورقة.وثانياً فإن التنمية المستقلة هي واحدة من المكونات الستة للمشروع العربي النهضوي الشامل الذي يشمل الوحدة العربية والديمقراطية والاستقلال القومي والوطني والعدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري. وعليه فإنها تنمية متفاعلة في علاقة تبادلية تكاملية ديناميكية مع كل تلك المكونات وعليه فالعمل لها سيعني العمل لجميع المكونات بصورة غير مباشرة. وثالثا: فان أية تنمية لاتحكمها وتأخذ بيدها ثقافة المجتمع يمكن ان تهيم وتخطئ أهدافـها. ونحن نجزم بأن الثقافة العربية الإسلامية غير المحرُّفة تتمحور حول العدالة والأخوة والتراحم والمصالح العامة المرسلة وإعمار الأرض والرًّشاد في التصٌّرف مع من وما خلق ربُّ الكون. وهي إذن ستكون تنمية لسدٍّ حاجات الناس أولاً وليس بناء حياة مصطنعة مرفُّهة وهمية لبعض الناس، وهدفها اغناء الإنسانية وليس تراكم الأرباح. مثل هكذا ثقافة لايمكن إلاً أن تقود إلي تنمية عربية وإسلامية وإنسانية.لدي بلدان الخليج العربية الآن فرصة بالغة الثراء والروعة والطموح للمساهمة في بناء تلك التنمية، فهل سنجعلها جزءاً من رسالتنا؟9